هنا في الصين عبّرت الجهات الرسمية والإعلامية عن ترحيبها الكبير بالزيارة التاريخية التي قام بها جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ. ووصف الجانب الصيني الزيارة بأنها فرصة كبيرة ومهمة لدفع الشراكة الاستراتيجية نحو آفاق جديدة.
واللافت في التصريحات الصينية بشأن هذه الزيارة أنها تحمل إشارات واضحة إلى مكانة عُمان في الحسابات الصينية، وطبيعة العلاقة التي تتطلع بكين إلى تطويرها مع بلدنا العزيز سلطنة عُمان.
من المعلوم أن العلاقات الصينية- العُمانية ليست وليدة المصالح الاقتصادية المعاصرة، بل هي علاقات قديمة تمتد جذورها إلى قرون خلت من التواصل التجاري والبحري بين البلدين.
فمنذ زمن بعيد كانت السفن والتجار العُمانيون يجوبون البحار والمحيطات وصولًا إلى الموانئ الصينية، وفي المقابل وصلت سفن القائد البحري الصيني (تشنغ خه) إلى السواحل العُمانية في القرن الخامس عشر ضمن رحلاته البحرية الشهيرة.
وقد أسهمت هذه الصلات في بناء تاريخ طويل من التواصل التجاري والحضاري بين البلدين الصديقين سبق بكثير إقامة العلاقات الدبلوماسية الرسمية بينهما عام 1978، ثم ترقيتها إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية عام 2018.
اليوم في ظل المتغيرات الجيوسياسية والجيواقتصادية التي يشهدها العالم تبرز أهمية تعزيز العلاقات الصينية- العُمانية، وتوسيع مجالاتها لتشمل أبعادًا استراتيجية وتنموية أشمل وأعمق بما يخدم المصالح المشتركة للبلدين.
ومن خلال وجودي في الصين كطالب دكتوراه في العلاقات الدولية، ومتابعتي لما تنشره وسائل الإعلام الصينية عن سلطنة عُمان، وكذلك من خلال تواصلي المباشر مع الأكاديميين والباحثين والمهتمين الصينيين، خصوصًا في مجالات العلاقات الدولية والدبلوماسية والاقتصاد؛ أجد أن نظرة الصين إلى سلطنة عُمان تستحق التوقف عندها وتحليلها.
فهذه النظرة لا تقتصر على العلاقات التاريخية أو المصالح الاقتصادية والتجارية فقط، بل تمتد إلى اهتمام كبير بالدور السياسي والدبلوماسي الذي تقوم به عُمان في منطقة الشرق الأوسط، وأهمية موقعها الجغرافي الفريد، وما تمثله كشريك موثوق في ظل التحولات الإقليمية والدولية.
ومن خلال متابعة التصريحات الرسمية والتحليلات المنشورة في وسائل الإعلام ومراكز البحوث الصينية يمكن ملاحظة أن عُمان يُشار إليها بوصفها شريكًا مهمًا وموثوقًا في الشرق الأوسط.
وهي نظرة استراتيجية تجمع بين الأبعاد الجغرافية والاقتصادية والسياسية والدبلوماسية، وتضع عُمان في إطار أوسع من كونها مجرد دولة منتجة للنفط.
وعلى سبيل المثال، تقول تونغ فاي، الباحثة الصينية المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط بالأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، إحدى أبرز المؤسسات البحثية الحكومية في الصين، في مقال نشرته صحيفة الشباب الصينية عشية الزيارة السامية: إن سلطنة عُمان دولة ذات موقع خاص باعتبارها «نقطة ارتكاز للتوازن» في المشهد الخليجي، وتؤدي دورًا بنّاءً ومتميزًا في القضايا الإقليمية.
وترى أن هناك توافقًا كبيرًا بين الاستراتيجيات التنموية للبلدين. واللافت في هذه القراءة أنها لا تنظر إلى عُمان من زاوية موقعها الجغرافي ومواردها النفطية فحسب، بل تبرز أيضًا دورها الدبلوماسي، واستقلالية قرارها السياسي، والفرص التي توفرها رؤيتها التنموية للتعاون مع الصين.
من منظور صيني تبدأ صورة عُمان من الطاقة لكن لا تتوقف عندها؛ فالصين هي الشريك التجاري الأول للسلطنة من حيث حجم التبادل التجاري، وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 9.6 مليار ريال عُماني عام 2025 بحسب بيانات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات، منها 7.7 مليار ريال صادرات عُمانية إلى الصين، و1.9 مليار ريال واردات منها. كما استوردت الصين عام 2024 نحو 94.1% من صادرات السلطنة من النفط الخام.
غير أن الدوائر الاقتصادية الصينية لا ترى في عُمان مجرد مورّد للنفط، بل تقرأ «رؤية عُمان 2040» بوصفها فرصة لشراكة أوسع في الهيدروجين الأخضر والطاقة المتجددة والصناعات التحويلية والاقتصاد الرقمي.
وفي هذا السياق تُطرح المدينة الصناعية الصينية في الدقم نموذجًا لما تأمل بكين أن تصبح عليه العلاقة الاقتصادية المستقبلية، وهي علاقة تنتقل من تجارة النفط إلى التكامل التجاري والاستثماري والصناعي الشامل.
ولأن الصين من أكبر مستوردي النفط في العالم، وتعتمد تجارتها على ممرات بحرية آمنة؛ فإنها تنظر إلى الموقع الجغرافي الفريد لسلطنة عُمان باهتمام بالغ؛ فسلطنة عُمان تُطل من خلال محافظة مسندم على مضيق هرمز، الممر الأهم لتجارة النفط والغاز في العالم، كذلك تقع موانئ صحار والدقم وصلالة خارج المضيق، وهذه المعادلة تمنح عُمان في الحسابات الصينية قيمة مضاعفة، لا سيما في هذه الأيام التي تشهد فيها المنطقة حربًا وتهديدات للملاحة البحرية.
أما البعد الأكثر حضورًا في القراءة الصينية لبلدنا العزيز سلطنة عُمان فهو الجانب الدبلوماسي.
فقد منحت السياسة الخارجية العُمانية الفريدة والهادئة لعُمان قدرة على التواصل مع أطراف متنازعة وأداء أدوار في الوساطة وتسهيل الحوار في ملفات إقليمية شائكة.
وترى بكين أن هذا النهج يتماشى مع «مبادرة الأمن العالمي» التي طرحها الرئيس شي جين بينغ في أبريل 2022، والقائمة على حل النزاعات عبر الحوار والتشاور واحترام السيادة.
ومن أبرز الأمثلة في أدبيات العلاقات الدولية التي يتم تداولها على الحضور السياسي والدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط المعاصر وساطتها الشهيرة بين المملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية الإيرانية في مارس 2023؛ حيث إن هذه الوساطة لم تأت من جهود دبلوماسية صينية مجردة، بل سبقتها جولات حوار استضافتها سلطنة عُمان والعراق خلال عامي 2021 و2022، وهو ما عبّر عنه الجانبان السعودي والإيراني في البيان الثلاثي الصادر في بكين بالشكر للبلدين في اعتراف بأن الدبلوماسية الهادئة مهّدت لما توّجته الصين.
وهنا يمكن القول: إن الصين تنظر إلى سلطنة عُمان بوصفها قناة وجسرًا دبلوماسيًا موثوقًا لحل الخلافات في الشرق الأوسط، خصوصًا فيما يتعلق بالتجارة والملاحة البحرية، سواء في بحر عُمان ومضيق هرمز أو في البحر الأحمر وباب المندب؛ لقدرة الدبلوماسية العُمانية إلى الوصول إلى جميع الأطراف.
ولعل الوساطة العُمانية التي أفضت في مايو 2025 إلى اتفاق بين الولايات المتحدة والحوثيين يقضي بوقف استهداف كل طرف للآخر خير شاهد على ذلك.
ورغم أن الفائض التجاري يسجل لصالح سلطنة عمان بفضل صادرات النفط ما زال التبادل غير النفطي يميل لصالح الصين؛ إذ بلغت صادرات عُمان غير النفطية إلى الصين حتى نهاية أغسطس 2026 نحو 210.7 مليون ريال في حين بلغت الواردات العُمانية من الصين، وهي في معظمها سلع غير نفطية، نحو 1.74 مليار ريال. كما بلغ رصيد الاستثمار الصيني المباشر في السلطنة نحو 903.8 مليون ريال عُماني بنهاية يونيو 2026، وهو ما يمثل قرابة 2.8% من إجمالي رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر في عُمان، غير أن هذه الفجوة يمكن أن تُقرأ كفرصةً للاستثمار طويل الأمد وليس عائقًا أمامه.
في النهاية، يمكن القول: إن عُمان تُرى من الصين كشريك استراتيجي أكثر من كونها مجرد دولة شرق أوسطية مُصدِّرة للنفط؛ شريك يجمع بين الاستقرار السياسي، والقيادة الحكيمة، والدبلوماسية الفعالة، والموقع الجغرافي المميز، علاوة على الفرص الاقتصادية الواعدة التي يمكن أن تتكامل مع المصالح الصينية.
ومن هذا المنظور فإن سلطنة عُمان ليست مجرد محطة على طريق الحرير الجديد، بل جسر بين الصين والشرق الأوسط تلتقي على أرضه مبادرتا الصين «الحزام والطريق» و«الأمن العالمي» مع رؤية «عُمان 2040» ونهجها الدبلوماسي القائم على الحوار والوساطة في ظل نظام دولي يتجه نحو تعددية الأقطاب.