لهذا لن تحدد القوى المتوسطة شكل الشرق الأوسط

03 نوفمبر 2026
03 نوفمبر 2026
ترجمة: أحمد شافعي

في جميع أرجاء الشرق الأوسط تنزع البلاد ذات الموارد الكبيرة في البشر والطاقة إلى وضع أنفسها في موضع «القوى المتوسطة». ويبدو أن هذا المفهوم متزايد الرواج قد بات الآن مشبعا بالعديد من التحليلات المتعلقة بموضوع التحالفات المتعددة والسياسة الخارجية متعددة العوامل إلى آخر ذلك.

وبرغم أن البيئة الدولية لا توفر مجالا أكبر للمناورة الدبلوماسية؛ فإن توزيع القوة الفعلية يبقى متفاوتا بدرجة كبيرة. وثمة ثلاثة اعتبارات في هذا الصدد:

أولا: وضع القوة المتوسطة لا يعني كثيرا من الناحية الاستراتيجية دونما قدرات عسكرية ذات مصداقية.

ثانيا: لا يزال نفوذ كثير من القوى المتوسطة يعتمد على علاقاتها بقوة عظمى أكثر من اعتماده على قدراتها على العمل منفردة.

ثالثا: ليست القوى المتوسطة ذات النفوذ بالظاهرة الجديدة؛ فالتاريخ يطرح لنا وفرة من الأمثلة لدول تستغل التنافس الجيوسياسي في حين أن قليلا منها هو الذي جعل من نفسه قوى عظمى.

تقوم حجة القوى المتوسطة في أغلبها على فكرة أن الاعتماد على الولايات المتحدة لم يعد ممكنا، وعلى أن قوة واشنطن قد تقلصت. والواقع مختلف عن هذا؛ فقد أكدت حرب إيران أن دول الخليج لا تزال معتمدة على الولايات المتحدة التي لا تزال إلى حد بعيد القوة العسكرية والاقتصادية الكبرى والقادرة على خوض حروب من بعيد.

وحتى الانسحاب الأمريكي من أفغانستان والعراق عكس نقل المسئولية إلى فاعلين محليين، وهي سياسة اتبعتها واشنطن منذ أكثر من عقد، أكثر مما عكس انحدارا في استعراض القوة الأمريكية.

ومع ذلك تعمل قوى الشرق الأوسط على تنويع شراكاتها العسكرية والاقتصادية. وهذه الإجراءات ترقى إلى وقائع مساومة، وتحالفات تكتيكية، ومكتسبات قريبة المدى، لكنها تترك توازن القوى بعيد المدى على حاله دونما تغيير.

ولا يجب الخلط بين اتساع مجال المناورة وبين القدرة الجيوسياسية، أو الظن بأن زيادة الشركاء تجلب زيادة الأمن.

واتفاقية مكة للدفاع المشترك الموقعة في سبتمبر بين تركيا والسعودية وباكستان تعد على نطاق واسع إجراء للردع أكثر من كونها تحالفا فاعلا مستعدا لنشر قوات.

يتيح الفراغ الناجم عن اضطراب مكانة واشنطن العالمية لبلاد الشرق الأوسط استكشاف العديد من الشراكات؛ فلا يزال بوسع هذه البلاد أن تكتسب نفوذا من خلال إقامة صناعات سلاح محلية واقتصادات منوعة من خلال التقارب مع روسيا والصين والاتحاد الأوروبي والهند وباكستان، لكن هذه الجهود نادرا ما تفلح على المدى البعيد في تغيير توازن القوى في المنطقة.

ولا ينفرد الشرق الأوسط بتعدد الشراكات؛ فقد مارسته دول جنوب القوقاز ووسط آسيا ـ الواقعة بين روسيا والصين وإيران وتركيا ـ منذ ثلاثة عقود في ظل ضغط أكبر كثيرا، ويوضح سجلها في ذلك الفارق بين دول تجمع الشركاء ودول قادرة على العمل بمفردها.

فأرمينيا لا ترى نفسها قوة متوسطة، لكنها الآن تسعى إلى المضي في مسار متعدد الاتجاهات مثلما تبنى جيران لها ذلك منذ أمد بعيد. فالتوترات مع روسيا دفعت يريفان إلى مراكمة عدد هائل من الشراكات الاستراتيجية مع بلاد أوروبية وآسيوية.

وقد جمّدت أرمينيا مشاركتها في منظمة معاهدة الأمن الجماعي بقيادة روسيا سنة 2024 وتقول: إنها لن ترجع إليها، وتقدمت بطلب لعضوية الاتحاد الأوروبي، ووقّعت ميثاق شراكة استراتيجية مع واشنطن، وقبلت (مسار ترامب) المدعوم أمريكيا في جنوبها، ولجأت إلى الهند وفرنسا طلبا للأسلحة.

فاز حزب رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان بانتخابات يونيو وفق ذلك البرنامج برغم الحظر التجاري الروسي والتحذيرات المتعلقة بأسعار الغاز. ويظل التحول غير مكتمل؛ فشركة غازبروم تسيطر على توزيع الغاز في أرمينيا، والقوات الروسية لا تزال في جيومري، وتضغط موسكو على يفران للاختيار بين الاتحاد الاقتصادي الأوروآسيوي والاتحاد الأوروبي.

وفي اللحظة الراهنة نوعت أرمينيا شركاءها أسرع، فقلصت اعتمادها على غيرها.

تمثل أذربيجان المجاورة نموذجا أكثر اتصالا بالأمر.

بعد أن ضربت المسيرات الإيرانية مطارا في جيب نخجوان في الخامس من مارس وصف الرئيس إلهام علييف الضربة بـ«العمل الإرهابي»، ووضع الجيش في حالة التأهب القتالي الكامل، وأغلق الحدود مع إيران.

وبعد أن أسقطت الدفاعات الجوية الروسية طائرة تابعة للخطوط الجوية الأذربيجانية في ديسمبر 2024 ضغطت باكو حتى اعترف بوتين بالمسئولية، ووافق على التعويض.

وتحتفظ أذربيجان ـ شأن كازخستان ـ بشراكات استراتيجية مع كل من واشنطن وبكين، وفي أكتوبر وصف علييف الولايات المتحدة والصين بالقوتين العظميين الوحيدتين في العالم مخرجا روسيا من القائمة.

وفي الفترة الأخيرة نأت باكو بنفسها عن أقرب حليف لها، أي تركيا. ولا يزال النفط الأذربيجاني يتدفق على إسرائيل عبر خط أنابيب باكو-تبليسي-جيهان برغم التوترات بين تركيا وإسرائيل.

فضلا عن أنه بعد أن انتقد مستشار رفيع المستوى للرئيس التركي رجب طيب أردوغان في هذا الخريف قيود باكو على الحجاب في المدارس منعت أذربيجان واحدا وثلاثين مواطنا تركيًّا من دخول أراضيها، وفصل أردوغان المستشار ويقال: إن ذلك بطلب من باكو.

وقال الرئيس الأذربيجاني لمؤتمر حزبه: إن أذربيجان ليست بحاجة إلى «مساعدة أو وصاية من أحد»، وفي الثلاثين من أكتوبر لم يحضر قمة منظمة الدول التركية في أنقرة برغم دعوة شخصية من أردوغان .

تبقى مساحة المناورة التي تحظى بها أذربيجان محدودة بسبب جيرانها الضخام، لكنها ظهرت باعتبارها قوة متوسطة وقد يزداد وضعها قوة إذا ما اجتنبت المواجهات المباشرة، واستمر الوضع الدولي الراهن الذي يجعل جيرانها الضخام مستهلكين في صراعات بأماكن أخرى.

ولنا في وسط آسيا نموذج آخر؛ فشأن أذربيجان لجأت كازخستان ـ التي تشترك مع روسيا في حدود بطول 7500 كم، وتشحن أغلب نفطها من خلال أراض روسية ـ إلى اتباع دبلوماسية المسارات المتعددة منذ استقلالها.

وفي عام 2022 قال الرئيس قاسم جومرات توكاييف ـ وهو جالس إلى جوار فلاديمير بوتين ـ: إن أستانا لن تعترف بدويلتي دونيتسيك ولوهانسك المدعومتين من روسيا.

تنتج كازخستان قرابة 40% من يورانيوم العالم، وتناصر الممر الأوسط الذي يربط الصين بأوروبا متجاوزا روسيا، وانضمت في نوفمبر الماضي إلى الاتفاقات الإبراهيمية.

وتحافظ أيضا على علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي. وتظهر كازخستان تدريجيا باعتبارها قوة متوسطة.

كما أنها تقوى قدراتها العسكرية برغم استعمالها لمواردها الطبيعية وللدبلوماسية استعمال الأداة الجيوسياسية بمزيد من القوة.

ثمة فارق جوهري بين التأثير على قرارات دول أخرى وامتلاك القدرات اللازمة لفرض نتائج استراتيجية؛ فقد يستضيف بلد قمما دولية كبرى، ويحافظ على علاقات مع كتل جيوسياسية متنافسة، ويجتذب استثمارا أجنبيا كبيرا دون أن يكون قادرا على الدفاع عن مصالحه في مواجهة الإكراه العسكري.

والانقسامات بين بلاد الشرق الأوسط تزيد من تعقيد جهودها للهرب من نفوذ القوى العظمى، وتنشئ نظاما إقليميا خاصا بها. والنفط والغاز لن يجعلا منهم لاعبين فعالين؛ فلا بد من قوة عسكرية تدعم الطموحات وعزيمة على استعمالها بالنيابة عن الشركاء والحلفاء.

وثمة عقبة أخرى هي أن القوى المتوسطة تنزع نزوعا كبيرا إلى السعي إلى المصالح؛ فتتجنب تشابك الأحلاف الرسمية بما يقلل من قدرتها على إقامة الأحلاف.

فحينما وجهت إيران ضربة لأذربيجان في مارس بعد أن أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما على الجمهورية الإسلامية أظهرت تركيا ضبط النفس.

ولم تنخرط أنقرة أيضا في مواجهة الحوثيين الذين استهدفوا السعودية، وفعلت باكستان مثل ذلك، وهي الأخرى قوة متوسطة طامحة.

ومع ذلك فتركيا هي المثال الأوضح في الشرق الأوسط لقوة متوسطة لها مطامح تدعمها قدرات عسكرية ذات شأن.

فأنقرة لديها قوات تقليدية ضخمة، وصناعة دفاعية متنامية، وأظهرت العزم على العمل خارج حدودها.

وأتاحت لها تدخلاتها في سوريا والعراق وليبيا وتعاونها العسكري مع أذربيجان أن تشكل التطورات في جوارها، كما أن تصديرها للمسيرات يوفر لها العائدات والنفوذ.

في الشرق الأوسط قد يتبين أن زخم القوى المتوسط ذو طابع شرطي، ولن يدوم إلا إلى أن يستقر نظام عالمي أشد قوة.

فما من مؤسسة تدعم هذا الزخم على النحو الذي كانت تفعله حركة عدم الانحياز خلال الحرب الباردة، وحتى عدم الانحياز نادرا ما يعني التحرر من التبعية؛ فقد كانت مصر تعتمد على الأسلحة السوفييتية، ويوغسلافيا على الدعم الغربي بعد انفصالها عن ستالين، والهند على التعاون العسكري مع موسكو.

لا يطرح علينا التاريخ غير أمثلة قليلة لقوة متوسطة حافظت على مكانتها لفترة أطول، ثم ارتقت في النهاية إلى مرتبة القوى العظمى. بروسيا فعلتها في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر عبر التحديث العسكري والمناورة الدبلوماسية، وتبعتها اليابان في مطلع القرن العشرين.

وكلا التحولين كان يعتمد على تغييرات هيكلية في الإنتاجية والصناعة والتكنولوجيا، ولكن قلة من القوى المتوسطة في الشرق الأوسط هي التي لديها القدرات الكامنة على القيام بمثل هذا التحول.

وهكذا، فإن النشاط المتزايد لقوى الشرق الأوسط سمة مهمة للسياسات الدولية المعاصرة، لكن لا ينبغي تصور أن هذا النشاط هو إعادة توزيع أساسية للقوة في المنطقة. فما زال نفوذها متفاوتا، واستقلالها الذاتي مقيدا بحدود عسكرية، ولا تزال فعاليتها تعتمد على علاقات مثمرة مع القوى العظمى القائمة. وليس التوازن الجيوسياسي بالأمر الجديد ولا بالطريق المضمون لمكانة القوى العظمى.