No Image
المحافظات

العمارة العُمانية: نار المهبة العتيقة صهرت الطين صاروجا والصخر جصا ببياض ناصع

03 نوفمبر 2026
03 نوفمبر 2026

من أرض رحبة تجود بخيراتها، وبين طبقات تربتها وتكوينات الصخور عاش الأجداد بعين تراقب، ويد تجرب، وبعقول تربط الخبرة بالتجربة فلم تنتظر وفرة الأدوات . فمن طين الأرض وصخور الأودية بدأت حكاية حرفة أسهمت في تشكيل ملامح العمران العُماني القديم. حرفة لها أصولها ورجال خبراء بتفاصيلها، اكتسبوا الصبر في مراحل إعدادها، ليتحول بالحرفة والنار إلى جص وصاروج.

لم تكن حرفة الجص والصاروج طريقا مفروشا بالسهولة؛ فمنذ اللحظة التي تنتقى فيها المواد، تبدأ رحلة من العمل الشاق. تتعاقب فيها الأيدي على مراحل الإعداد والتهيئة، تصل بعدها المادة الخام إلى نار الأفران الضخمة.

بعيدا عن البيوت كانت الأفران تتوهج، وتتصاعد ألسنة اللهب وأعمدة الدخان، وتبقى النار مشتعلة طوال أيام الحرق. تنتهي مرحلة الحرق، ولا تنتهي المشقة؛ فما خرج من الأفران يحتاج أيد تجمعه وتجهزه، وظهور تحمل أثقاله، ووسائل نقل تقربه من مواقع البناء. تبدأ عملية البناء حجرا بعد حجر تكسى بالصاروج وتزين بالجص طبقة بعد طبقة؛ شيدت منها القلاع والحصون، واستخدمت طبقات منه في تبليط السواقي وإحكام مجرى الأفلاج. وبفضل خبرة الأجداد، ارتبط الجص والصاروج بملامح العمارة العُمانية، حاضرين في شواهدها التاريخية، تحكي عن رجال صاغوا من مشقّة الحرفة إرثا امتد أبعد من أعمار أصحابها، حتى غدا جزءا من ذاكرة المكان.

حين تصبح الحرفة أمانة

وفي ولاية نخل بمحافظة جنوب الباطنة، لا تزال حكاية الصاروج تجد امتدادها في تجربة أحمد بن يعقوب بن صالح العبيداني الذي اختار أن تبقى هذه الحرفة حية، مستندا إلى أساليبها التقليدية والحديث معا يتحدث قائلًا:«تقوم صناعة الصاروج التقليدية على تحضير تربة نقية خالية من الأملاح، كتربة الأودية، حيث يتم جلبها وتنقيتها من الحجارة والشوائب، ثم توضع في حوض من الماء النقي لمدة أسبوع إلى 10 أيام، مع الاستمرار في تقليبها ومزجها وخلال هذه الفترة تتحول إلى عجينة هلامية ذات قوام غليظ». إذ تتنوع التربية العُمانية الخصبة وتتشكل بسهولة وفقًا للغرض منها؛ فعندما يتعلق الأمر بالبناء التقليدي، تكتفي التربة بلمسات بسيطة، حيث يوضح العبيداني قائلًا:« وفي حال استخدام التربة الهلامية لبناء البيوت الطينية، يضاف إليها مادة التبن. أما في حالة صناعة الصاروج، فتستخرج هذه التربة ويُصنع منها (قروص) يشكل الطين ويضغطونه على شكل أقراص دائرية تترك ليجف تماما تحت حرارة الشمس المباشرة، ثم يوضع داخل فرن تقليدي ضخم أو الكلين المصنوع من جذوع النخيل تصف على طبقات ويشعلون النار، ويُعرف محليا بـ«المهبة»، حيث يتم حرقه لاحقا بإضافة جريد النخيل وحصى الوادي، وذلك لتقوية مادة الصاروج. وبعد اكتمال عملية الحرق، تطحن الطينة المحروقة - وهي ما يعرف بمادة الصاروج - تمهيدا لتجهيز خلطات البناء وخلطات الملاط (البلاستر) منها».

وهكذا تحول هذا الفهم العميق بأسرار الصاروج وخطوات تصنيعه إلى شغف لبناء مشروع خاص يدمج بين التراث والحداثة؛ حيث يعود العبيداني بذاكرته إلى اللحظة التي ألهمته لدخول هذا المجال استجابةً لحاجة ملحة لمسها في واقع السوق بقوله:«صار لنا 10 سنوات في مجال صناعة الصاروج، بدأت في مطلع عام 2016؛ وبدأت الفكرة من نقص السوق للصاروج، حيث كانت أغلب مادة الصاروج تتأمن فقط من المصنع الخاص التابع لوزارة التراث والسياحة وكان الصاروج يغطي المشاريع الحكومية التابعة للوزارة فقط. ومن هنا جاءت فكرة تأسيس مؤسسة نسائم شاذون للتجارة والمقاولات، حتى نكون رافدًا يضمن توفير هذه المادة التراثية للقطاعين الخاص والحكومي التي تحتاج للصاروج بشكل مستقل كما نحافظ على استمرار هذه المادة الأصيلة».

لم تكن غاية العبيداني مجرد توفير الصاروج للبناء، بل لإعادة الحياة لهذه الخامة المتينة التي شكلت الهيكل الأساسي في البناء العماني، وعن الاستخدامات المختلفة للصاروج وأماكن وجودها في العمارة، يوضح العبيداني قائلًا:«استخدم البناء العماني التقليدي مادة الصاروج إلى جانب الطين والجص في تشييد معظم القلاع والحصون والبيوت والأبراج الدفاعية والأفلاج، وتُعد مادة الصاروج المكوّن الأساسي في هذا البناء، إذ تستخدم كمادة رابطة للبناء بالحجارة أو الحصى عوضًا عن الإسمنت، كما تستخدم في أعمال البلاستر الداخلي والخارجي». كما أن الصاروج يجمع بين الصلابة التي تعيش لقرون، والقدرة على ضبط حرارة المكان ذاتيا، مشيرا إليها العبيداني بقوله:«تتميز مادة الصاروج بكونها مادة طبيعية خالصة لا تدخل في تركيبتها أي مواد كيميائية، وقد يمتد عمرها الافتراضي إلى نحو 200 عام، أي أطول بكثير من العمر الافتراضي للإسمنت التجاري. كما تتمتع بخاصية «تنفّس» الجدران، إذ تتفاعل مع درجات الحرارة العالية والمنخفضة، فتبقى جدران الصاروج باردة صيفًا ودافئة شتاءً. ولذلك الصاروج يمثل نظام تكيّف طوّره العماني عبر أنماط بناء مدروسة تراعي اتجاه حركة الرياح، حيث يكون مدخل البيت غالبا من الجهة الشمالية، إلى جانب مواقع النوافذ ونظام التهوية والبهو المفتوح الذي يوزع حركة الهواء داخل المسكن، لتصبح هذه البيوت نموذجا للتكيف مع البيئة الطبيعية».

فلم يستغن العبيداني عن أدوات التصنيع التقليدية للصاروج، بل أضاف تقنيات حديثة لرفع الطاقة الإنتاجية لتلبي الطلب المتزايد في السوق متحدثا:«هذه حرفة تقليدية بامتياز، ومعظم مكوناتها الأساسية لا تزال تعتمد على أدوات ومواد بدائية في التصنيع. غير أننا في الجوانب اللوجستية، كمعدات نقل التربة وتنظيفها وطحنها، نستعين بمعدات حديثة، وذلك لتمكيننا من إنتاج كميات تجارية تلبي احتياجات المشاريع الكبرى. فالحرفة مزيج بين الأصالة في طريقة التحضير والحرق، والاستعانة بالتقنية الحديثة في الجوانب التي تخدم الإنتاجية، دون أن تمس جوهر الصناعة التقليدية».

إذ تواجه هذه الصناعة بعض التحديات يكشف العبيداني عن أبرزها بقوله:«أبرز التحديات التي نواجهها في توفير المواد الخام، إذ يجب أن تكون التربة الخام نقية وخالية من الشوائب، وكذلك في توفير جذوع النخيل التي تتطلب جهدًا ومشقة في اختيار الجذوع الجافة التي مر على قطعها أكثر من ستة أشهر، بما يشمل نقلها وتقطيعها، إضافة إلى عدم توفرها بشكل دائم. كما نواجه تحديًا موسميا، إذ يتطلب العمل أجواء مشمسة، فيتوقف العمل كليًا في الأيام الماطرة إلى حين طلوع الشمس والحصول على تربة جافة مناسبة. كما أن هذه الحرفة غير مدرجة أو مصنّفة لدى وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار، ما يحول دون استخراج بقية التراخيص المطلوبة لها».

ورغم هذه التحديات، تظل الركيزة الأساسية لاستمرار هذه الصناعة هي الاهتمام البالغ والمستمر من الحكومة بتاريخها المعماري ويعلق العبيداني:«لقد حرصت الحكومة، ممثلة بوزارة التراث والسياحة، على دعم ترميم المواقع التراثية وإعادة إحياء هذا الموروث، عبر منع هدم هذه المعالم وتقديم الدعم اللازم لترميمها وإعادة الحياة إليها من جديد. وقد تُوّج هذا الجهد بترميم مواقع مهمة في سلطنة عُمان من قلاع وحصون ومنازل وأبراج، وإعادة توظيفها بشكل مقنّن كنُزل تراثية أو مقاهٍ أو متاحف تستقبل الزوار وتُعرّفهم بطراز العمارة العُمانية القديمة». ويفخر العبيداني بكونه طرفًا فاعلًا في صون الموروث بإعادة ترميم وتأهيل عدد من المعالم الأثرية، مستعرضًا أهمها بقوله:«شاركنا في ترميم عدد من المواقع الأثرية، منها متحف بيت الغشام بولاية وادي المعاول، وبيت الفتح بولاية بوشر، إضافة إلى العديد من المعالم الأثرية الأخرى داخل السلطنة».

ولا تتوقف الطموحات عند حدود ما تم ترميمه، بل امتد لنظرة مستقبلية تهدف إلى تطوير صناعة الصاروج واستدامتها للأجيال القادمة، مختتمًا العبيداني بقوله:«بخصوص مستقبل الصناعة، فهناك بالفعل طلب متزايد على هذه المادة، ونعمل على تطوير طرق تصنيعها بأساليب حديثة تسهم في تجاوز التحديات القائمة، وهو ما من شأنه أن يشجّع العاملين في مجال الترميم، والقطاع الخاص والأهلي، على العودة لاستخدام هذه المادة في البيوت الحديثة والاستراحات، لتشمل نطاقًا أوسع مما هي عليه اليوم».

من وهج النار

ينقلنا مسعود بن سالم بن سيف المقيمي أحد الحرفيين المختصين في إعداد الجص العُماني بالطريقة التقليدية التي توارثها عن أجداده في قرية الجيلة التابعة لنيابة طيوي بولاية صور بمحافظة جنوب الشرقية. تجربة لا تعتمد على الآلات الحديثة، بل تتكئ على الخبرة اليدوية يقول المقيمي:«هذه الحرفة توارثتها عن أجدادي، وصار لي في صناعة الجص أكثر من 16 سنة، وما زلت حتى اليوم أحمل أمانة الحفاظ على هذه الصنعة حية، وحريص على تعليم أبنائي تفاصيل الصنعة وأسرارها، لنحافظ على هذا الإرث العريق في التراث العماني».

وعن خطوات تحضير الجص بالطريقة التقليدية والأدوات المستخدمة في إعداده، ينقلنا المقيمي إلى عمق هذه التجرية اليدوية قائلًا:«تبدأ العملية أولًا بجمع الحصى الجيري المنتشر بوفرة في الأودية؛ حيث تستخدم (الزيلة) لجمعه و(الهيب) لاقتلاع العالق بعضه في الأرض. بعد ذلك نجهز (المهبة) الفرن التقليدي يتكون من جذوع النخيل الجافة وقصها باستخدام المنشار لنشكل بها قاعدة المهبة التي تتراكم بها 8 جذوع ونرص فوقها الحصى الجيري ثم نضع فوق الحجارة ثماني قطع أخرى وهكذا تشعل فيها النار، تستمر عملية الحرق دون توقف لمدة 3 أيام متواصلة. وبعد انقضاء فترة الحرق، نطفئ المهبة برشها بالماء لمدة يوم كامل حتى تبرد، فيتحول الحصى المحروق إلى مادة بودرية بيضاء ناصعة، هذا هو الجص العماني الأصيل».

وتتنوع استخدامات الجص في البناء كما يوضحها المقيمي:«الجص مادة أساسية تستخدم في دعم أساسات المباني وتوفير الحماية والصلابة، ويستخدم أيضا في تغطية الأجزاء المدفونة والمرتفعة من الجدران للحفاظ على متانتها، إضافة إلى استخدامه على حواف السواقي لمنع تسرب مياه الأفلاج. في البناء القديم تكسى الجدران بالجص وتشكل منه النقوش والزخارف التراثية التي تزين بها محاريب المساجد وأقواس القلاع».

وبين صلابة الصاروج وبياض الجص الذي يكسو الجدران بلمسة الفن نقف اليوم أمام قلاع وحصون أو نتأمل بقايا بناء قديم صمد بهيبة أمام السنين المتعاقبة. فمضت الأعمار، وغابت الوجوه التي ألفت وهج الأفران وثقل المواد، وبقيت الشواهد تحكي عن خلاصة خبرتهم، تحمل شيئًا من أثرهم، ليبقى هذا التراث حيا ينبض بالوفاء والهُوية.