هيثم العوائد: عسل اللبان وعسل الصرب النادر في ظفار قيمة غذائية فريدة
03 نوفمبر 2026
03 نوفمبر 2026
تنتج سلطنة عُمان أجود أنواع العسل العُماني الذي يتميز بكثافته وتنوع مصادره في المراعي وندرتها، وذلك يرجع إلى طبيعة البيئة العُمانية التي تمتاز بجبالها العالية، وخصوبة أوديتها، وانبساط سهولها، وتنوع أشجارها المزهرة، مما أهّله ليكون الأفضل بتركيبته الفريدة وقيمته الغذائية العالية. نشير في هذا التقرير إلى مصادر العسل العُماني ونركز على النادر منها، ونسرد تجارب النحالين في تربية النحل والسر وراء تميز العسل العُماني، إلى جانب التعرف على التحديات التي يواجهها قطاع النحل في سلطنة عُمان والتسهيلات التي تقدمها الجهات المختصة للمحافظة على النحل والعسل.
نطاق جغرافي محدود
أشار هيثم بن مسلم العوائد، صاحب مشروع مملكة العسل العُماني، إلى أنواع العسل التي يتميز بها جنوب سلطنة عُمان في مواسم محددة، وقال: يتميز عسل اللبان باللون الفاتح والمذاق الجميل والفوائد الطبية العالية، ويتم الحصول عليه بأخذ المناحل إلى مكان وجود أشجار اللبان في موسم التزهير، وإن من أكثر التحديات التي تواجهنا في إنتاج عسل اللبان وعورة الطرق والمسافات البعيدة التي تؤدي إلى أشجار اللبان، وإن من العوامل التي تجعله أكثر تميزًا وندرةً النطاق الجغرافي المحدود وفترة الإزهار القصيرة وكونها موسمية، مضيفًا أن التركيبة العطرية والنكهة الفريدة والقيمة العلاجية والحيوية، مثل الأحماض البوزويليكية والكورتيزون الطبيعي، هي ما يميز عسل اللبان العُماني، مما يؤهله ليكون منتجًا ذا خصائص قوية مضادة للالتهابات.
وقال: إن عسل الصرب النادر في ظفار يُعرف أيضًا بقيمته الغذائية الفريدة وتركيبته العطرية المميزة لاحتوائه على الفيتامينات والمعادن، ونحرص دائمًا في مملكة العسل على اختيار أفضل المراعي لإنتاج العسل، ومتابعة المناحل خاصة في موسم التزهير منذ البداية حتى نضوج العسل، تأتي بعدها مرحلة فرز العسل ثم تعبئته بالأشكال والأحجام التي تناسب العملاء.
موسم الإزهار
وقال العوائد: إن نوع الزهور والمراعي وموسم الإزهار يؤثر بشكل جذري ومباشر بنسبة كبيرة جدًا على طعم العسل ولونه ورائحته وخصائصه الكيميائية والفيزيائية، وتعتمد عملية اختيار مواسم ومناطق خلايا النحل لإنتاج أعسال أحادية المصدر مثل السدر والسمر واللبان على استراتيجية النحالة المرتحلة ومزامنة دورة حياة الخلايا مع فترات التزهير الكثيف لكل شجرة لضمان تركيز النحل على رحيق معين.
وقال: إن من أبرز التحديات التي تواجه مشروع إنتاج العسل الطبيعي التغيرات المناخية وتراجع المراعي الطبيعية والأمراض التي تهاجم النحل، وأيضًا ارتفاع التكاليف، مما يؤدي إلى معاناة المشاريع من تصاعد تكاليف مستلزمات الإنتاج وصيانة المناحل وأجور النقل مقارنة بعائدات البيع.
نكهة عُمانية خاصة
أشار محمد بن سعود الشيباني، صاحب مشروع مناحل الصحراء، إلى أن العسل العُماني يحمل هُوية البيئة العُمانية بكل تفاصيلها، وأكثر ما يميزه هو قوة النكهة ووضوح الرائحة وثراء الطعم، إلى جانب اختلاف اللون والقوام والخصائص الطبيعية من مرعى إلى آخر، وقال: عندما تتذوق عسلًا عُمانيًا طبيعيًا تشعر أن له ميزة خاصة لا تتكرر، لأن كل مرعى وموسم يترك أثره في العسل الذي ينتجه النحل، أما عن الجودة فهي نتيجة مجموعة من العوامل المتكاملة، في مقدمتها نقاء البيئة العُمانية وتنوع المراعي ومصادر الرحيق، إضافة إلى الأمطار والظروف المناخية ومواسم الإزهار التي تؤثر بشكل مباشر في وفرة الرحيق وجودته، كذلك إن لصحة وقوة خلايا النحل وخبرة النحال دورًا أساسيًا في اختيار موقع المنحل ومعرفة مواسم الإزهار ومتابعة الخلايا ونقلها إلى المراعي المناسبة في الوقت المناسب، كلها أمور تنعكس على جودة الإنتاج، وأضاف: لا تنتهي الجودة عند إنتاج العسل، بل تمتد إلى طريقة استخراجه وفرزه وتخزينه والمحافظة على نظافته ورطوبته المناسبة وعدم تعريضه لظروف تؤثر في خصائصه الطبيعية، والأهم أن يبقى العسل طبيعيًا ونقيًا.
تجربة خاصة
وقال: بدأت رحلتي مع تربية النحل من البيت، حيث كان والدي نحالًا وإخوتي كذلك، فكان النحل جزءًا من حياتنا اليومية منذ الصغر، كنت أراقبهم وهم يتابعون الخلايا ويتنقلون بين المراعي حسب الموسم، وكانت تلك المشاهد مدرستي الأولى، كنت في البداية أتابع من بعيد، أتعلم طبيعة النحل وحياته داخل الخلية وارتباط نشاطه بالموسم والمرعى، ومع الوقت بدأت أشارك إخوتي بعض المهام، وتعلمت أن هذه المهنة تحتاج إلى الصبر والهدوء والملاحظة، وكل تجربة معهم اختصرت عليّ الكثير من الطريق، بعدها خضت التجربة بنفسي وتحملت المسؤولية كاملة، وأصبحت أتابع الخلايا وأهتم بصحتها وإنتاجها، وكل موسم كان يعلمني درسًا جديدًا، ورغم التحديات من تقلبات الطقس واختلاف المراعي، إلا أنني كنت أعتبر كل تحدٍّ فرصة للتعلم، ومع مرور الوقت تحولت تربية النحل من هواية ورثتها إلى مهنة وشغف ومسؤولية، وأصبح هدفي الحفاظ على جودة العسل العُماني الذي يتميز بتنوعه باختلاف البيئة والموسم، وقد أدركت أن المستهلك يبحث عن الثقة والجودة، وعلينا نحن النحالين أن نحافظ عليها، واصلتُ في هذه المهنة ليس للجانب المادي فقط، بل لحبي للنحل وتفاصيل العمل ولحظة حصاد العسل بعد موسم طويل من التعب، فالعسل ليس مجرد منتج، بل قصة جهد وصبر، وهي مسؤولية وموروث عُماني أفتخر به وأسعى للحفاظ عليه وتطويره ونقله للأجيال القادمة.
وقال الشيباني: إن تربية النحل في عُمان تبدأ باختيار المكان المناسب ووضع الخلايا في بيئة تتوفر فيها المراعي الطبيعية والمياه، ثم تأتي مرحلة متابعة الخلايا بشكل مستمر، ومراقبة قوة الخلايا «الطوائف» وصحة النحل والملكة، والتأكد من توفر الغذاء المناسب، وعندما ينضج العسل وتُغلق العيون الشمعية، تبدأ مرحلة الجني، حيث يتم أخذ البراويز «الأقراص» الممتلئة بالعسل وفرزها واستخراج العسل بطريقة تحافظ على جودته ونقائه، ثم تصفيته وتعبئته بالشكل المناسب.
وأضاف أن من أهم المهارات التي يحتاجها مربي النحل الصبر والخبرة والملاحظة الدقيقة، ومعرفة سلوك النحل وأوقات التزهير والظروف المناخية، إضافة إلى الاهتمام بصحة الطوائف والنظافة أثناء عملية الجني، مشيرًا إلى أن جودة العسل تبدأ من قوة النحل وسلامة الخلية، مرورًا بطريقة استخراج العسل وتخزينه.
تنوع المصادر
وقال: إن من أبرز أنواع العسل التي ننتجها عسل السمر وعسل السدر، ولكل واحد منهما طابعه الخاص ونكهته ورائحته المميزة، كما أن قيمته ترتبط بشكل كبير بمصدر الرحيق والبيئة التي يرعى فيها النحل، وأضاف: خضنا أيضًا تجربة إنتاج عسل اللبان وعسل الصرب من محافظة ظفار، وهي تجربة مميزة جدًا لأن طبيعة ظفار وغطاءها النباتي وموسم الإزهار فيها تعطي العسل ميزة مختلفة من حيث الطعم والرائحة، وإن عسل اللبان تحديدًا يرتبط بشجرة اللبان التي تُعد من أهم رموز البيئة والتراث العُماني، كما أنتجنا عسل العتم، وهو من الأنواع التي تتميز بخصوصية مصدرها الزهري، وكذلك عسل الحرمل الذي سبق لنا إنتاجه، ولكل نوع منهما نكهته ورائحته التي تميزه عن غيره.
وقال: إن من التجارب المميزة لدينا أيضًا عسل زهرة الربع الخالي، وهو يُنتج في المناطق الصحراوية داخل الربع الخالي ومن رحيق زهرة الربع الخالي تحديدًا، وهذا النوع يعتمد إنتاجه على هطول الأمطار ونمو هذه الزهرة في البيئة الصحراوية، لذلك فهو عسل شبه نادر، وتوفره لا يرتبط بموسم ثابت، وإنما بالظروف الطبيعية وكمية الأمطار، وقيمته بالنسبة لنا تكمن في أنه يأتي من بيئة صحراوية نائية وقاسية، ومن مصدر زهري محدد، وهذا ما يمنحه خصوصية كبيرة.
وقال الشيباني: لا يقتصر إنتاجنا على العسل فقط، فقد قمنا أيضًا بإنتاج حبوب اللقاح، وهي من الكنوز التي تقدمها لنا النحلة، وليست مجرد منتج جانبي، فهي تحتوي على البروتين والألياف والعديد من الفيتامينات والمعادن والمركبات النباتية، وتُعد منتجًا غذائيًا طبيعيًا له قيمة كبيرة.
منتجات مختلفة
قال الشيباني: ننتج من العسل خبز النحل، وهو حبوب اللقاح التي تجمعها النحلة وتخزنها داخل الخلية بعد مزجها بالرحيق وحدوث عملية التخمير الطبيعية، وهو من أهم الأغذية التي تعتمد عليها مستعمرة النحل، وقمنا أيضًا بإنتاج فازلين طبيعي يعتمد على شمع النحل، ويُستخدم كمرطب وطبقة واقية للبشرة، خصوصًا للمناطق الجافة والخشنة مثل اليدين والكعبين، وهذا أعطانا تجربة أخرى في الاستفادة من منتجات الخلية وعدم اقتصارها على العسل فقط، مشيرًا إلى أن هذه التجارب جعلتهم ينظرون إلى خلية النحل على أنها ثروة متكاملة، وأن هذه المنتجات يمكن تطويرها والاستفادة منها كجزء من المحافظة على قيمة المنتج العُماني، ورفع جودته، وتحويل كل ما تقدمه الخلية إلى منتجات ذات قيمة حقيقية.
وأشار الشيباني إلى أبرز التحديات، والتي من أهمها الظروف المناخية، خاصة ارتفاع الحرارة في الصيف الذي يؤثر على قوة الخلايا، مما يعني الحاجة إلى عناية أكبر، كذلك الأمراض والآفات مثل الفاروا وتعفن الحضنة الأمريكي والأوروبي والنوزيما وعث الشمع، مشيرًا إلى أنها تحتاج إلى متابعة ومعالجة في الوقت المناسب لأن صحة الخلايا أساس نجاح النحال، وقال إن من التحديات الكبيرة أيضًا استخدام المبيدات الزراعية قرب المناحل، حيث قد يؤدي ذلك إلى نفوق أعداد من النحل وإضعاف الخلايا وتأثر نشاطها أثناء جمع الرحيق وحبوب اللقاح، وأضاف: نواجه تحدي الطيور التي تتغذى على النحل، وخاصة طائر الوروار الذي يفترس النحل أثناء خروجه وعودته إلى الخلية، مما يؤثر على نشاطها، إضافة إلى تحدي التنقل بالخلايا بين المراعي بحثًا عن مواسم الإزهار وما يتطلب ذلك من جهد ووقت وتكاليف مع ارتباط الإنتاج بتغير مواسم الإزهار وتفاوت الأمطار.
وفي سؤال: كيف يمكن للمستهلك أن يميز العسل العُماني الأصلي عالي الجودة عن العسل غير المطابق للمواصفات؟ قال الشيباني: إن من الصعب على المستهلك تمييز العسل الأصلي من اللون أو الطعم فقط، لأن صفاته تختلف باختلاف المرعى والموسم، والتجارب المنزلية المتداولة ليست دليلًا كافيًا للحكم على الجودة، لذلك أنصح المستهلك بالاهتمام بمصدر العسل والثقة في النحال والسؤال عن نوع المنتج وموسم إنتاجه واختيار عسل معبأ بطريقة سليمة، وهنا تأتي أهمية أمانة النحال وصدقه في مصدر العسل وجودته دون غش أو تضليل، لأن سمعته وثقة المستهلك أهم من أي عملية بيع، وأضاف: أقول للمشتري لا تجعل السعر هو المعيار الوحيد، فالأهم أن تعرف المصدر ومن تثق به، فأنت لا تشتري العسل فقط، بل تشتري ثقة وجودة وأمانة، وهي الأساس الذي يحافظ على قيمة العسل العُماني وسمعته.
وفي سؤال آخر عن الدعم أو الخدمات التي يحتاج إليها مربو النحل والمنتجون اليوم لتطوير إنتاجهم ورفع جودة العسل العُماني وتعزيز حضوره في الأسواق، قال الشيباني: إن أهم ما نحتاجه دعم مكافحة الأمراض والآفات وتوفير الخدمات المتخصصة للنحالين، لأن صحة الخلايا هي أساس الإنتاج، كما نحتاج إلى تخفيف الاشتراطات والإجراءات الخاصة بنقل الخلايا بين المحافظات، فطبيعة عملنا مرتبطة بالمواسم والمراعي، والنحال يحتاج إلى التحرك في الوقت المناسب للاستفادة من الإزهار، وأحيانًا يكون الانتقال بين المحافظات ضروريًا للاستفادة من المرعى والمحافظة على قوة الخلايا، لذلك نأمل إجراءات أبسط وأسرع مع الحفاظ على الضوابط التي تضمن سلامة النحل، كذلك نحتاج إلى تطوير المختبرات المتخصصة في فحص العسل وتسهيل إجراءات الفحص واعتماد الجودة ودعم التعبئة والتغليف والتسويق وفتح فرص أكبر للمنتج العُماني في المعارض والأسواق المحلية والخارجية.
دعم حكومي
أشار عيسى بن أحمد الشيباني، فني تربية وإكثار نحل العسل بدائرة الزراعة بأدم، إلى برامج دعم وإرشاد للنحالين تقدمها الجهات المختصة، تشمل التدريب والتأهيل في أساليب تربية وإكثار نحل العسل، وتقديم الاستشارات الفنية والإرشادية، وتنفيذ البرامج التوعوية، وقال: تتضمن بعض البرامج والمبادرات تقديم الدعم للمعدات والأدوات ومستلزمات تربية النحل، وفق الأنظمة والاشتراطات المعتمدة، ويمكن للنحالين الاستفادة منها من خلال التقدم للجهات المختصة واستيفاء المتطلبات والشروط المحددة.
كما أشار إلى الإجراءات المتبعة لحماية خلايا النحل من الآفات والأمراض والظروف المناخية، وقال: تتم متابعة صحة طوائف النحل من خلال الزيارات الميدانية والإرشاد الفني، مع توعية النحالين بطرق الوقاية من الآفات والأمراض والتوعية بأهمية الكشف المبكر عنها، والتشجيع على تطبيق الممارسات الجيدة في إدارة المناحل، وتقديم الإرشادات الفنية المناسبة للتعامل مع الظروف المناخية المختلفة والحد من آثارها على طوائف النحل. وأضاف: تعمل الجهات المختصة على تعزيز وعي النحالين بأهمية الالتزام بالاشتراطات الصحية وممارسات الإنتاج السليمة، والمحافظة على جودة وسلامة العسل المنتج محليًا، ويتم إجراء الفحوصات المخبرية عند الحاجة للتحقق من جودة المنتج وسلامته ومطابقته للاشتراطات المعتمدة، بما يسهم في حماية المستهلك والمحافظة على سمعة العسل العُماني.
كما تطرق الشيباني إلى الجهود الحكومية المبذولة للمحافظة على المراعي الطبيعية ومصادر غذاء النحل، والتعامل مع تأثير ارتفاع درجات الحرارة وتغير الظروف المناخية، حيث قال: تعمل الجهات المختصة على تشجيع المحافظة على الغطاء النباتي وتنمية الأشجار والنباتات الرحيقية التي تمثل مصادر غذائية مهمة للنحل، إلى جانب نشر الوعي بأهمية المحافظة على البيئة والموارد الطبيعية، كما يتم تقديم الإرشادات الفنية للنحالين حول أفضل الممارسات للحد من تأثير ارتفاع درجات الحرارة والتغيرات المناخية على المناحل وطوائف النحل.
وأضاف أن الجهود المستقبلية تتركز على تطوير مهارات النحالين ورفع كفاءتهم الفنية، وتحسين أساليب التربية والإنتاج، والارتقاء بجودة العسل العُماني، إلى جانب تعزيز مجالات التسويق وفتح فرص أوسع للمنتج المحلي في الأسواق المختلفة.
