الحدود.. بين منطق التنوع والانعزال
01 نوفمبر 2026
01 نوفمبر 2026
للحدود معنى ملتبس ومراوغ. تقوم فكرتها على العزل والتحويط بوسائل كالجدران والأسيجة وغيرها، لتحقيق أهداف معينة. وهي ليست فكرة شيطانية ومذمومة؛ فقد يأتي وقت نحتاج فيه إلى الحدود، نقيم العوازل والأسيجة بهدف العزل ومنع الفوضى والخراب؛ فكان على ذي القرنين أن يصب زبر الحديد ليفصل يأجوج ومأجوج، ويمنع الكارثة.
ويقوم المفهوم الآخر للحدود بمعنى الحد، وهو مفهوم فلسفي عميق يراد به تلك الفواصل الفسيولوجية والبيولوجية التي تحدد الآخر المختلف، والأشياء عن بعضها، وتتيح التنوع والتواصل مع الآخر بوصفه مختلفا.
والحدود بمعنى الخصوصية؛ فلكل تاريخه، وثقافته. ولو تطابقا لما تحاورا، ولما بقي بينهما ما يتحاوران حوله؛ فلنا حدودنا وفواصلنا التي لا نرضى أن تذوب مع الآخر. لكل منا عاداته وتقاليده، وهويته وهي الحد بيننا وبين الآخر. وفي سورة الحجرات، يخاطب الله تعالى الناس بقوله «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا» حد التمايز هنا هو بقصد التعارف فقط، لا العزل.
يشبه المفكر والمناضل الفرنسي اليساري ريجيس دوبريه في كتابه (في مديح الحدود) الحدود بالجلد الذي يحيط بالكائن البشري، يحفظه على حد قوله، ولكن لا يقطعه أو يفصله عن العالم.
وهو بالضبط ما تعنيه الحدود الطبيعية التي رسمت دون تدخل بشري بهدف تحديد الأشياء، والتصنيفات، والتنوع. فنجد مثلا حدودا بين الجنسين، وبين البحرين هذا عذب وهذا فجاج، وحدود بين البشر، وبين الجبال والأرض، وبين السماء والبحار.
وترسخت لدى العمانيين الأوائل فكرة الحدود والتحويط، ولكن ليس بالضرورة بأدوات فيزيولوجية كالسياج؛ يتجلى ذلك في حدود المزارع، وقد تولدت لديهم فكرة الحدود وترسخت، ولكن بشكل مغاير ومختلف، ولعلها فكرة سابقة بقصد معرفة الفاصل والمختلف بين شيئين؛ فقد عمل العمانيون على فكرة الحدود غير المرئية، والحدود الشفافة، وذلك قد يعود إلى ميزة الانفتاح والتواصل. يتجلى ذلك في بعض ولايات الداخل العُماني البعيدة عن البحر.
كان أكثر ما شدني في تلك الزيارات وأتعجب له المزارع المتداخلة مع بعضها دون أن يكون بينها فاصل أو سياج، ولا علامة تحدد لمن تعود تلك المزارع أو (العابية) أو (المال)، وهي غالبا مزارع صغيرة قد تكون محدودة المساحة أقل من فدان عكس المزارع الموجودة في مناطق الباطنة الساحلية (سلة عُمان) كما كان يطلق عليها، والتي تمتاز بكبر مساحاتها لتصل إلى عشرات الأفدنة.
تلك المزارع لا يفصل بينها جدار ولا أسلاك ولا حتى علامات، وتبقى هكذا وكأنها مزرعة واحدة يملكها شخص واحد، لكن في الحقيقة هي مزارع متعددة لعدة أشخاص، هم الوحيدون الذين يستدلون عليها، ربما بوجود نخلة معينة، أو مجرى فلج، أو زراعة مختلفة عن سياقات المزروعات.
وهكذا تحول الحدود في هذا إلى إطار نظري غير مرئي شفاف. كذلك كانت البيوت في القرى والبلدات العُمانية تظل أبوابها مفتوحة طوال الوقت؛ إذ ليس الأمن والأمان وحدهما اللذان يغريان على ذلك، بل وهو الأهم ما ترسخ في عقول الناس ونفسيتهم وانعكس على تصرفاتهم، فأصبحت كل بيوت الحارة وكأنها لعائلة واحدة تكاد تتلاشى فيها الجدران والحدود، البيوت فيها للسكن والراحة، والجدران القائمة لم تكن بغرض الانفصال والعزلة، وإنما لحفظ الخصوصية، والهوية، وتتيح التواصل دون أن تذوب في بعضها.
وهي نفس الفكرة التي يطرحها دوبريه ويقول فيها بضرورة وجود الحدود، ولكن يقصد تلك الحدود التي لا تعزل ولا تفصل ولا تقام بهدف الفصل العنصري.
كما يقول: ثمة فكرة غبية تفتن الغرب، وتتمثل في مقولة «ليست الإنسانية بخير، وستغدو أفضل من دون حدود»، زد على هذا أن الديمقراطية تفضي بطريق مباشر إلى هذا العالم الذي لا خارج ولا داخل له». ويقدم بشكل ساخر مثالاً على ذلك خذوا برلين مثلاً؛ كان ثمة جدار، ولم يعُد من جدار.
وفي ذلك يضيف دبوريه برهاناً على أنّ الشبكة العنكبوتية، وجنات التهرب الضريبي، والهجمات الافتراضية على المواقع، والسحب البركانية، والاحتباس الحراري، هي كلها تسعى للتخلص من تلك الحواجز الحمراء والبيضاء البالية لإرسالها إلى المتحف البيئي».
في إحدى المرات جمعتنا طاولة صياغة قانون لمنطقة حرة وكان النقاش يدور حول ترسيم حدود تلك المنطقة. تباينت الآراء بين من قال بضرورة إقامة سياج يفصل المنطقة التي ستطبق فيها قوانين وتشريعات خاصة عن بقية الأراضي التابعة للدولة، ووضع اشتراطات خاصة لتلك الأسيجة بين أن تكون أسلاكا شائكة أو مبنية من الأسمنت والحجارة الصلبة، أو من حديد، وأن تكون مزودة بكاميرات وحراسة خاصة.
إلا أن أحد المشاركين طرح مقترحا نسف به فكرة الجدار العازل، بل ونسفت الفكرة من الأساس عندما قال نقيم حدودا غير مرئية، وأسلاكا شفافة لا ترى، ونعمل على ترسيخ فكرة اللاحدود نحدد المنطقة ورقيا بأبعادها، ومساحتها، واتجاهاتها، لكن يبقى ذلك في الورق فقط، ولا يكون إلا في مخيلة الناس بالتعود.
وكنت مرة في زيارة إلى إحدى الدول، وذهبت إلى دائرة حكومية لإنجاز معاملة، وتفاجأت عندما رأيت المبنى الضخم دون حراسة، ودون أسوار، ولا أبواب رئيسية رسمية له، ولا كاميرات مراقبة ظاهرة، ولا حراس. عرفت أن مسؤول المنطقة الجديد عمل على إزالة الحدود، والأسوار حول المباني الرسمية، وطرح فكرة سهولة التواصل مع الجمهور بحيث لا تحتاج إلى جدران وعزل، وحول المكان إلى مساحة خضراء، وجعلها حديقة غناء ومواقف للمراجعين.
لكن ماذا عن تلك الجدران والحدود التي تكبر في أنفسنا وعقولنا وتترسب في بواطننا. هي المعاناة الحقيقية والصعبة. الحدود النفسية والعقلية الكامنة في دواخلنا، وفي اللاوعي، هذه هي المدمرة والفتاكة؛ حيث تتحول الحدود والانعزال بشكل غير إرادي واقع، وهنا تكمن المفارقة التي يصعب علاجها.
وكم كانت مفارقة عجيبة عندما اعتقد مسؤول أن إزالة الجدران والعوازل بين المكاتب هو ما يضمن الانفتاح، ويزيد التواصل بين الناس، بقصد التسريع في الإجراءات وسهولة التواصل، مما يتيح سرعة اتخاذ القرارات التي تذلل الصعاب على المراجعين والمتعاملين مع المؤسسة. لكن ذلك لم يأت بنفع؛ لأن المشكلة كانت أكبر من جدران تزال ما لم يكن إزالة الأسيجة وتحطيم الجدران من النفوس أولاً.
إن خلق فضاءات واسعة ومفتوحة في المؤسسة لا يعني شيئا أمام جدران العزلة الصلبة التي تبنى في العقول.
وربما بخبث ولأهداف ربحية طرحت العولمة - التي افتتن العالم بها في البداية- ربيبة النزعة الرأسمالية المتوحشة إلغاء الحدود الطبيعية؛ فعمدت إلى نزع الحدود والفواصل البيولوجية الفاصلة بين الجنسين، بين الرجل والمرأة، بين الإنسان والحيوان، وخرجت عن المنطق الكوني، ثم قوبلت باستهجان، واحتجاجات عنيفة في مجتمعات كثيرة.
وكذلك روجت لفكرة إزالة الحدود بين الدول وفتح الأسواق وإزالة العوائق التي تعتري تدفق البضائع والمنتجات الغربية لأسواق الدول الناشئة بما فيها التدخل في القوانين الداخلية للدول تحت شعار الانفتاح والتقدم والتطور. في الوقت ذاته عمل الغرب على بناء الجدران العازلة وحوط دوله بمنظومات قانونية تمنع اختراقها، وغلق الأبواب في وجوه أبناء الدول الفقيرة، وقيد حركتهم.
الحدود والجدران لا تعني بالضرورة الأمن والسلام. وتعجب من دول تتداخل حدودها دون جدران أو أسلاك، أو حراس. تدخل دولة وتخرج منها دون أن يوقفك أحد، أو دون أن تعرف أنك دخلت دولة أخرى.
ولكن ماذا عن عالم تملأه الفوضى وتسيجه الكوارث. هل يجدي العزل والجدران، أم العمل على إزالة ما يدعو إلى إقامتها وتشييدها وتحطيم قوائمها النفسية العميقة؟
بدر الشيدي كاتب عماني
