العلاقات الثقافية العُمانية الصينية.. إرث تاريخي عريق وآفاق واعدة للتعاون المستقبلي
العُمانية/ تستند العلاقات الثقافية بين سلطنة عُمان وجمهورية الصين الشعبية إلى تاريخ طويل من التواصل الحضاري والتبادل التجاري والإنساني، إذ أسهمت طرق التجارة البحرية القديمة في ربط البلدين وتعزيز التفاعل بين شعبيهما، وقد شكّل الموقع الجغرافي لعُمان وانفتاحها على المحيط الهندي، إلى جانب الحضارة الصينية العريقة، أرضية مشتركة لتبادل المعارف والخبرات والتقاليد.
وشهدت العلاقات الثقافية بين سلطنة عُمان وجمهورية الصين الشعبية خلال السنوات الماضية حراكًا متناميًا عكس عمق الروابط التاريخية والحضارية بين البلدين الصديقين، وتنوّع مجالات التعاون في الفنون والتراث والمعرفة، وتعدّدت الفعاليات التي احتضنتها سلطنة عُمان، من بينها عروض الفرق الفنية الصينية ومسرح الباليه، والندوات التي تناولت العلاقات التاريخية عبر طريق الحرير البحري ودور اللبان العُماني في تعزيز التواصل الحضاري، إلى جانب معرض «الصين بعيون عُمانية» الذي وثّق جوانب من الثقافة والطبيعة الصينية، والفعاليات الثقافية التي استضافتها جامعة السلطان قابوس للتعريف بالتراث الصيني.
كما شهدت مسقط في أكتوبر 2026 تنظيم أول أسبوع للفيلم الصيني في سلطنة عُمان، بمشاركة مجموعة من الأفلام التي عكست تنوّع التجربة السينمائية الصينية، في خطوة تعزز التبادل الثقافي وتفتح آفاقًا أوسع للتواصل بين المبدعين والجمهور في البلدين.
في المقابل، شهدت جمهورية الصين الشعبية فعاليات ومبادرات ثقافية عُمانية هدفت إلى التعريف بالهوية الحضارية لسلطنة عُمان وإرثها التاريخي، من أبرزها الملتقى الثقافي العُماني الصيني الذي استضافته بكين في ديسمبر 2023، بمناسبة مرور 45 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وتناول محطات من التاريخ المشترك والأدب العُماني وروابط التواصل عبر طريق الحرير البحري، إلى جانب معرض «طريق اللبان.. عُمان في السجلات الصينية القديمة». وأسهمت كذلك المبادرات الأكاديمية، وفي مقدمتها كرسي السلطان قابوس للدراسات العربية بجامعة بكين، في تعزيز الاهتمام باللغة العربية والثقافة العُمانية في الأوساط العلمية الصينية. وتعكس هذه الفعاليات حرص البلدين على توظيف الإرث التاريخي المشترك في بناء جسور ثقافية مستدامة، وتعزيز التفاهم المتبادل، وترسيخ علاقات الصداقة والتعاون بين الشعبين العُماني والصيني.
وفي العصر الحديث، شهدت العلاقات الثقافية العُمانية الصينية تطورًا ملحوظًا من خلال تنظيم الفعاليات والمعارض الثقافية، وتبادل الوفود الفنية والأكاديمية، وتعزيز التعاون في مجالات التعليم واللغة والتراث والفنون. كما أسهم افتتاح برامج تعليم اللغة الصينية في سلطنة عُمان، وتوسيع فرص التبادل الطلابي والبحثي، في تعميق التقارب بين الشعبين وترسيخ جسور التواصل الثقافي.
وتحظى مجالات التراث والفنون باهتمام خاص في إطار هذه العلاقات، حيث يحرص الجانبان على التعريف بالموروث الحضاري لكل بلد، بما في ذلك الفنون التقليدية والحرف اليدوية والموسيقى والأدب. وتوفر هذه المبادرات فرصة للتعرف إلى أوجه التشابه والاختلاف بين الثقافتين، وتعزيز الاحترام المتبادل والتفاهم بين المجتمعين.
وأوضح البروفيسور سعيد بن محمد الهاشمي أن جذور هذه العلاقات تعود إلى آلاف السنين، حين أسهم الموقع الاستراتيجي لسلطنة عُمان وإطلالتها على طرق التجارة البحرية في تعزيز حضورها في شبكة التبادل التجاري بين الشرق والغرب، وقد عرفت الصين عُمان ومنتجاتها من خلال النشاط التجاري العُماني في الموانئ الصينية، في حين امتدت حركة الملاحة الصينية إلى عدد من الموانئ العُمانية، من الشحر في جنوب الجزيرة العربية إلى دبا في شمال عُمان، بما يعكس عمق التواصل البحري بين الجانبين.
وقال إن المصادر التاريخية الصينية تشير إلى المكانة التي احتلها التجار العرب والمسلمون في التجارة الدولية خلال القرون الوسطى، إذ أدوا دورًا محوريًا في نقل السلع والمعارف بين مناطق الخليج العربي والمحيط الهندي والموانئ الصينية. كما يورد كتاب «تانغ» الصيني إشارات إلى وصول مبعوثين رسميين من مناطق عربية، من بينها ما ارتبط باسم «تاشي»، إلى الصين في القرن السابع الميلادي، وهو ما يعكس قدم التواصل الرسمي والحضاري بين الجانبين.
وأضاف أن الحضور العُماني في الصين لم يقتصر على النشاط التجاري والملاحي، بل امتد إلى الاستقرار والمشاركة في الحياة الاجتماعية والإدارية. وتشير بعض الروايات التاريخية إلى شخصية أبي عبيدة عبد الله الصحاري، الذي عاش في الصين خلال عهد أسرة سونغ (960–1279م)، واكتسب مكانة بارزة في مدينة كانتون، المعروفة حاليًا بقوانغتشو.
وأشار إلى أن بعض المصادر تذكر أن الصحاري تولّى مسؤوليات مرتبطة بشؤون الأجانب، وحظي بتقدير السلطات الصينية آنذاك، في دلالة على ما بلغه العُمانيون من حضور وتأثير في الموانئ الصينية. ويعكس هذا النموذج جانبًا من طبيعة العلاقات التاريخية التي تجاوزت المصالح التجارية المباشرة إلى التفاعل الثقافي والاجتماعي، وأسهمت في تعزيز الثقة المتبادلة بين الشعبين.
وقال إنه في سياق استحضار هذا الإرث الحضاري وإحياء طريق الحرير البحري، أبحرت السفينة العُمانية «صحار» من مسقط إلى مدينة كانتون الصينية، في رحلة تاريخية انطلقت في 23 نوفمبر 1980 من قاعدة السلطان أحمد البحرية، بقيادة تيم سيفرن وبمشاركة طاقم من البحارة العُمانيين. ووصلت السفينة إلى الميناء الصيني في 11 يوليو 1981، بعد أن قطعت نحو ستة آلاف ميل بحري، لتجسد عمليًا جانبًا من تاريخ الملاحة العُمانية، وتعيد إحياء أحد المسارات البحرية التي ربطت عُمان بالصين عبر العصور.
وأكد أن العلاقات العُمانية الصينية شهدت في العصر الحديث تطورًا ملحوظًا، واتسعت آفاقها لتشمل المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والتكنولوجية، إلى جانب الخدمات اللوجستية والتجارة الإلكترونية والتعاون الاستثماري. ويأتي هذا التطور امتدادًا طبيعيًا للعلاقات التاريخية، واستجابةً للمتغيرات الاقتصادية العالمية التي تفرض مزيدًا من التنسيق والتكامل بين الدول.
وعلى الصعيد الثقافي والأكاديمي، قال إن الجهود الرامية إلى تعزيز التقارب بين البلدين تتواصل من خلال الندوات والمؤتمرات والمحاضرات العلمية، التي تسلط الضوء على الجذور التاريخية للعلاقات العُمانية الصينية، وتبحث في سبل تطويرها بما يتناسب مع متطلبات المرحلة المقبلة، حيث شهدت ولاية صلالة في 21 يوليو 2025 انعقاد ندوة بعنوان «التحديث الصيني النمط ورؤية عُمان 2040.. أعمالنا ومقترحاتنا»، التي تناولت أوجه التقارب بين التجربة التنموية الصينية وأهداف رؤية عُمان 2040، وسبل توسيع مجالات التعاون الثنائي.
وقدم البروفيسور أمين فوتشيمينغ، نائب مدير كلية اللغات الأجنبية وأستاذ كرسي السلطان قابوس بجامعة بكين، ورقة عمل بعنوان «نبني جسورًا جديدة لتعزيز الروابط الثنائية بين الصين وعُمان»، استعرض خلالها أهمية الدور الذي يضطلع به كرسي السلطان قابوس في جامعة بكين في تعزيز العلاقات الثقافية والأكاديمية بين الصين والدول العربية.
ومنذ تأسيس الكرسي عام 2007، أسهم في دعم أنشطة التبادل التعليمي والثقافي، وتعزيز الاهتمام بالدراسات العربية والعلاقات الصينية العربية، بما يتيح فرصًا أوسع للتواصل بين الباحثين والطلبة والمؤسسات الأكاديمية في البلدين.
كما نظم مركز الدراسات العُمانية بجامعة السلطان قابوس، في فبراير 2025، محاضرة بعنوان «الأبعاد السياسية والاقتصادية والثقافية للعلاقات العُمانية الصينية»، بمشاركة مجموعة من الأساتذة والباحثين من جامعة شنغهاي للدراسات الدولية، تناولت جوانب متعددة من مسيرة العلاقات الثنائية، وأبرزت أهمية التكامل بين الأبعاد السياسية والاقتصادية والثقافية في بناء شراكة مستدامة.
وفي سياق توثيق الروابط التاريخية، نظمت هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية مؤتمرًا بعنوان «تاريخ علاقات الصين بالعالم الإسلامي وعُمان نموذجًا» خلال الفترة من 23 إلى 24 ديسمبر 2019، بهدف تسليط الضوء على الامتدادات التاريخية للتواصل الحضاري، ودور عُمان في حركة التجارة والملاحة والتبادل الثقافي بين الشرق والغرب.
وتعكس هذه الفعاليات مجتمعةً اهتمام المؤسسات العُمانية والصينية بتوثيق العلاقات التاريخية، وتعزيز الدراسات المشتركة، وتوسيع مجالات التعاون الأكاديمي والثقافي، بما يضمن انتقال هذا الإرث الحضاري إلى الأجيال الجديدة.
وأوضح أن الملتقيات الثقافية والزيارات المتبادلة بين سلطنة عُمان وجمهورية الصين الشعبية تؤكد أن العلاقات بين البلدين تمتلك مقومات راسخة وفرصًا واسعة للنمو والتطور. فالإرث التاريخي المشترك يوفر قاعدة متينة لتعزيز التفاهم، فيما تتيح التحولات الاقتصادية والتكنولوجية العالمية مجالات جديدة لتوسيع الشراكة في مختلف القطاعات.
وقال إنه من هذا المنطلق، تبرز أهمية تطوير برامج التبادل الثقافي والأكاديمي، وتشجيع البحوث والدراسات المشتركة، وتعزيز تعليم اللغة العربية في الصين واللغة الصينية في سلطنة عُمان، إلى جانب دعم المبادرات التي تعرّف الأجيال الجديدة بتاريخ البلدين وتراثهما الحضاري.
وأوضح البروفيسور سعيد بن محمد الهاشمي أن مستقبل العلاقات العُمانية الصينية لا يستند إلى المصالح الاقتصادية والاستثمارية وحدها، بل يقوم أيضًا على إرث ثقافي وحضاري عريق، أثبت عبر التاريخ قدرته على تجاوز المسافات الجغرافية وتغير الظروف الدولية. ومن شأن البناء على هذا الإرث، وتطوير أدوات التعاون الثقافي والعلمي والتكنولوجي، أن يعزز الشراكة بين البلدين، وينقلها إلى آفاق أرحب من التكامل والتعاون، بما يخدم مصالح الشعبين الصديقين ويدعم حضورهما في المشهدين الإقليمي والدولي.
من جانبه، أكد الدكتور سليم بن محمد الهنائي، الأستاذ المساعد بكلية العلوم والآداب بجامعة نزوى، أن العلاقات الثقافية العُمانية الصينية تمتد جذورها إلى قرون طويلة، مستندةً إلى إرث تاريخي عريق من التواصل البحري والتبادل التجاري والحضاري، مشيرًا إلى أن سلطنة عُمان لم تكن مجرد محطة عبور على طريق الحرير البحري، بل أدّت دورًا فاعلًا في بناء جسور التواصل بين الحضارتين العُمانية والصينية.
وقال إن الحديث عن طريق الحرير يستحضر غالبًا القوافل التجارية التي عبرت صحارى آسيا الوسطى، إلا أن الطريق البحري الذي ربط موانئ الخليج العربي وبحر العرب بالسواحل الجنوبية للصين مثّل وجهًا آخر لا يقل أهمية في تشكيل العلاقات بين الشعوب. وقد برز الحضور العُماني في هذا المسار منذ وقت مبكر، بفضل الموقع الجغرافي الاستراتيجي للسلطنة وخبرة أبنائها في الملاحة البحرية والتجارة الدولية.
وأضاف أن العُمانيين عرفوا الطريق إلى الصين منذ القرون الإسلامية الأولى، وتحتفظ الذاكرة التاريخية باسم التاجر العُماني أبي عبيدة عبد الله بن القاسم، الذي أبحر إلى الصين في القرن الثاني الهجري، ليجسد نموذجًا لقدرة البحّار العُماني على ارتياد البحار البعيدة بحثًا عن آفاق أوسع للتجارة والمعرفة. ولم تقتصر تلك الرحلات على نقل السلع والبضائع، بل أسهمت أيضًا في انتقال العادات واللغات والأفكار والمعتقدات، كما استقر عدد من التجار العرب والمسلمين في مدن الساحل الصيني، ومن بينها كانتون، وأسهموا في التعريف بالإسلام والثقافة العربية.
وأشار الهنائي إلى أن الشواهد الأثرية في سلطنة عُمان تقدم أدلة ملموسة على عمق هذه الروابط التاريخية؛ إذ عُثر في صحار والبليد بمحافظة ظفار على قطع متعددة من الخزف الصيني تعود إلى عصور مختلفة، بما يعكس طبيعة التبادل التجاري والثقافي بين الجانبين، ويؤكد وصول المنتجات الصينية إلى البيئة العُمانية منذ قرون. وفي المقابل، احتل اللبان الظفاري مكانة مهمة ضمن السلع التي عُرفت بها عُمان في الأسواق الآسيوية، لما يتمتع به من قيمة تجارية ومكانة في الاستخدامات الدينية والاجتماعية.
وأوضح أن الرحلات البحرية الصينية إلى المنطقة عززت هذا التواصل، لافتًا إلى وصول أساطيل القائد الصيني تشنغ خه إلى ظفار خلال القرن الخامس عشر الميلادي، حيث تناولت الروايات المرتبطة برحلاته أسواق المنطقة وتجارة اللبان، وهو ما يعكس حضور عُمان في مسارات الملاحة والتجارة التي ربطت الشرق بالغرب.
وبيّن أن سلطنة عُمان أعادت استحضار هذا الإرث التاريخي في العصر الحديث من خلال الرحلة البحرية للسفينة «صحار»، التي أُبحر بها من مسقط إلى كانتون في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وفق الطراز التقليدي للسفن العُمانية، في تجربة هدفت إلى إحياء أمجاد الملاحة البحرية العُمانية واستعادة مسارات التواصل التاريخي مع الصين. ولم تكن الرحلة مجرد مغامرة بحرية، بل حملت رسالة ثقافية تؤكد أن العلاقات بين البلدين تستند إلى جذور تاريخية عميقة، سبقت إقامة العلاقات الدبلوماسية الرسمية بينهما عام 1978، والتي أسهمت في فتح آفاق أوسع للتعاون الثنائي في مختلف المجالات.
وأكد أن العلاقات الثقافية والأكاديمية بين البلدين شهدت تطورًا ملحوظًا عبر مبادرات وبرامج متعددة، من أبرزها كرسي السلطان قابوس للدراسات العربية في جامعة بكين، الذي أسهم في تعزيز تعليم اللغة العربية والتعريف بالثقافة العربية والعُمانية لدى الأوساط الأكاديمية الصينية. كما أسهم تنظيم الأسابيع الثقافية والمعارض وتبادل الزيارات بين الفرق الفنية والوفود الأكاديمية في توسيع مجالات التقارب الثقافي، فيما تشكل معارض الكتب في البلدين منصات مهمة للتعريف بالإنتاج الفكري والأدبي، وإتاحة الفرصة أمام القراء العُمانيين للاطلاع على الأدب الصيني المترجم، وتعريف القارئ الصيني بتاريخ عُمان وأدبها وتراثها الحضاري.
وأشار الهنائي إلى أن هذا التواصل الثقافي لا ينفصل عن التحولات الاقتصادية والاستراتيجية التي تشهدها العلاقات العُمانية الصينية، وفي مقدمتها مبادرة الحزام والطريق، التي تستحضر في أحد أبعادها روح طريق الحرير التاريخي. وأوضح أن الموقع البحري لسلطنة عُمان وإرثها العريق في الملاحة والتجارة يمنحانها مقومات مهمة لتعزيز حضورها في المبادرات التي تستهدف ربط الأسواق وتوسيع حركة التبادل التجاري والاستثماري.
وأضاف أن تنامي التعاون الاقتصادي بين البلدين يفتح المجال أمام تعزيز التواصل الثقافي في مجالات متعددة، تشمل تعليم اللغات، والسياحة، والتبادل الطلابي، والتعاون الأكاديمي، إلى جانب الاهتمام المشترك بصون التراث البحري وإبراز دوره في تشكيل العلاقات التاريخية بين الشعوب.
وأكد الدكتور سليم الهنائي أن ما يميز العلاقات الثقافية العُمانية الصينية هو قيامها، عبر مراحلها التاريخية المختلفة، على التبادل السلمي والمصالح المشتركة والاحترام المتبادل. فبعد أن جمعت التجارة والملاحة البحرية بين البلدين، توسعت مسارات التواصل لتشمل المعرفة والثقافة والتعليم، بما يعزز فرص بناء شراكة حضارية أكثر عمقًا واستدامة، ويحافظ على الذاكرة التاريخية المشتركة، ويمنح الأجيال القادمة فرصة أوسع للتعرف إلى ثقافة الآخر وتعزيز التفاهم بين الشعبين الصديقين.
من جانبها أوضحت الدكتورة مريم سعيد البرطمانية الخبيرة في العلاقات العمانية الصينية أن كثيرًا من المصادر تُؤكِّد أنَّ العلاقات العُمانية الصينية ضاربة في القِدَم، وأنَّ جذورها التاريخية تعود إلى حقب سحيقة وقرون مُبكِّرة، وأنَّ هذه العلاقات قد تبلورت بصورة أوضح بعد انتشار الإسلام في شبه الجزيرة العربية، وبخاصةٍ في القرن الثامن الميلادي، حين أصبحت الموانئ العُمانية مراكز فاعلة في حركة التجارة البحرية التي شملت مختلف البلدان والأقطار التي تمرُّ بالمحيط الهندي وصولًا إلى الصين.
وقالت إن من أبرز الشواهد التاريخية الدّالَّة على هذا التواصل الوثيق بين البلدين، رحلة التاجر العُماني أبي عبيدة عبد الله بن القاسم إلى الصين، التي تُعَدُّ واحدة من أقدم الرحلات العُمانية المعروفة إلى الشرق الأقصى. ووَفقًا لسفارة سلطنة عُمان في بكين، فإنَّ هذا التاجر وصل إلى الصين عام 750م تقريبًا، في حين أوردت بعض الدراسات التاريخية تواريخ مختلفة لنشاطه التجاري؛ ما يستدعي التمييز بين الرواية التاريخية المشهورة والتأريخ الدقيق للرحلة المذكورة آنفًا.
وأضافت أن المصادر الجغرافية العربية، ومنها مُؤلَّفات المسعودي والإصطخري والمقدسي، حَفَلَت بالحديث عن منطقة صحار وأنشطتها التجارية العديدة مع الصين؛ إذ وصف المقدسي منطقة صحار بأنَّها دهليز الصين، في إشارة إلى المكانة التجارية التي حظيت بها هذه المنطقة، وما ارتبط بها من حركة الملاحة والتبادل التجاري مع بلدان الشرق الأقصى. وبالمثل، فقد ورد في المصادر الصينية إشارات عِدَّة إلى المراكز التجارية العربية وشبكات الملاحة البحرية التي ربطت الصين بالمحيط الهندي والبلدان المُطِلَّة عليه.
وأشارت إلى أنه إلى جانب هذه الشواهد المكتوبة التي تُؤكِّد وجود علاقات تجارية بين عُمان والصين منذ سالف الأزمان، يأتي الحديث عن المُكتشَفات الأثرية الصينية في سلطنة عُمان، وفي مُقدِّمتها الخزف الصيني الذي عُثِر عليه في العديد من المناطق العُمانية، لا سيَّما صحار، فيما يُعَدُّ دليلًا ماديًّا على وصول كثير من السلع الصينية إلى عُمان عبر شبكات التجارة البحرية. كذلك كشفت التنقيبات الأثرية في منطقة البليد بمحافظة ظفار عن وجود نقود صينية تعود إلى أُسْرة تانغ وأُسْرة سونغ الصينيتين.
وقالت إنه من المُهِمِّ تأكيد أنَّ العلاقات التاريخية بين البلدين لم تقتصر فقط على تبادل السلع، وإنَّما امتدَّت لتشمل تبادل المعارف الملاحية والخبرات التجارية والتأثيرات الثقافية؛ لذا يُمكِن النظر إلى التواصل العُماني الصيني بوصفه أحد روافد التفاعل الحضاري الذي أسهم في تعريف العالَم العربي بالحضارة الصينية، والنَّهْل من مَعينها.
وأشارت إلى أن موقع عُمان الجغرافي يُعَدُّ أحد أهم العوامل التي أسهمت في نشوء علاقاتها التاريخية مع الصين؛ إذ تقع عُمان عند ملتقى الخليج العربي وبحر عُمان وبحر العرب، وهي تُطِلُّ على مسارات بحرية تصل شبه الجزيرة العربية بشرق إفريقيا، والهند، وجنوب شرق آسيا، والصين. وقد منح هذا الموقع الموانئ العُمانية، وفي مُقدِّمتها ميناء صحار وميناء قلهات وميناء مسقط، أهمية استراتيجية وتجارية، وجعلها مَحطّات رئيسة للتموين وإعادة تصدير البضائع وتبادل السلع القادمة من مناطق وبلدان مختلفة.
وأضافت أنه يُنظَر إلى ميناء صحار بوصفه ركيزةً أساسيةً في حركة التجارة البحرية خلال العصور الإسلامية المختلفة، وبه ارتبطت عُمان بشبكات عديدة من التبادل التجاري مع كثير من البلدان والأقطار، بما في ذلك الصين ويوجد العديد من الشواهد التي تُؤكِّد أهمية هذا الميناء، ويُمكِن إجمالها في ثلاثة جوانب مُترابِطة، هي أن المصادر الجغرافية والتاريخية التي وصفت منطقة صحار بأنَّها مركز تجاري مُزدهِر، وربطت بين النشاط التجاري العُماني والأسواق المختلفة في الشرق الأقصى وتبادل السلع والبضائع؛ إذ أمكن بطرق التجارة البحرية تصدير العديد من السلع والبضائع، مثل: اللُّبان، والخيول، واللؤلؤ، والمُنتَجات القادمة من شرق إفريقيا، واستيراد الحرير والخزف وغيرهما من المُنتَجات الصينية. ويكتسب اللُّبان العُماني أهمية خاصة في هذا المجال؛ إذ لا يُنظَر إليه بوصفه سلعة اقتصادية فحسب، بل يُعَدُّ موروثًا عُمانيًّا أصيلًا، وجزءًا رئيسًا في الاستخدامات الثقافية والطقوس الشعبية المُرتبِطة بالبخور والعطور والمُكتشَفات الأثرية والرحلات البحرية؛ إذ يُؤكِّد وجود قطع الخزف الصيني المُكتشَفة في العديد من المواقع العُمانية اتِّساع شبكات التبادل التجاري بين البلدين، في حين تكشف رحلة السفينة "صحار"، التي أبحرت من ميناء مسقط عام 1980م، ووصلت إلى ميناء قوانغتشو الصيني عام 1981م، عن إمكانية الإبحار عبر المسارات التاريخية باستخدام تقنيات مستوحاة من التراث البحري القديم. ورُبَّما كان أهم ما يُميِّز عُمان في هذا الجانب أنَّها لم تُمثِّل فقط مَحطَّة عبور على طريق الحرير البحري، وإنَّما كانت طرفًا فاعلًا في تنظيم حركة التبادل التجاري، وإعادة توزيع السلع، والاستفادة من الرياح الموسمية والمعرفة المُتراكِمة بالملاحة البحرية.
وأوضحت إنَّ العلاقات العُمانية الصينية مَرَّت بمَحطّات تاريخية مُتعاقِبة، بَدْءًا بالتواصل التجاري في العصور الإسلامية المختلفة، وانتهاءً بالعلاقات الرسمية المؤسسية في العصر الحديث. وفيما يأتي سرد تاريخي لتطوُّر العلاقات العُمانية الصينية في مختلف العصور ففي القرن الثامن والقرن التاسع الميلاديان:
اتَّصفت هذه الحقبة بنشاط الحركة التجارية البحرية بين الموانئ العُمانية والموانئ الصينية، وظهور العديد من رحلات التُّجّار العُمانيين إلى المراكز التجارية الصينية المختلفة وفي القرن العاشر الميلادي حتّى القرن الثالث عشر الميلادي:
تميَّزت هذه الحقبة باستمرار النشاط التجاري في المحيط الهندي، وبروز منطقة صحار ثمَّ منطقة قلهات ضمن الشبكات الإقليمية والدولية لتبادل السلع والبضائع.
وفي القرن الخامس عشر الميلادي
نظَّم البَحّار الصيني تشنغ خه في هذا القرن عددًا من الرحلات البحرية إلى المحيط الهندي ومنطقة الخليج؛ ما يُؤكِّد تزايد الاهتمام الصيني بموانئ المنطقة.
وأضافت أن المصادر الدبلوماسية الصينية أشارت إلى ما قام به هذا البَحّار من رحلات بحرية عديدة إلى عُمان بأسطوله، ولكنْ ينبغي التحقُّق من الموانئ والمسارات لكل رحلة بناءً على المصادر الأصلية مشيرة الى انه في 25 مايو 1978م:
شهد إقامة علاقات دبلوماسية رسمية بين سلطنة عُمان وجمهورية الصين الشعبية. وقد نَصَّ البيان المُشترَك المُوقَّع في لندن على تبادل السفراء وتطوير العلاقات وَفق مبادئ الاحترام المُتبادَل والسيادة والمصالح المُشترَكة وفي عام 1980م، أبحرت السفينة "صحار" في رحلة تاريخية من ميناء مسقط إلى ميناء قوانغتشو، مُعيدةً إحياء الذاكرة البحرية المُشترَكة بين عُمان والصين، فيما يُمثِّل رمزًا ثقافيًّا للتواصل بين البلدين وفيمايو 2018م:أُعلِن عن الشراكة الاستراتيجية بين سلطنة عُمان وجمهورية الصين الشعبية، وقد جاء هذا الإعلان في الذكرى الأربعين للعلاقات الدبلوماسية بين البلدين، بما يُعزِّز سُبُل التعاون بينهما في إطار مبادرة "الحزام والطريق".
وقالت إنه في عام 2022م وما بعده شهد مزيدًا من التعاون في إطار العلاقات الصينية العربية والخليجية، مع استمرار اللقاءات السياسية بين هذه البلدان، وتطوير الشراكات بينها في مختلف المجالات، بما في ذلك مجال الاقتصاد، والاستثمار، والثقافة، والتعليم.
وتكشف هذه المحطّات أنَّ العلاقات العُمانية الصينية قد شهدت تحوُّلًا تدريجيًّا من النشاط التجاري القائم على المبادرات الفردية وشبكات التُّجّار والبَحّارة إلى التعاون المؤسسي القائم على العلاقات الدبلوماسية والاتفاقيات الثنائية والشراكات الاستراتيجية.
وأكدت إن زيارة دولة لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المُعظَّم -حفظه الله ورعاه- إلى جمهورية الصين الشعبية تحمل دلالات تاريخية وحضارية تتجاوز أبعادها السياسية والاقتصادية المباشرة؛ إذ يُمكِن النظر إليها في إطار المسار الطويل للتواصل الدؤوب بين الحضارة العُمانية والحضارة الصينية، فقد بدأ هذا التواصل عبر البحار والموانئ والأسواق، وتطوَّر على مَرِّ القرون، وصولًا إلى الشراكة الاستراتيجية الحديثة.
وأضافت أنه من المنظور التاريخي، تُعبِّر هذه الزيارة عن استمرارية العلاقات بين بلدين جمعتهما المصالح التجارية والتفاعلات الإنسانية منذ أَمَد بعيد. فبعد أنْ كانت السفن العُمانية تحمل البضائع والمعارف إلى الموانئ الصينية، أصبحت العلاقات اليوم تُدار عن طريق المؤسسات الدبلوماسية والاتفاقيات الاقتصادية والتعاون العلمي والثقافي.
أمّا من المنظور الحضاري، فقد اكتسبت هذه الزيارة أهمية خاصة، فيما تُمثِّله من فرصة لاستحضار الإرث المُشترَك لطريق الحرير البحري، وتأكيد قدرة العلاقات التاريخية على مواكبة التحوُّلات الدولية المعاصرة، فضلًا عن فتحها آفاقًا أوسعَ للتعاون في مجال الثقافة، والبحث العلمي، والتعليم، والتكنولوجيا، بما ينسجم مع مُستهدَفات رؤية عُمان 2040م.
وتتجلّى دلالة أُخرى لهذه الزيارة في استمرارية النهج الدبلوماسي العُماني، القائم على الحوار والاحترام المُتبادَل وبناء الشراكات مع مختلف دول العالَم، وهي مبادئ تتوافق مع الأُسس التي قامت عليها العلاقات الدبلوماسية عُمانية الصينية منذ عام 1978م، وتطوَّرت في إطار الشراكة الاستراتيجية المُعلَنة عام 2018م.
وأوضحت إنَّ الدلالة العميقة لهذه الزيارة تتمثَّل في أنَّ العلاقات العُمانية الصينية لا تقوم فقط على التعاون بين دولتين تجمعهما مصالح الحاضر، وإنَّما تُعَدُّ امتدادًا لتاريخ حضاري مُشترَك، أمكن له أنْ يتجدَّد بمرور الزمن، وأنْ ينتقل من أشرعة السفن التجارية القديمة إلى آفاق الشراكة الاستراتيجية المعاصرة. وهنا تبرز أهمية توظيف هذا التقارب في بناء مشروعات ثقافية وعلمية مُشترَكة، تحفظ ذاكرة الماضي، وتفتح للأجيال القادمة مسارات جديدة للتعاون والتفاهم بين الشعبين الصديقين.
وأكدت إنَّ التاريخ العُماني الصيني يُقدِّم أُنموذجًا مُهِمًّا لكيفية تحوُّل الجغرافيا البحرية والأنشطة التجارية إلى جسور من التواصل الحضاري، ثمَّ تطوُّرها إلى علاقات دبلوماسية وشراكات استراتيجية. وإذا كانت الموانئ والسفن قد صنعت جسور التواصل في الماضي، فإنَّ الجامعات ومراكز البحوث والمؤسسات الثقافية قادرة اليوم على أنْ تُمثِّل الجسور الجديدة التي ترتقي بهذه العلاقات إلى مرحلة أكثر عمقًا واستدامةً.
