تحليل: لماذا الصين ولماذا الآن؟
"عُمان": في الأسبوع الأول من يوليو الماضي أحصت مجلة "كايشين" الصينية نحو عشر ناقلات نفط صينية عملاقة راسية أو مبحرة في بحر عُمان، وأكثر من عشر أخرى في طريقها إليه. كان مضيق هرمز مغلقا وكانت واردات الصين من النفط الخام قد هبطت في الربع الثاني بنحو الثلث، وصار الساحل العُماني، من ميناء الفحل إلى صحار وإلى الدقم، من المنافذ القليلة في المنطقة التي يخرج منها النفط دون أن يعبر المضيق. وفي أبريل وحده زادت قيمة ما اشترته الصين من الخام العُماني بنحو 28% عن الشهر نفسه من العام السابق.
وفي العام نفسه توقعت "سينوبك"، كبرى شركات التكرير الصينية، أن ينخفض طلب بلادها على النفط بنحو 9%، في ثالث تراجع سنوي على التوالي، مع تمدد السيارات الكهربائية. وفي زمن الحرب صار النفط العُماني مطلوبا في الصين أكثر من ذي قبل، وفي حساب السنوات المقبلة تحتاج الصين إلى النفط كله أقل فأقل.
بين هذين الاتجاهين يصل غدًا حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، إلى بكين، في أول زيارة دولة يقوم بها سلطان عُماني إلى الصين، وبعد ثمانية وأربعين عاما من إقامة العلاقات بين البلدين. والزيارة تأتي عند نقطة يتقاطع فيها منحنيان، قيمة عُمان في حسابات بكين تصعد، بعد أن كشفت الحرب ثقل جغرافيتها ودورها في كل ما يخص هرمز. ووزن البرميل العُماني في السوق الصينية يتجه إلى الهبوط. والمهمة التي تحملها الزيارة أن تحوّل مسقط الصعود الأول إلى استثمار يبقى، قبل أن يهدأ المضيق ويعود البرميل وحده إلى حمل العلاقة، وهو أخف مما كان.
جغرافيا صارت رصيدا
تقف عُمان من هرمز موقفا لا يشاركها فيه جار، تطل شبه جزيرة مسندم على ضفته الجنوبية، والممر الدولي يمر في مياهها الإقليمية، أما منشآت تصدير نفطها وغازها، من ميناء الفحل إلى قلهات وصحار والدقم، فتقع كلها خارجه، لذلك خرجت المالية العامة من عام الحرب أقوى مما دخلته حيث تقلّص عجز النصف الأول بنسبة 93%، ويتوقع صندوق النقد الدولي فائضا يقارب 4.5% من الناتج المحلي. ولم تكن الجغرافيا نعمة خالصة؛ فقد طالت المسيّرات ميناءي الدقم وصلالة، وتوقف التحميل في ميناء الفحل لوقت قصير، ووُضعت علاقات مسقط بكل الأطراف تحت الاختبار.
أما بكين، التي يمر عبر هرمز نحو 40% من وارداتها النفطية، فقد كشفت لها الحرب أمرين، الأول أن بحر عُمان هو المنفذ الذي يخرج منه النفط دون أن يعبر المضيق، والثاني أن مسقط طرف لا يمكن تجاوزه في إدارته؛ فمذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية في يونيو أوكلت إلى محادثات عُمانية إيرانية تحديد الإدارة المستقبلية للممر، وقدّمت مسقط في يوليو مقترحا يحظى بدعم خليجي لآلية إقليمية تموّلها مساهمات طوعية على غرار مضيق ملقا، ويُعرض على المنظمة البحرية الدولية. لكن طهران رفضت تقاسم السيطرة على المضيق الذي عاد للإغلاق وما زال.
وفي هذا السياق فإن بكين تملك ما لا يملكه غيرها، فعلاقتها وشراكتها مع إيران تتيح لها كلمة أكثر إمضاء في طهران من غيرها، وقد عبرت سفنها بتأثير تلك الكلمة في مارس "بعد التنسيق مع الأطراف المعنية". غير أن صيغتها الرسمية عن احترام حقوق الدول المشاطئة تحتمل قراءتين، لأن عُمان طرف في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار وإيران لم تصادق عليها. وبكين من جهتها تحتاج إلى هذا الشريك بقدر ما يحتاج إليها؛ ففي عام تأجلت فيه القمة الصينية العربية الثانية عن موعدها، تبحث عن دولة عربية تثق بها طهران ويثق بها جيرانها، وتملك على الممر نفسه ضفة وصوتا.
برميل يخفّ وزنه
في الجهة الأخرى يضعف الرابط الذي حمل العلاقة عقودا. تتوقع "سينوبك" أن ينخفض الطلب الصيني على النفط هذا العام بنحو 600 ألف برميل يوميا، في ثالث تراجع سنوي متتال، مع اتساع رقعة السيارات الكهربائية. وقبل الحرب تراجعت مشتريات الصين من النفط العماني بأكثر من مائة ألف برميل يوميا كما كان الحال في عام 2025 لصالح النفط الإيراني الذي كان يعرض بأقل من سعره بثمانية إلى عشرة دولارات.
والعلاقة في جوهرها تجارة، فصدّرت عُمان إلى الصين في 2023 بنحو 30.2 مليار دولار، جلّها نفط خام، واستوردت منها بنحو 2.84 مليار. أما الاستثمار، وهو ما يبقى بعد أن تبحر الناقلات، فمساره ما زال أبطأ بكثير وظلت الكثير من المشروعات في مرحلة التصميم.
لكن عُمان تفاوض الآن على مستوى الاستثمار أو على مستوى تصدير النفط والغاز من موقع مختلف تماما عما كانت تفعله منذ عام 2016 حينما انهارت أسعار النفط، وفي 2026 انخفض الدين العام إلى 34% من الناتج بعد أن بلغ 68% في 2020، والمالية تتجه إلى تسجيل فائض جديد. ومن لا يحتاج المال على عجل يستطيع أن يشترط الوظائف والمحتوى المحلي ونقل التقنية والجداول الزمنية.
ما لا تقدمه بكين
وللمتشكك حجة قوية من وقائع هذا العام. لا تحرس الصين الممرات التي تعيش عليها، فلم تستجب للدعوة الأمريكية في مارس إلى إرسال سفن حربية، وأبقت شركات شحنها الحكومية ناقلاتها بعيدا عن هرمز وباب المندب، وما حصلت عليه من عبور جاء بترتيب يخص سفنها وحدها. وهي قريبة من طهران، تشتري خامها المخفّض، وتجري بحريتها معها ومع روسيا مناورات دورية في بحر عُمان منذ 2019، وسجلها الاستثماري في عُمان أبطأ من غيرها.
هذه الوقائع صحيحة، وهي نفسها ما يجعل الزيارة منطقية، فالمعادلة التي أُعلنت في كامبريدج تُسقط عن الشركاء الخارجيين دور الحارس من الأساس، وتطلب منهم أن يكونوا مستثمرين، والقوة التي لا تريد حراسة الخليج لا تخسر شيئا في ميزان هذه المعادلة. أما بطء الاستثمار فحجة لصالح التفاوض بشروط، والمالية العُمانية تسمح بذلك اليوم.
ميزان الزيارة
يكتمل حصاد زيارة كهذه بعد سنوات، في المصانع والموانئ، ويبدأ في بكين بتفاهمات ترسم اتجاهه. وتذهب مسقط إلى بكين بما لا يملكه شريك آخر، فهي تملك موانئ مطلة على بحار مفتوحة بعيدة تماما عن مضيق هرمز، ووساطة تثق بها الأطراف، ومالية عامة أمتن مما كانت منذ عقد. وتبحث في المقابل عما يخدم رؤية عُمان 2040، أي استثمارا يأتي بمصانعه وتقنيته وجداوله الزمنية، ويفتح للعُمانيين وظائف في قطاعات مثل مواد البطاريات والطاقة المتجددة والتعدين واللوجستيات. لكن في المقابل تلتقي رغبة عُمان والصين عند مضيق هرمز فكلا البلدين تريدان مضيق هرمز مفتوحا وفق القانون الدولي، وتُحترم فيه حقوق الدول المطلة عليه، كما تريدان الخليج العربي محميا بأهله وهي الفكرة التي باتت تطرح في الخليج بشكل غير مسبوق من قبل.
في 1980، بعد عامين من إقامة السلطان قابوس، طيب الله ثراه، العلاقات الدبلوماسية مع بكين، أبحرت سفينة "صحار" من عُمان إلى كانتون على خطى الملاح أبي عبيدة عبدالله بن القاسم كما أعلن في ذلك الوقت، واليوم تنتظر ناقلات صينية عملاقة في خليج عُمان لتحمل النفط شرقا، في الاتجاه نفسه. وظل ثقل الحمولة طوال أربعة عقود ونصف في اتجاه واحد، من عُمان إلى الصين، وهذه الزيارة فرصة لأن يصير الطريق في اتجاهين، فيأتي من الصين ما يبقى في عُمان بعد أن تبحر الناقلات.
