هكذا نقرأ عُمان وصلابتها السياسية

31 أكتوبر 2026
31 أكتوبر 2026

بعيدا عن القراءة الذاتية للمسار السياسي العُماني؛ لكوني عُمانيا، وفخورا بوطني وتاريخه ومكتسباته السياسية ونتائجها الجلية التي تنعكس في صناعة أفكار مجتمعية جمعية يُشار إليها بالبنان من كل مقيم وزائر لسلطنة عُمان أو في خارجها؛ فجعلنا غير مكترثين بالترويج لتجربتنا الحضارية الناضجة واضحة المعالم. مع ذلك فإنني أحاول أن أكون موضوعيا قدر المستطاع مع قراءة أضطر إلى تناولها؛ نظرا لتزامنها مع اشتداد عواصف السياسة، وما تحمله من أضرار لا تُحتمل؛ إذ نجد من الضروري أحيانا الحديث عما أراه ملحًا لإعادة الأمور إلى نصابها، وعبر قراءتنا لسطور مستجدات الأحداث المرتبطة بسلطنة عُمان وما بينها.

ومن بين تلك الأحداث المتواترة أستدعي ثلاثة مشاهد أراها كفيلة أن تُعرّفنا بالحكمة العُمانية ومحركاتها القديمة والمعاصرة؛ لتدفعنا نحو إيصال رسائل واعية نعيد بواسطتها التذكير بالنموذج العُماني السياسي السليم الذي اقترن بعدد من العناصر. يتمثل المشهد الأول في الزيارة التاريخية المهيبة التي قام بها جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- إلى المملكة المتحدة، وما شهدته من كلمة رفيعة للملك تشارلز الثالث تليق بعُمان وحضارتها. ونرى المشهد الثاني في الظاهرة السياسية العُمانية الرسمية وآلية تعاملها مع الاستفزازات الخارجية بأنواعها. أما المشهد الثالث فيتعلق بكلمة معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية في جامعة كامبريدج، وما عكسته من خلاصة تلخص الحكمة العُمانية وحنكتها السياسية.

أبدأ مع كلمة الملك تشارلز الثالث الأخيرة بحضور جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، وإن كنت أتمنى تخصيص مقال مستقل لهذه الكلمة لما تحويه من صدق المشاعر ونبلها ورصانة الاستشهادات الواردة فيها؛ بيد أننا في خضم سياق أشمل يتعلق بعُمان وعمق سياستها، اجتمعت لي تقاطعات لعدد من الأحداث منها خطاب الملك تشارلز؛ فآثرت أن أصهرها وأصبها في قالب واحد يتمحور في محاولة قراءة السياسة العُمانية التي عجزتُ -شخصيا- عن إدراك كل تفاصيل خلطتها السحرية المدهشة.

وعقب ذلك الخطاب دار حوار مطوّل مع صديق أديب لبيب، تحدثنا فيه بتحليل عفوي عن الزيارة الأخيرة التي قام بها جلالة السلطان -حفظه الله ورعاه- إلى المملكة المتحدة وما حملته وتمخضت عنه من رسائل ونتائج كبيرة. وتناغمنا مع كلمة الملك تشارلز الآسرة التي تمنى صديقي أن تكون جزءا يُدرج ضمن مقررات التعليم المدرسي؛ لما حوته من توصيف مكتمل الأركان لأبجديات السياسة العُمانية، وتاريخها ودبلوماسيتها الراقية.

تنوعت الكلمة في وصف الصداقة القديمة التي تربط المملكة المتحدة بسلطنة عُمان التي اعتمدت مبدأ الشراكة الإستراتيجية منذ قرون عدة، وعرضت حقائق تاريخية جهلها بعضهم -أو تجاهلوها- عن الإمبراطورية العُمانية التي سبق تجارُها وبحّارتُها -العُمانيون- الإنجليزَ قبل ألف عام في شق البحار والوصول إلى موانئ العالم ومدنها.

لم يغب عن بال الملك تشارلز الثالث أن يذكّر عُمانَ بأعظم شهاداتها التي نالتها في تاريخها الطويل، فاستنطق لسانه بعربية مفهومة مرددا حديث النبي -عليه الصلاة والسلام- الذي يصف فيه أهل عُمان ويمدحهم، ويأتي نصه: «لو أن أهل عُمان أتيت، ما سبوك ولا ضربوك» بالإضافة إلى اقتباسه بيتا من بحر شعر شاعر عُمان أبي مسلم البهلاني (ت: 1920م)، يتمثّل في قوله: «ولا برحت تلك الرياض نواضرا.... تضمّخها طيب السلام النسائم». ولا أرى هذه المحطات الخطابية بتنوعها أتت مصادفة أو دون قياسات دقيقة من الملك تشارلز، وهذه إشارة لعل صديقي الأديب سبقني في هذا القول إليها.

لم تخنّي ذاكرتي -وأنا أستمع للخطاب-؛ فاستحضرت ما سبق أن عرفته عن الثقافة العالية للملك تشارلز الثالث قبل اعتلائه عرش بريطانيا، وتحديدا حبه وشغفه بالدراسات الشرقية والإسلامية، ودعمه المستمر لها، فضلا عما يكنه من احترام عميق للدين الإسلامي وثقافته.

لا أريد أن أسهب في الحديث؛ إذ إن ثمة العديد من التفاصيل التي أرغب بسردها عن خطاب الملك تشارلز، ولكن جل ما يمكن أن نخلص إليه من هذه الكلمة التاريخية وعمقها الرصين أنها أضافت شهادة رفيعة بجانب الشهادات والشواهد التاريخية الكثيرة، وأتصور أن كلماتها الصادقة وصلت بكل قوة إلى كل من يحتاج أن يُذكّر بتاريخ عُمان وسر نضجها السياسي.

أما عن محورنا الثاني الدال على رشاد السياسة العُمانية وحكمتها في التعامل مع الضوضاء السياسية الخارجية واستفزازاتها؛ فنستدل عليه من آلية تعامل سلطنة عُمان مع التصريحات السياسية العاطفية غير المدروسة التي أطلقها بعضهم مهاجما فيها عُمان؛ فكانت تصريحات أو استفزازات تثير في نفسي -وفي نفس كل عُماني غيور- غليانا داخليا إزاء كل ما يمس الوطن من إساءات غير مقبولة.

ولكن للمسار السياسي العُماني الرسمي رؤية أعمق تتسم بالقوة؛ فتجلت في التغافل عن بعض النعيق السطحي غير المحسوب. وتبيّنت نتائج هذا الصبر الإستراتيجي بعد حين، وكان أبسط وصف لها ما يمثله القول المأثور: «أميتوا الباطل بالسكوت عنه».

تعاملت سلطنة عُمان أيضا بحزم ومسؤولية مع ظاهرة التواصل الاجتماعي وما تبثه من سموم مؤججة للفتن السياسية والمجتمعية؛ فبدأت مع أي أصوات عبثية شاذة تخرج من أرض عُمان تُرصد فيها الإساءة إلى أي دولة -في عداد الدول الشقيقة والصديقة- مست حكوماتها أو شعوبها أو رموزها؛ فأصدرت النيابة العامة العُمانية بيانها الصارم الموضّح لحدود حرية الرأي في وسائل التواصل الاجتماعي.

وأرجو أن تجد دول أخرى في هذه الخطوة العُمانية الساعية إلى رأب الصدع وقطع دابر الفتنة نموذجا يحتذى. ولعلنا نشهد تطبيقا واسعا لهذه التوجه العُماني ليشمل جميع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي بعد تقديم سلطنة عُمان لهذه المبادرة الساعية إلى ضبط الاستعمالات الرقمية في وسائل التواصل الاجتماعي التي رُفعت ونُوقشت في الاجتماع التاسع والعشرين لوزراء الإعلام بدول الخليج العربي المنعقد في مملكة البحرين الأسبوع المنصرم.

وإلى جانب المثالين السابقين اللذين رصدنا فيهما ملامح بارزة للسياسة العُمانية لا يمكنني تجاوز مشهد محاضرة معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية في جامعة كامبريدج الأسبوع المنصرم؛ إذ تعكس محاور هذه المحاضرة -مثل ما عودنا معالي السيد وزير الخارجية- نموذج عُمان في معادلة السلام وخلطتها المتزنة المطروحة منذ فترة طويلة.

ولست في صدد إعادة قراءة كلمة معاليه؛ فسبقني في وضع قراءة عميقة غيري مثل ما طرحه الكاتب العُماني المكرّم عوض بن سعيد باقوير في مقال نشره مؤخرا في هذه الجريدة. بيد أن مثل هذه الأطروحات وما سبقها من مقالات نشرها السيد بدر شخصيا في صحف عالمية كبرى تدل على فلسفة عميقة للسلام تمنحها طابعها العُماني الخاص.

رأيت في هذه الأمثلة الثلاثة خيرَ استدلال لقراءة عُمان ومبدأ صلابتها السياسية خصوصا مع اشتداد عواصف المنطقة السياسية والعسكرية والاقتصادية. وأتصور أن الرسائل المستخلصة من هذه المشاهد الثلاثة الأخيرة وصلت إلى من ينبغي أن يعيها ويجدد ذاكرته بها؛ فيعود إلى رشده.

أعود مرة أخرى إلى طَرْق وعينا الجمعي العُماني؛ لأذكر نفسي وأبناء جلدتي بحجم المسؤولية المنوطة بنا في حماية منظومتنا الأمنية بأسهل السبل المتاحة، وأهمها -في عصرنا الراهن- نشاطنا الرقمي وتفاعلنا مع وسائل التواصل الاجتماعي التي يمكنها أن تعكس نموذجنا إلى العالم الخارجي بسرعة تفوق تصوراتنا.

نحتاج إلى إعادة تذكير أنفسنا -ونحن نواجه تلاطمات العالم وسذاجاته المستفزة- بأهمية التحلي بالخلق الرفيع المتمثّل في سمتنا العُماني الذي قلدنا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- وسامَه في حديثه النبوي الشريف؛ فيكفي لعُمان وأهلها أن يتخذوا من هذا الحديث الشريف شعارا لنموذجها في السلام والصلابة السياسية الناطقة قولا وفعلا في كل ظرف ومحفل.

د. معمر بن علي التوبي أكاديمي وباحث عُماني