الانتخابات الإسرائيلية: لا سبيل لإيقاف الشعبويين بالنزاهة
31 أكتوبر 2026
31 أكتوبر 2026
ترجمة: أحمد شافعي
ليس الأمر نتيجة انتخابية بقدر ما هو لغز فلسفي: ما الذي يكون من أمر نصر يحتوي خسارة، وخسارة فيها نصر، ويتصادم الاثنان؟ وهذا هو السؤال الذي تثيره النتيجة المرتبكة المربكة التي أسفرت عنها الانتخابات الإسرائيلية هذا الأسبوع، وهي التي برغم ما يعتورها من غموض، تطرح دروسا واضحة وحادة، للبلد نفسه ولكل من يحاصرهم صراع مع شعبويين قوميين في شتى أرجاء الكوكب.
ولنبدأ بالنتيجة التي ألحقت ببنيامين نتنياهو هزيمة مدمرة وفي الوقت نفسه منحته فرصه قوية للبقاء رئيسا للوزراء ليستمر في قيادته لإسرائيل الدائمة ـ مع بعض التقطع ـ منذ أكثر من تسعة عشر عاما من الأعوام الثلاثين الماضية. والهزيمة التي مني بها لا ينقصها الوضوح. فبضربة واحدة لم يبق لأغلبيته البرلمانية من أثر. فقبل الثلاثاء الماضي كانت الأحزاب التي تشكل مجتمعةً ائتلافه الحاكم تسيطر على ثمانية وستين من مائة وعشرين مقعدا في الكنيست، وتقلص الرقم الآن إلى محض ثلاثة وخمسين؛ فهي بذلك بعيدة كثيرا عن واحد وستين مقعدا لازمة للسلطة: وهذه بكل المعاني خسارة.
ومع ذلك لا يبدو نتنياهو بحال في مظهر المهزوم؛ وذلك لأنه يعلم أن مجموعة الأحزاب المعارضة له فازت بمقاعد أكثر مما فاز به هو ـ إذ فازت بسبعة وستين في مقابل ثلاثة وخمسين ـ، ولكن فرصها في تشكيل حكومة فرص ضئيلة. وفي حال فشلها، قد ينشق عنها حزب أو اثنان للانضمام إلى ما يعرف بحكومة وحدة وطنية ـ في ظل تولي نتنياهو رئاسة الوزراء ـ أو تقام انتخابات جديدة يتفق أغلب المحللين على أن نتنياهو سوف يخرج منها أشد قوة.
وليست مشكلة المعارضة بالمشكلة الحسابية، لكنها أعمق كثيرا. والأمر ببساطة هو أن قسما كبيرا من المقاعد المعارضة لنتنياهو كانت من نصيب أحزاب تمثل أساسا خمس الإسرائيليين ذوي الأصل الفلسطيني. وهذا هو المنعطف الكبير في انتخابات الثلاثاء الماضي التي شهدت مشاركة ضخمة ممن يشير إليهم الإسرائيليون بالأحزاب العربية. والمعتاد أن اليهود يكون أكثر مشاركة من عرب إسرائيل بكثير في الانتخابات، لكن النمط انقلب تماما في هذا العام؛ فبلغت مشاركة المجتمعات الفلسطينية داخل إسرائيل في الانتخابات 80%. والنتيجة رقم قياسي بلغ تسعة عشر مقعدا للأحزاب ذات القيادات العربية. وليس بوسع الكتلة المعارضة لنتنياهو أن تشكل حكومة بغيرها؛ فالساسة الفلسطينيون اليوم هم صناع الملوك في إسرائيل. على الورق قد تبدو الخطوة التالية مباشرة بالقدر الكافي؛ فجميع خصوم نتنياهو اليهود بحاجة إلى التكتل مع زملائهم العرب؛ لكي يرغموا رئيس الوزراء على حزم أمتعته، لكن تحالفا كهذا سوف يكون نقطة تحول في تاريخ إسرائيل. فسوف يكسر تابو مستمرا ـ في ما عدا استثناءات عابرة ـ منذ تأسيس الدولة، وهو تابو الارتياب المتبادل. فمن ناحية طالما تحاشت الأحزاب الإسرائيلية ذات القيادات اليهودية الأحزاب ذات الأغلبية العربية؛ لأن الأخيرة مناهضة للصهيونية أو رافضة لها أي أنها ترفض تعريف إسرائيل لنفسها بالدولة اليهودية. وللسبب نفسه حرصت الأحزاب ذات القيادات العربية على المقاطعة، ورفض منح الشرعية للدولة الإسرائيلية بالمشاركة في الحكم.
في عام 2021 كسرت «حكومة التغيير» قصيرة العمر هذا التابو بضم حزب «الرعام» الإسلامي الذي يعتبر ـ للغرابة ـ أكثر التجمعات العربية اعتدالا، لكن بعد مجزرة حماس في السابع من أكتوبر سنة 2023 رجع التابو سيرته الأولى، وازداد قوة. فقد صوَّر نتنياهو الساسة الإسرائيليين الفلسطينيين بوصفهم عدوا داخليا، وحلفاء ضمنيين لقتلة حماس، وكان هذا التأطير مدعوما بعنصرية فجة معادية للعرب أعرب عنها بغاية الصراحة حلفاء له في ائتلافه ـ من أمثال بن جفير وبتسلئيل سموتريتش ـ، وكانت غاية هذا التأطير نزع الشرعية عن كامل الأقلية العربية في إسرائيل.
وكانت هذه هي رسالة نتنياهو في صميمها خلال الحملة الانتخابية: لا يمكنكم أن تثقوا في خصومي لأنهم حينما يحين الوقت المناسب سوف يجلسون مع «العرب». وفي الأيام الأخيرة ضاعف هو وحلفاؤه تلك الرسالة، فزعموا أن الإقبال الفلسطيني الكبير على المشاركة في الانتخابات يعني أن «العرب يسرقون الانتخابات» لا أنهم ببساطة يمارسون حقوقهم الديمقراطية، وفي يوم الخميس زعموا أن قطر دفعت لمواطني إسرائيل الفلسطينيين كي يصوتوا بما يجعل النتيجة كلها باطلة.
بدلا من تحدي تأطير نتنياهو، والإصرار على أن أصوات كل المواطنين من العرب أم من الإسرائيليين متساوية القيمة، خضع أغلب أحزاب المعارضة الرئيسية ـ إلا حزب الديمقراطيين برئاسة يائير جولان ـ لهذا التأطير، وتعهدوا بألا يشكلوا تحالفا مع الأحزاب ذات الأغلبية العربية، وبالذات مع أي مجموعة أشد راديكالية من رعام. ولذلك فإنهم يجدون أنفسهم الآن في مأزق. فالمعارضة ذات القيادة اليهودية لا تستطيع منفردة أن تشكل حكومة. وما لم يتمكنوا بطريقة ما من استقطاب منشقين من كتلة نتنياهو ـ وقد يتمثلون في واحد أو اثنين من الأحزاب شديدة التدين ـ؛ فحتى دعم رعام قد لا يكون كافيا للوصول إلى رقم 61 السحري. هم إذن بحاجة إلى شركاء عرب، ولعلهم بحاجة إلى العديد منهم.
هذا إذن هو الدرس الكبير الذي تتعلمه إسرائيل: أن الجماعة التي طالما عارضت نتنياهو ـ أي اليهود الإسرائيليين الذين يكرهون رئيس الوزراء المحاكم بتهم الفساد، والذي شنّ هجمات متكررة على مؤسسات إسرائيل ومنها المحكمة العليا، وتسبب لبلده في العزلة، إن لم يكن النبذ ـ تواجه الآن حقيقة طالما كانت واضحة لكنهم آثروا ألا يروها، وهي أنهم أقلية في الأرض التي سيطروا عليها. ومثلما قال لي آلوف بين ـ رئيس تحرير صحيفة هاآرتس: «غالبية التصويت اليهودي يمينية في إسرائيل وهكذا هو الحال منذ عقود».
ذلك يعني أن المعارضة الإسرائيلية اليهودية لا يمكن أن تفوز منفردة. وهذا الأسبوع هو الدليل؛ لأنه فرصتهم المثلى. فقد كان نتنياهو في أدنى حالاته؛ فهو القائد الذي شهد أشد الأيام كارثية في التاريخ الإسرائيلي، والقائد الذي وعد بتدمير حماس في غزة فلم ينجح إلا في تحويل غزة إلى ركام وقتل عشرات الآلاف، فحطم في أثناء ذلك مكانة إسرائيل في العالم. وواجه جادي أيزنكوت منافسه الأساسي، وهو جنرال سابق حاصل على أوسمة، والذي ترجع أصوله إلى طبقة مزراحي العاملة، ويعد على نطاق واسع رجلا أمينا نزيها، وأبا مكلوما في ولده الذي سقط صريعا في حرب غزة ـ أي أنه بعبارة أخرى الرجل المناسب لاجتذاب ناخبين ظلوا طويلا بمنأى عن يد المعارضة. ومع ذلك لم يكفه كل هذا للفوز.
السبيل الوحيد لكي تنجح المعارضة هو أن تقيم قضية مشتركة مع المواطنين الفلسطينيين، شأن الديمقراطيين في الولايات المتحدة الذين لم يفوزوا بأغلبية تصويت البيض منذ عام 1964، فلم يكن بوسعهم الفوز بالرئاسة مطلقا إلا بدعم الأمريكيين السود. ولا ينبغي لأحد أن يستهين بجسامة المهمة التي تستوجب تحولا ثقافيا عميقا بقدر كونه سياسيا. ولقد كان ينبغي أن يكون ذلك عملا قائما منذ عقود بدلا من أن يكون محض مسارعة مذعورة خلال أسابيع قليلة من المساومة على التحالفات. والأمر يقتضي إعادة تشكيل للمجتمع الإسرائيلي، وكسرا لنمط التمييز والتفرقة المنهجية داخل إسرائيل منذ تأسيس الدولة (ناهيكم بالأراضي المحتلة منذ حرب 1967 حيث يعيش ملايين الفلسطينيين محرومين من حق التصويت في الانتخابات الإسرائيلية). وهذه المهمة كانت ضرورية طوال الوقت، لكن تبين في هذا الأسبوع أنها أصبحت غير قابلة للتأخير إذا كان مقدرا لاستيلاء اليمين على السلطة أن ينتهي.
كثير من هذا يخص المحال السياسي الإسرائيلي الفريد، لكن ثمة دروسا أعم لكل من يحاربون الشعبوية القومية، سواء أتمثلت في دونالد ترامب خلال انتخابات التجديد النصفي في الأسبوع القادم، أم ماري لو بان في فرنسا أم نايجل فاراج في بريطانيا. فأولا: لا تقبلوا شروطا مفروضة من الفريق المقابل؛ فذلك هو الخطأ الفادح الذي وقع فيه منافسو نتنياهو. وثانيا: المعارضة والنقد وحدهما غير كافيين. فالشعبويون القوميون سوف يحكون دائما قصة مقنعة، ولكن عليكم أن تحكوا قصة من عندكم أنتم وتكون مقنعة بالقدر نفسه. وأخيرا: عليكم أن تتحلوا بكل عزيمة لديهم؛ فأنتم كثيرا ما تلعبون بشرف في حين أن من تقاومونهم أبعد ما يكونون عن الشرف. فنتنياهو لا يخجل، وسوف يفعل أي شيء، ويخترق كل الحدود، ويبرم أي صفقة، من أجل أن يبقى في السلطة. ولن ينتصر معارضون لرجل كهذا إلا حينما يبدون مثل ما يبدي من عزيمة على النصر.
جوناثان فريلاند من كتاب الرأي في صحيفة الجارديان
