قلة النوم يزيد من احتمالية الإصابة بالأمراض المزمنة وتراجع الوظائف الذهنية
يؤكد الطب الحديث أن الساعات التي نغلق فيها أعيننا ليلًا هي أعقد عملية ترميم حيوية يخوضها الجسد، وتحمي الإنسان من الأمراض المزمنة، حيث يرتبط قلة النوم بتزايد احتمالية الإصابة بالأمراض المزمنة وتراجع الوظائف الذهنية.
في هذا الحوار، يأخذنا الدكتور نبيل بن محمد اللواتي، استشاري أول أمراض الصدر وطب النوم بالمستشفى السلطاني ورئيس الرابطة العُمانية لطب النوم، في رحلة عميقة داخل "دماغ النائم"، ويفكك ألغاز الساعة البيولوجية، ويكشف عن أحدث التقنيات الطبية والعلاجات الذكية التي تعيد للجسد عافيته.
س1: دكتور، بداية، ما هو النوم "السليم" علميًا، وماذا يحدث في الدماغ والجسم خلال مراحله؟
يعد النوم السليم ركيزة أساسية للحياة الصحية، إذ يقوم على أربعة أركان رئيسية تشمل كفاية المدة بحيث لا تقل عن سبع ساعات للبالغين، والجودة المتمثلة في نوم متصل بلا استيقاظات متكررة بمؤشر كفاءة طبيعي يصل إلى 85% فأعلى، يضاف إلى ذلك التوقيت المنتظم المتوافق مع الساعة البيولوجية، وغياب الاضطرابات المزمنة مثل الشخير الانسدادي أو حركات الأطراف غير الإرادية، لضمان الاستيقاظ بنشاط والاحتفاظ باليقظة طوال النهار.
وفي إطار الاكتشافات العلمية الحديثة خلال العقد الأخير، يبرز دور "الجهاز الليمفاوي" الحيوي، إذ تتسع المسافات بين خلايا الدماغ أثناء النوم العميق بنحو 60%، مما يتيح للسائل الدماغي الشوكي التدفق لغسل الفضلات الاستقلابية، وفي مقدمتها بروتين بيتا-أميلويد المرتبط بمرض الزهايمر. إضافة إلى ذلك، يؤدي النوم دورًا محوريًا في تثبيت الذكريات عبر نقلها بفاعلية من الحصين المسؤول عن الذاكرة المؤقتة إلى القشرة الدماغية المسؤولة عن الذاكرة طويلة المدى.
س2: كيف تؤثر الأجهزة الذكية وضغوط العصر الرقمي على الساعة البيولوجية وجودة النوم؟
يؤثر استخدام الأجهزة قبل النوم سلبًا على راحتنا عبر ثلاث آليات رئيسية؛ أولها الضوء الأزرق المنبعث منها الذي يخدع الدماغ بأن النهار مستمر فيكبت هرمون النوم (الميلاتونين)، وثانيها الإثارة الذهنية الناتجة عن تصفح الأخبار ومواقع التواصل التي تبقي الجهاز العصبي في حالة يقظة، وثالثها إزاحة وقت النوم وقصر مدته نتيجة الانشغال المستمر بالتمرير.
يضاف إلى ذلك ما يعرف باضطراب الرحلات الاجتماعي الناتج عن السهر في عطلة نهاية الأسبوع وتغيير مواعيد الاستيقاظ، مما يربك الساعة البيولوجية ويرتبط بزيادة الوزن واضطراب المزاج، ولتحسين جودة النوم ينصح بإغلاق الشاشات قبل النوم بنصف ساعة إلى ساعة، وإبعاد الهاتف عن غرفة النوم والتعرض لضوء الشمس في الصباح الباكر لتثبيت الساعة البيولوجية.
س3: ما الحد الأدنى لساعات النوم يوميًا، وما أخطار الحرمان منه على المدى القريب والبعيد؟
يحتاج البالغون ممن تتراوح أعمارهم بين 18 و60 عامًا إلى سبع ساعات من النوم على الأقل بانتظام، بناءً على الإجماع المشترك للأكاديمية الأمريكية لطب النوم وجمعية أبحاث النوم.
وعلى المدى القريب، يؤدي نقص النوم إلى تراجع حاد في الانتباه والأداء الذهني يعادل السهر ليلتين كاملتين خلال أسبوعين فقط من النوم لست ساعات، والأخطر أن الإنسان لا يشعر بهذا التراجع المتسارع، كما يتسبب الحرمان من النوم في اضطراب الهرمونات برفع هرمون الجوع وخفض هرمون الشبع، مما يزيد الشهية للسكريات، بالإضافة إلى إضعاف المناعة ليصبح المرء أكثر عرضة للإصابة بنزلات البرد بأربعة أضعاف، إلى جانب سرعة الانفعال وضعف التركيز وارتفاع خطر الحوادث.
أما على المدى البعيد، فيرتبط النوم القصير المزمن بزيادة خطر الوفاة بنحو 12%، إضافة إلى ارتفاع احتمالات الإصابة بالسكري من النوع الثاني، والسمنة، وارتفاع ضغط الدم، وأمراض القلب، والاكتئاب، ومحاولة تعويض النقص عبر النوم طويلًا في عطلة نهاية الأسبوع لا تنجح في إصلاح الضرر الاستقلابي الناتج عن حرمان الجسم من النوم طوال أيام الأسبوع بشكل كامل.
س4: ما أبرز الاضطرابات التي تتصدر المشهد في عيادات النوم اليوم؟
يتصدر المشهد اضطرابان رئيسيان هما انقطاع التنفس الانسدادي أثناء النوم والأرق المزمن، وكثيرًا ما يجتمعان في المريض نفسه. إذ يُقدّر عدد المصابين عالميًا بانقطاع التنفس الانسدادي بنحو 936 مليون بالغ تتراوح أعمارهم بين (30–69 عامًا)، منهم قرابة 425 مليونًا بدرجة متوسطة إلى شديدة تستوجب العلاج. وفي سلطنة عُمان، أظهرت مراجعة لـ608 دراسات نوم في مستشفى جامعة السلطان قابوس أن الانقطاع المتوسط إلى الشديد كان أكثر انتشارًا بين الرجال بنسبة (47.9%) مقارنة بالنساء (33.5%) من المحالين للفحص، وأن السمنة عامل الخطورة الأبرز لدى الرجال والعمر لدى النساء.
بالنسبة للأرق المزمن، يعاني نحو ثلث البالغين من أعراض أرق عابرة، ويستوفي قرابة 10% معايير اضطراب الأرق المزمن، الذي يُعرف بصعوبة في بدء النوم أو استمراره 3 ليالٍ أسبوعيًا لمدة 3 أشهر فأكثر، مع أثر على النهار. ويمكن أن تجتمع الحالتان معًا؛ حيث إن نحو 38% من مرضى انقطاع التنفس يعانون أيضًا أرقًا، ونحو 29% من مرضى الأرق لديهم انقطاع تنفس غير مشخص، وهذا يفرض فحص الاثنين معًا. يضاف إلى ذلك اضطرابات الساعة البيولوجية، خاصة «تأخر طور النوم» بين الشباب والمراهقين بسبب السهر والشاشات، واضطراب العمل بنظام المناوبات، وهناك حالات أقل شيوعًا لكنها مهمة مثل متلازمة تململ الساقين التي تصيب (5–10%) من البالغين بدرجات متفاوتة، والنوم القهري واضطرابات السلوك أثناء النوم كالمشي والكلام أثناء النوم، واضطراب سلوك نوم الأحلام لدى كبار السن الذي قد يسبق مرض باركنسون بسنوات.
س5: إلى أين وصل الطب الحديث في علاج اضطرابات النوم المستعصية؟
نحن نشهد اليوم نقلة نوعية حقيقية، فلأول مرة تظهر علاجات تستهدف السبب البيولوجي للمرض لا أعراضه فقط. ففي مجال انقطاع التنفس الانسدادي، يُستخدم جهاز CPAP الذكي الذي يضبط الضغط تلقائيًا ويرسل بيانات الاستخدام للطبيب عن بُعد للمتابعة بفضل أقنعة أخف وأكثر راحة، وهو العلاج الأول للحالات المتوسطة والشديدة. كما ظهر دواء تيرزيباتيد كأول دواء معتمد لعلاج انقطاع التنفس المتوسط إلى الشديد لدى مرضى السمنة بعد أن خفض نوبات انقطاع التنفس، ودواء AD109 (أروكسيبوتينين مع أتوموكسيتين) الذي ينشط عضلات مجرى الهواء العلوي أثناء النوم، إضافة إلى تقنية زراعة جهاز تحفيز العصب تحت اللسان الذي يشبه منظم ضربات القلب ليحرك اللسان للأمام مع كل نفس.
أما بالنسبة للأرق، فقد ظهرت مضادات مستقبلات الأوريكسين التي تطفئ إشارة اليقظة بدلًا من «تخدير» الدماغ كما تفعل المنومات القديمة، فيقل التعود والنعاس الصباحي، إلى جانب التطبيقات المعتمدة علاجيًا التي تقدم برنامج العلاج السلوكي المعرفي كاملًا عن بُعد وتوسع نطاق الوصول إليه. وفي مرض النوم القهري، يُستخدم دواء أوفيبوريكستون كأول علاج يعيد تنشيط مستقبلات الأوريكسين المفقود لدى مرضى النوم القهري من النوع الأول، فيعالج المرض ككل لا كأعراض منفصلة.
س6: ما أبرز المؤشرات البحثية التي تربط قلة النوم بالأمراض المزمنة، وما أثرها على الإنتاجية بالأرقام؟
تعد قلة النوم اليوم عامل خطورة مستقلًا للأمراض المزمنة تمامًا كقلة الحركة وسوء التغذية؛ إذ أدى تقييد النوم إلى 4 ساعات لستة أيام فقط إلى تباطؤ تخلص الجسم من السكر بنحو 40% ليصبح أداء الشباب الأصحاء مشابهًا لنشاط مرحلة ما قبل السكري. وفي تحليل تجميعي، ارتفع خطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني بنسبة 28% مع النوم القصير، و84% مع صعوبة الاستمرار في النوم. ويتضاعف خطر الإصابة بارتفاع ضغط الدم مرتين تقريبًا لدى من ينامون 5 ساعات أو أقل في منتصف العمر، حيث ينخفض الضغط عادة أثناء النوم الطبيعي بمقدار 10–20%، وغياب هذا الانخفاض يرهق الأوعية الدموية. كما يرتبط النوم القصير بزيادة خطر أمراض شرايين القلب بنحو 48% والجلطة الدماغية بنحو 15%، ويرفع خطر السمنة بنحو 55% لدى البالغين و89% لدى الأطفال عبر اختلال هرمونات الجوع والشبع.
أما عن الأثر على الإنتاجية، فقد قدرت دراسة لمؤسسة RAND شملت 5 دول أن قلة النوم تفقد الاقتصاد مليارات الدولارات سنويًا بسبب الغياب عن العمل والحضور غير المنتج وارتفاع الوفيات، وأن الموظف الذي ينام أقل من 6 ساعات يواجه خطرًا أعلى للوفاة بنحو 13% مقارنة بمن ينام 7–9 ساعات. وخلصت الدراسة إلى أن رفع مدة نوم من ينامون أقل من 6 ساعات إلى 6–7 ساعات فقط قد يضيف للاقتصاد الأمريكي نحو 226 مليار دولار سنويًا. وتبقى التقديرات الاقتصادية المماثلة لسلطنة عُمان ودول الخليج محدودة، وهي فجوة بحثية تستحق الاهتمام.
س7: ما الأعراض الخفية لانقطاع التنفس النومي، ومن الفئات الأكثر عرضة؟
تكمن خطورة هذا المرض في أن معظم أعراضه تحدث والمريض نائم، لذلك يبقى نحو 80% من الحالات المتوسطة والشديدة دون تشخيص، وغالبًا ما يكون الشريك أو أحد أفراد الأسرة هو أول من يلاحظ المشكلة. وتشمل الأعراض الليلية الشخير العالي والمتقطع، وتوقف التنفس الذي يلاحظه الآخرون ثم الشهقة أو الاختناق، والاستيقاظ المتكرر للتبول ليلًا (وهي من أكثر العلامات إغفالًا)، والتعرق الليلي، وارتجاع المريء. أما الأعراض النهارية الخفية فتأتي على شكل صداع صباحي، وجفاف الفم، والاستيقاظ دون انتعاش رغم ساعات النوم الكافية، والنعاس أثناء القراءة أو القيادة أو الاجتماعات، وضعف التركيز والذاكرة، وسرعة الانفعال وتقلب المزاج، وضعف الرغبة الجنسية، وضغط دم يصعب ضبطه رغم الأدوية. وتظهر الأعراض لدى النساء بصورة مختلفة تتمثل في الأرق والتعب والاكتئاب والصداع أكثر من الشخير الصريح، فيُشخَّصن متأخرات؛ بينما تظهر لدى الأطفال على شكل شخير، وتنفس من الفم، وتبول لا إرادي، وفرط حركة وتراجع دراسي، وغالبًا ما تكون بسبب تضخم اللوزتين واللحمية.
وتضم الفئات الأكثر عرضة أصحاب السمنة، حيث إن زيادة الوزن بنسبة 10% ترفع خطر الانقطاع المتوسط إلى الشديد نحو 6 أضعاف، ومرضى ضغط الدم المقاوم للعلاج حيث تصل النسبة بينهم إلى 83%، إلى جانب المصابين بالرجفان الأذيني، وفشل القلب، والجلطات الدماغية، والسكري من النوع الثاني، ومن لديهم صغر أو تراجع في الفك السفلي، أو تضخم اللوزتين، أو احتقان الأنف المزمن، فضلًا عن المدخنين، ومن يتناولون الكحول أو المهدئات قبل النوم، والحوامل، ومرضى قصور الغدة الدرقية وتكيس المبايض.
س8: ما التقنيات الحديثة في مختبرات النوم، وهل تكفي الأجهزة المنزلية لجميع الحالات؟
يبقى تخطيط النوم الشامل في المختبر هو المعيار الذهبي للتشخيص، حيث يقضي المريض ليلة في غرفة مهيأة يسجل فيها في الوقت نفسه نشاط الدماغ الكهربائي لتحديد مراحل النوم، وحركة العينين، ونشاط عضلات الذقن والساقين، وتخطيط القلب، وتدفق الهواء من الأنف والفم، وحركة الصدر والبطن، ونسبة الأكسجين في الدم، والشخير، ووضعية الجسم، مع تصوير فيديو متزامن.
وفي المقابل، لا تكفي الأجهزة المنزلية لكل الحالات؛ حيث توصي الأكاديمية الأمريكية لطب النوم بفحص النوم المنزلي فقط للبالغين الذين لديهم احتمالية عالية لانقطاع التنفس الانسدادي المتوسط إلى الشديد ودون أمراض مصاحبة معقدة. وبناءً عليه، لا يناسب هذا الفحص المنزلي مرضى فشل القلب أو الرئة المزمن المتقدم، وأمراض الأعصاب والعضلات، ومن يستخدمون المسكنات الأفيونية، أو عند الاشتباه بانقطاع التنفس المركزي أو نقص التهوية، أو الاشتباه باضطرابات نوم أخرى، إضافة إلى الأطفال، كما أن الجهاز المنزلي يمكن أن يقلل تقدير شدة المرض لأنه لا يقيس النوم الفعلي، لذا فإن النتيجة السلبية مع استمرار الأعراض تستوجب إجراء دراسة شاملة في المختبر.
س9: كيف يغذي القلق والاكتئاب اضطرابات النوم، وكيف يدهور سوء النوم الاستقرار النفسي؟
تعتبر العلاقة بين الجانب النفسي والنوم ثنائية الاتجاه بشكل واضح، إذ يغذي كل طرف الآخر في حلقة مفرغة. فمن الناحية النفسية التي تؤثر على النوم، يُبقي القلق الجهاز العصبي في حالة «تأهب»، فيرتفع الكورتيزول ليلًا ويتسارع التفكير والاجترار عند الاستلقاء، مما يصعب الدخول في النوم. أما الاكتئاب فيخل بتنظيم نوم الأحلام ويرتبط عادة بالاستيقاظ المبكر جدًا وعدم القدرة على العودة للنوم، حيث يعاني نحو 3 من كل 4 مرضى اكتئاب من الأرق.
وعلى الجانب الآخر المتصل بتأثير النوم على النفس، فإن ليلة واحدة دون نوم ترفع استجابة «اللوزة الدماغية»، وهي مركز الخوف والانفعال، للمؤثرات السلبية بنحو 60%، مع ضعف تحكم القشرة الجبهية بها، فيصبح الإنسان أسرع انفعالًا وأقل قدرة على ضبط مشاعره. وعلى المدى البعيد، يضاعف الأرق المزمن خطر الإصابة بالاكتئاب بنحو مرتين، ويرفع خطر اضطرابات القلق نحو 3 أضعاف، وقد يثير نوبات الهوس لدى مرضى الاضطراب ثنائي القطب. وفي دراسة عُمانية حديثة لانقطاع التنفس النومي شملت 108 مرضى بمستشفى المسرة، ظهرت أعراض اكتئاب لدى 22.2% وأعراض قلق لدى 17.6% من المرضى، وقد ثبت أن العلاج بجهاز CPAP يحسن المزاج لدى كثير منهم.
س10: كيف يؤثر اضطراب النوم المزمن على التركيز والذاكرة والسلامة العامة؟
تعد القشرة الجبهية الأمامية المسؤولة عن التخطيط واتخاذ القرار وضبط الانفعال أكثر مناطق الدماغ تأثرًا بقلة النوم. فمن حيث التركيز، يتراجع الانتباه المستمر وتظهر «غفوات دقيقة» تستمر من ثانية إلى عدة ثوانٍ دون أن يشعر بها الشخص. وفيما يخص الذاكرة، تضعف القدرة على تثبيت ما تعلمه الإنسان في اليوم السابق وتتراجع القدرة على تخزين معلومات جديدة بنحو 40% بعد ليلة دون نوم، فضلًا عن ازدياد الاندفاع والميل للمخاطرة وضعف المرونة الذهنية والقدرة على تقدير العواقب. بالإضافة إلى ذلك، فإن السهر يشبه حالة السكر من حيث التأثير، إذ إن البقاء مستيقظًا لمدة 17 إلى 19 ساعة متواصلة يضعف الأداء بدرجة تعادل تركيز كحول في الدم بنسبة 0.05%، وبعد ساعات أطول يعادل 0.1%، وهو مستوى يتجاوز الحد القانوني في معظم دول العالم.
س11: لماذا تنتشر مشاكل النوم بين العاملين بالمناوبات الليلية والأمهات الحديثات؟
هناك تفسير طبي واضح لكل فئة؛ فبالنسبة للعاملين بنظام المناوبات، تكمن المشكلة الأساسية في العمل ضد الساعة البيولوجية، فالجسم مبرمج على اليقظة نهارًا والنوم ليلًا، ولذا يكون النوم النهاري بعد المناوبة أقصر بساعة إلى 4 ساعات وأقل جودة. ويصاب نحو 10–38% من عمال المناوبات بـ«اضطراب العمل بالمناوبات»، وهو أرق ونعاس مفرط مرتبطان بجدول العمل، ويرتبط هذا النمط على المدى البعيد بالسمنة والسكري وأمراض القلب. أما بالنسبة للأمهات الحديثات، فيتقطع نومهن بسبب استيقاظ الطفل المتكرر، إضافة إلى التغيرات الهرمونية الحادة بعد الولادة. وقد أظهرت دراسة ألمانية أن رضا الأمهات عن نومهن ومدته يتراجعان بشدة في الأشهر الثلاثة الأولى، ولا يعودان إلى مستواهما قبل الحمل حتى بعد 4 إلى 6 سنوات، كما أن الأرق الشديد بعد الولادة قد يكون علامة مبكرة لاكتئاب ما بعد الولادة.
س12: ما المخاطر الصحية للجوء إلى المنومات أو المكملات العشبية دون استشارة طبية؟
إن المنوم يعالج العرض لا السبب، وقد يخفي مرضًا كامنًا مثل انقطاع التنفس أو الاكتئاب، لذلك تضع الإرشادات الدولية العلاج السلوكي المعرفي للأرق خيارًا أول، وتحصر الأدوية في الاستخدام قصير المدى وتحت إشراف طبي؛ وإذا استمر الأرق أكثر من بضعة أسابيع فالحل هو التشخيص الدقيق لا علبة الحبوب، علمًا بأن الأدوية الأحدث والأكثر أمانًا نسبيًا تُصرف تحت إشراف طبي. وتتجلى مخاطر المنومات التقليدية في إحداث النعاس والدوخة والتعود والحاجة لجرعات أعلى متزايدة، بينما تسبب مضادات الهيستامين المنومة المتاحة دون وصفة جفاف الفم واحتباس البول والتشوش لدى كبار السن، وقد ارتبط استخدامها التراكمي طويل المدى بزيادة خطر الخرف ولا توصي الإرشادات بها للأرق المزمن.
وفي المقابل، يعتبر الميلاتونين مفيدًا لاضطرابات الساعة البيولوجية واضطراب السفر، لكن أثره على الأرق المزمن محدود للغاية، أما المكملات العشبية فغالبًا ما تكون فعاليتها ضعيفة، وبعضها قد يسبب ضررًا بالغًا للكبد (مثل الكافا)، أو يتداخل بشكل خطير مع أدوية القلب والسيولة ومضادات الاكتئاب.
س13: ما المعنى الحقيقي لـ«النظافة النومية»، وهل تغني الخطوات السلوكية عن الدواء في الحالات المتوسطة؟
تعرف النظافة النومية بأنها مجموعة من العادات اليومية والظروف البيئية التي تهيئ الجسم للنوم الطبيعي. وتتلخص أبرز هذه العادات في تحديد مواعيد ثابتة للنوم والاستيقاظ يوميًا حتى في الإجازات، علمًا بأن موعد الاستيقاظ أهم من موعد النوم، والتعرض لضوء الشمس صباحًا لمدة 15 إلى 30 دقيقة مع اعتماد إضاءة خافتة مساءً، والامتناع عن تناول القهوة والشاي ومشروبات الطاقة بعد الظهر نظرًا لأن نصف الكافيين يبقى في الجسم لـ5 إلى 6 ساعات، بالإضافة إلى تناول وجبة عشاء خفيفة قبل النوم بساعتين إلى ثلاث، وتجنب التدخين والكحول، وأهمية ممارسة الرياضة بانتظام.
س14: متى يجب دق ناقوس الخطر وزيارة الطبيب فورًا؟
إذا أثرت مشكلة النوم على نهارك، أو استمرت أكثر من 3 أشهر، أو لاحظها من حولك، فقد تجاوزت مرحلة التعب العابر وأصبحت تستدعي التقييم الطبي. وتتشكل أبرز العلامات في النعاس أثناء القيادة أو الغفو دون قصد في الاجتماعات أو أثناء الحديث، وهي أخطر العلامات وتستدعي التقييم العاجل والتوقف عن القيادة لمسافات طويلة حتى التشخيص، إضافة إلى الشخير العالي المصاحب لتوقف التنفس أو الاستيقاظ مع شعور بالاختناق، والأرق المستمر لـ3 ليالٍ أسبوعيًا لأكثر من 3 أشهر رغم الالتزام بالعادات الصحية، والاعتماد المنتظم على المنومات أو المكملات للتمكن من النوم.
كما تشمل العلامات الاستثنائية حدوث ضعف عضلي مفاجئ عند الضحك أو الانفعال، أو شلل مؤقت عند الاستيقاظ مصحوب بهلاوس، وهي من علامات النوم القهري، أو القيام بحركات عنيفة وتمثيل الأحلام أثناء النوم كالركل واللكم والصراخ، خاصة بعد سن الخمسين، ورغبة ملحة في تحريك الساقين مساءً تمنع النوم. وعند الأطفال تظهر الخطورة في الشخير المستمر، أو التنفس من الفم، أو التبول اللاإرادي الجديد، أو فرط الحركة والتراجع الدراسي، وكذلك عند اقتران مشاكل النوم بأمراض مزمنة كضغط الدم العصي على الضبط، والرجفان الأذيني، وفشل القلب، والسكري، والسمنة المفرطة.
وفي الختام، أود أن أقول إن النوم ليس رفاهية ولا وقتًا ضائعًا، بل هو استثمار يومي مباشر في الصحة الجسدية والنفسية والإنتاجية، ومعظم اضطراباته قابلة للتشخيص والعلاج بنجاح متى ما طلب المريض المساعدة المختصة في الوقت المناسب.
