كيف يمكن لأوروبا التخلص من اعتمادها على الديزل المستورد
نوح جوردون وأليكس تيرنبول- المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية
ترجمة - قاسم مكي
يجب أن يهدف الاتحاد الأوروبي إلى سحب مليون شاحنة ديزل صغيرة إضافية من الطُرُق في الخمس سنوات القادمة. قيامه بذلك لن يساعد فقط في مقابلة أهداف حماية المناخ والتخلص من تلوث الهواء ولكنه أيضا يقلل من اعتماد الكتلة الأوروبية على استيراد النفط الخام المطلوب لإنتاج الديزل.
وعلى الرغم من أن أكثر من 90% من الديزل في الاتحاد الأوروبي يأتي من مصافي بلدانه إلا أن كل النفط الخام الذي يُكرَّر منه تقريبا مستورد.
اتضحت الكلفة الجيوسياسية لهذا الاعتماد على الديزل في الأسابيع الأخيرة. فإدارة ترامب ضغطت على الأوروبيين للإفراج عن مخزوناتهم الاحتياطية من الديزل أو حرمانهم من الحصول على الديزل الأمريكي. كما رفعت واشنطن بعض العقوبات عن الديزل الروسي. وروسيا في العادة هي ثاني أكبر بلد مصدِّر للديزل عندما لا تقصف أوكرانيا مصافيها.
هنالك تكلفة مالية للحكومات أيضا. فالبلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي كإسبانيا وألمانيا خفضت الضرائب على الديزل وسط أزمة الطاقة في هذا العام. وحرمت نفسها بذلك من إيراد مهم.
لم يعالج الأوروبيون هذا الاعتماد على الديزل العالمي وتركوه يستمر. فعلى الرغم من الأهداف المناخية الموضوعة والأحاديث الكثيرة عن الاستقلال الجيوسياسي إلا أن استهلاك الديزل في الاتحاد الأوروبي ليس أقل اليوم عن مستواه في عام 2007. والشاحنات الصغيرة المغلقة في أوروبا التي يبلغ عددها 31 مليون شاحنة تمثل جزءا كبيرا من المشكلة. فهي تشكل حوالي 10% من إجمالي أسطول المركبات لكنها تستخدم 16% من الديزل.
كيف يمكن للاتحاد الأوروبي حرق كميات أقل من الديزل؟ هنالك اتجاه الى شراء الشاحنات الصغيرة المغلقة التي تدار بواسطة المحركات الكهربائية. فحوالي 13% من هذا النوع من الشاحنات الجديدة التي بيعت في عام 2026 كانت كهربائية وذلك ارتفاعا من 6% في عام 2024.
مع ارتفاع أسعار الديزل في عام 2026 قال أحد مسئولي شركة فولفو للفاينانشال تايمز إنه يعتقد أن "هذه هي نهاية الديزل." أسَّس ذلك على مبيعات السيارات الجديدة في أوروبا.
تدفع سياسة الاتحاد الأوروبي بتلك الحصة من المبيعات إلى أعلى باقتراحه خفض انبعاثات ثاني أكسيد من عوادم الشاحنات الصغيرة الجديدة بنسبة 90% بحلول عام 2035 مقارنة بمستوياتها في عام 2021.
الى ذلك، ستستوجب "لائحة مركبات الشركات النظيفة" المقترحة أن تكون هنالك حصة معينة "صفرية الانبعاثات" من الشاحنات الصغيرة المغلقة والمركبات التي تسجلها الشركات الكبيرة بحلول عام 2030. حاليا، حوالي 90% من هذه الشاحنات المسجلة في بلدان الاتحاد الأوروبي تابعة للشركات.
تعني هذه الإجراءات الى جانب التحسينات المستمرة في تقنية البطاريات أن الأوروبيين يتجهون باطراد إلى الشاحنات الصغيرة الكهربائية.
لكن التقدم في هذا المجال بالغ البطء. فالشاحنة الصغيرة المغلقة التي تجوب الشوارع في الاتحاد الأوروبي يصل عمرها في المتوسط قريبا من 13 عاما. ويرمز استمرار محركات الديزل الملوثة الى الفشل العام في تنفيذ السياسة المناخية. لقد أضاف العالم أعدادا ضخمة من التقنيات النظيفة دون أن يقلص حتى الآن الانبعاثات من المحركات الحالية والآليات الأخرى.
يحتاج واضعو السياسات الأوروبيون الى برنامج يستهدف بشكل مباشر إحلال الوقود الأحفوري وليس فقط إضافة الطاقة النظيفة. ويمكن أن يتولى برنامج يهدف الى استبدال السيارات بهذه المهمة. فملاك الشاحنات الصغيرة المغلقة في أوروبا والذين يستبدلون طرازا قديما (شاحنة تستوفي معيار خفض الانبعاثات "يورو 5" أو معيار سابق له ومسجلة مثلا قبل سبتمبر 2016) يجب ان يحصلوا على خصم ضريبي يمكن الاستفادة منه في شراء الشاحنات الكهربائية الجديدة في الاتحاد الأوروبي أو بلد شريك مؤهل كبريطانيا.
في الحقيقة إذا أجيز مشروع "قانون التسريع الصناعي" حسب صيغته المقترحة سيفرض على البلدان الأعضاء عموما حصر الدعومات الحكومية على السيارات التي تستوفي معيار "صنع في أوروبا."
يمكن للحكومات الوطنية في الاتحاد الأوروبي إدارة البرنامج بتمويل محلي واستخدام دعم الاتحاد مثلا من خلال"صندوق المناخ الاجتماعي" متى كان ذلك ممكنا.
استحدثت الدول الأعضاء برامج استبدال شبيهة من قبل. فبعد الأزمة المالية في عام 2009 استخدمتها البلدان أساسا كإجراءات تحفيزية وفي بعض الحالات دون وضع قيود على السيارات الجديدة التي يتم شراؤها.
طبقت فرنسا برنامج خاص بإلغاء تسجيل السيارات لغير الأثرياء في الفترة من 2015 الى 2024. لكنه سمح بأن يكون البديل سيارة مستخدمة أو بمحرك احتراق داخلي. وخصصت إيطاليا حوالي 600 مليون يورو لمنحة سيارة كهربائية مربوطة بالتخلص من سيارة الاحتراق الداخلي القديمة في عام 2025. حظي ذلك البرنامج بإقبال واسع حيث تم الاشتراك فيه بالكامل تقريبا خلال 24 ساعة.
مثل هذه البرامج لها عيوبها. فهي قد تعجِّل بمشتريات كانت ستحدث لاحقا على أية حال. أو أن الدعم قد يذهب الى من هم أكثر ثراء وفي مقدورهم أصلا شراء سيارة كهربائية جديدة. كما تنطوي هذه الأنواع من البرامج على تكلفة عالية مقابل كل طن ثاني أكسيد كربون لا يطلق في الهواء.
إنها برامج باهظة التكلفة كسياسة مناخية خالصة ويجب أن تصاحبها سياسات مثل تسعير الكربون ومعايير انبعاثات أساطيل السيارات والاستثمار في النقل العام وليس في أي نوع من المركبات الخاصة.
مع ذلك، من الدروس التي تعلمها الإتحاد الأوروبي في السنوات الأخيرة أن فعالية السياسة المناخية ليست الاعتبار الوحيد. لقد قرر الاتحاد عن حق ألا يعتمد في الانتقال الى الطاقة المتجددة حصريا على أرخص تقنيات ممكنة كتوربينات الرياح أو السيارات الكهربائية الصينية وذلك على حساب الإضرار بصناعاته هو نفسه وخسارة التأييد السياسي لأي انتقال على الإطلاق.
سيكون التعزيز الفوري للطلب على المركبات المصنوعة في الاتحاد الأوروبي مرحَّبا به في وقت يشهد ضغوطا كبيرة على صناعة السيارات في بلدانه وتحتاج الى المزيد من الطلب والحماية الجمركية أيضا.
يمكن أن يؤمِّن برنامج إلغاء تسجيل الشاحنات الصغيرة المغلقة الطلبَ على السيارات نفسها. كما يمكن أن يفعل نفس الشيء للبطاريات التي تزود محركات هذه الشاحنات بالوقود. وإذا قُرِن هذا البرنامج بدعم التوريد قد يشجع على الاستثمار في الحلقات الضعيفة بسلاسل التوريد الأوروبية. من بين هذه الحلقات الضعيفة المكونات الكيماوية المستخدمة في تصنيع أقطاب فوسفات الحديد الموجبة في بطاريات الليثيوم والجرافيت المعالَج الذي يستخدم في الأقطاب السالبة للبطاريات.
هنالك فوائد سياسية أيضا. فالبرنامج الذي يركز على الشاحنات الصغيرة المغلقة غالبا ما يقنع الناخبين المتشككين في قيمة التحول الى الطاقة الخضراء.
ويمكن أن يكون مكملا لبرامج أخرى مثل خطة التأجير الاجتماعي الفرنسية التي تتيح للأسر ذات الدخل المحدود فرصة قيادة سيارة كهربائية لا تستطيع دفع مقَدّم تكلفتها. يعني ذلك استهداف أولئك الذين كثيرا ما تتجاهلهم السياسة المناخية.
ما هو أكثر من ذلك غالبا ما تكون هذه الشاحنات الصغيرة ضرورية لمالكيها الذين قد يقودونها لمئات الكيلومترات في اليوم لتوصيل بضائع وأغراض تجارية. وبالتالي يشعر هؤلاء بأثر أسعار الديزل المرتفعة.
تسحب أوروبا من الطرق أو تصدر حوالي مليون شاحنة صغيرة مغلقة من كل الأعمار (سنوات الصنع) والأنواع في كل عام. لذلك إذا تحقق هدف سحب مليون شاحنة صغيرة خلال خمس سنوات سيمثل ذلك تسريعا بنسبة 20% لإلغاء تسجيل هذه المركبات التي تستخدم الوقود الأحفوري. وستكون المركبات الأقدم والأكثر تلويثا للهواء هي التي تخرج من أسطول السيارات.
سيكلف برنامج الخصم الضريبي بليون يورو سنويا لمدة خمس سنوات إذا كان يخصص لكل سيارة تم التخلص منها 5000 يورو. وهذا المبلغ كاف للتقليل بقدر مهم من تكلفة شاحنة مغلقة أصغر مصنَّعة في الاتحاد الأوروبي والتي يبلغ سعرها على الأقل 20000 يورو. كما يمكنه، وهذا أكثر أهمية، تغطية تكلفة الدفعة الأولى للحصول على العديد من عقود تشغيل الشاحنات الصغيرة المغلقة.
إذا كانت هنالك أقل دفع مقدَّم للتحول إلى مركبة بتكاليف وقود أقل بقدر كبير سيتجه أوروبيون عديدون الى شراء سيارات كهربائية.
لا يلزم أن يأتي التمويل من وعاء موازنة موحّد أو حتى من الاتحاد الأوروبي. فهو يمكن أن يأتي من تجميع مشاريع تمويل وطنية. فالتكلفة التي تصل الى بليون يورو لن تبدو باهظة عند مقارنتها بحوالي 203 مليون يورو يمثل المبلغ الإضافي الذي ينفقه الأوروبيون على وقود الديزل في كل يوم منذ هجوم الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في فبراير.
المركبات القديمة والملوثة للهواء والتي لازالت تجوب شوارع أوروبا مسئولة (جزئيا) عن اعتماد القارة على استيراد الوقود الأحفوري من شركاء تجاريين كأمريكا والسعودية والهند. وهي بلدان إمداداتها إما غير مضمونة أو يمكن أن توقفها الحرب.
هذا متغيِّر (اقتصادي وجيوسياسي) يمكن أن يؤثر فيه الاتحاد الأوروبي بشكل مباشر. وعلى الاتحاد الاستثمار الآن لخفض اعتماد أوروبا على السوق العالمية للديزل.
