الشاعرة السورية فائزة القادري: القصيدة لم تتخلّ عن دورها في التّعبير عن تحوّلات المجتمع العربي سياسيًّا وثقافيًّا
القاهرة "د.ب.أ": قالت الشاعرة السورية فائزة القادري، إن القصيدة لم تتخلّ عن دورها في التّعبير عن تحوّلات المجتمع العربي سياسيًّا وثقافيًّا، وكانت حاضرة في كل زمن وفي كل حادثة؛ في بيئة الهزيمة وبيئة النّصر، في تخليد مواطن المقاومة، وفي توصيف الجبن والخذلان.
وكانت إلى جانب التمرّد على الفساد السياسي والاجتماعي، وأثبتت وجودها في الانتصار للحقيقة والحقّ بما يحملانه من ديناميكيّة.
وأضافت القادري أن "القصيدة ترنّحت بين أدوار كثيرة" دور المتخاذل عن تغيير الواقع والإشارة إلى خلله، ودور المتقنّع برموزه وأفكاره، ودور الصّريح الجريء المقدام.
واعتبرت أن القصيدة نجحت أحيانًا، وفشلت أحيانًا أخرى، في أن تكون المعبّر واللسان الناطق عن جمهورها، وذلك لأسباب كثيرة، أهمّها الفجوة المتّسعة بين الشّاعر والجمهور، والتي خلقتها التعقيدات السياسيّة والثّقافية والحروب واللا أمان واللا استقرار وضغوط الخوف والتّمييع المُمارَسة على القصيدة.
وحول مدي تغيّر وظيفة القصيدة الآن عنها في الماضي، تقول فائزة القادري إنه بما أن الوظيفة الأساسيّة للقصيدة هي التّعبير الفنّي عن المشاعر الإنسانيّة، ونقل الأفكار والقيم الثقافيّة، وتوثيق التّجارب التاريخيّة والوجدانيّة بأسلوب يجمع بين الإيقاع والخيال للتّأثير في وجدان المتلقّي، فمن الطّبيعي أن تتغيّر تلك الوظائف وتتبدّل تبعًا لتغيّر الزمن وتقلّبات قيمه، مشيرة إلى أن القصيدة ستتكيّف مع الحاضر وأهوائه وشكله، وذلك بنسبة معيّنة، وتتغيّر وظيفة القصيدة بتغيّر الأغراض الشّعرية، وتتغيّر الأغراض بتغيّر الزمن والبيئة، والقيم، والمفاهيم الأخلاقيّة، والجماليّة.
وأضافت أن القصيدة التي كانت تبثّ الحماسة، ويتوهّج فيها الغزل، وتجوب الصّحارى، وتمجّد طقوس البداوة، وتنتهج الفخر، وتسلك المديح أو الهجاء، وغير ذلك من الأغراض، ستكون اليوم في مكان آخر وفي هيئة أخرى ولأجل أهداف أخرى.
وأوضحت أن التغيّر حاصل وغير حاصل، فبينما يوقف الكثير من الشّعراء قصائدهم في حلبات الماضي، يعدو الكثير منهم إلى الأمام المتسارع، وتؤدّي قصائدهم وظائف متقدّمة الوعي بالماضي والحاضر أيضًا، وربما في تنبّؤات المستقبل. هذه القصائد تحيط بهواجس النّفس البشرية وتواكب تغيّرات العصر.
ورأت أن وظيفة القصيدة في تغيّر مستمر، ولا تقف عند حدّ معيّن، وتختلف بشكل كبير عمّا هي عليه في الماضي.
وعن رؤيتها عن الأسئلة التي تجيب عنها القصيدة الآن قالت الشاعرة فائزة القادري إن النّص يقدّم معارفه المتشابكة: النّفسية والعلميّة والتّاريخية والفلسفيّة والجغرافيّة، والذّاتية والمجتمعيّة والإنسانيّة، وتجاربَه البشريّة لا تُستثنى منها الأساطير والملاحم والرّوايات المرويّة أو المسكوت عنها، بصيغة شاعريّة خلّاقة تستفزّ القارئ المتلقّي، وتقاس بمدى ما تثير لديه من أحاسيس وما تتركه من أثر.
وتابعت أنه إذا كان السّؤال خاصًّا بــ"الآن"، فقد تكون محاولة العثور على نصّ يستهدف المتلقّي مهمّة شاقّة؛ فالكتابة للكتابة والاستعراض أمران شائعان، بالإضافة إلى تفسّخ العلاقة بين أطراف المعادلة الشّعرية، ما أضعف الارتباط المرتجى.
وبيّنت أنه نظراً لأهمية وتنوّع الأسئلة المعرفيّة والفلسفيّة والوجوديّة، ولتشظّي الأسئلة الذاتيّة، وأسئلة الهويّة والقلق والاغتراب التي تعتري الحياة، كان يجب على النّص أن يكون كفؤًا لها، ومتصدّيًا لحجمها، بل عليه أن يكون صائغًا للأسئلة والأجوبة على حدّ سواء، وأن يشكّل تجربته من كليهما، وأن يقدّمهما على مائدته؛ وجبةً شهيّة، لا بائتة ولا فاسدة.
ولفتت إلى أن القصيدة الآن تتحرّى الأسئلة الأكثر التصاقًا والأشدّ إلحاحًا واشتعالًا في وجدان المتلقّي لتجيب عنها. هي تشارك المتلقّي في إتمام معناها وصياغة إجاباتها وتدوير أسئلتها، وهي تجيب عن أسئلة متوقّعة لدى القارئ المتلقّي.
وعلّقت القادري على ما يُثار عن جود أزمة بين النص والمتلقي، مؤكدة على أن هناك أزمة، وأن تلك الأزمة لها عدة أسباب منها أن يكتفي النّص بذاته ولا يعتمد على المتلقّي في إتمامه.
فهناك نصّ غامض أو غير مفهوم، وهناك نصّ ضعيف لا يرتقي إلى توقّعات المتلقّي، وهناك نص يتعثّر في طريقه إليه، وهناك نصّ منفلت من المعجم البيئي الواقعي، وهناك نصّ لا يضبط شكله، قِصرًا، أو طولًا، أو حشوًا أو تفككًا، وهناك نصّ مستهلَك، مجترّ، مكرور.
وبالمقابل، وبحسب قولها، هناك متلقّ ضعيف لا يستطيع خلع المعنى على النّص، فلا يضيف إليه شيئًا من روحه، ومعارفه، وقراءاته، وخبراته. وهناك متلقٍّ شديد الحساسيّة، أو متعالٍ، أو مهمل.
وشدّدت على أن الأزمة بشكل عام تتمثّل في فقدان الثّقة بين النّص والمتلقّي، بحيث لا يقدّم أحدهما للآخر فرصة الإبداع؛ حيث من المفترض أن يملأ المتلقّي النّصوص بخبراته وتوقّعاته، لكنها خالية من الفراغات تلك، فتفشل إمكانية تبادل الأثر.
وحول رؤيتها لأبرز الأنساق الثقافيّة التي تنعكس على القصيدة العربية المعاصرة، قالت الشاعرة السورية فائزة القادري، إن القصيدة العربيّة المعاصرة انعكاس ثقافيّ لواقعها وبيئتها وبنيتها التّحتية العميقة، لذلك فهي تعكس أنساقًا ثقافيّة عديدة.
هي تضمر ما تضمر من أسئلة الذّات والوجوديّة والهويّة، وتعكس ألم المنافي والاغتراب والمقاومة، وتدخل بجرأة إلى مضامير الفكر المشكّك، المستفسر، النّابش للحقائق، مشيرة إلى أنها تعيد تدوير الأنساق الثقافيّة القديمة وتستثمر رموزها وعلاماتها لتخيط لنفسها ثوبًا جديدًا لائقًا بثورة عصريّة انقلبت على كل المفاهيم؛ قصيدة ناقدة ماهرة تكتشف بؤر الخلل في الواقع بكل آفاقه.
ونوّهت إلى أن القصيدة هي مرآة العصر المتعرّض لعاصفة رقميّة ومتغيّرات متسارعة ومفاهيم متناقضة.
وتحدّثت القادري عن الحداثة، ورأت أنها فكّكت بنية القصيدة المعاصرة، وشجّعت كل من يحمل مشروعًا شعريًّا على أن يدلو بدلوه، ويمتح نصّه الشعريّ، ويواجه به كل إنكار، واصفة الحداثة أنها حرّية ضمن ضوابط لا تزال قيد البحث والتّأطير والاعتراف أو عدم الاعتراف بها.
وعن حضور التراث والحداثة في النّص الشّعري المعاصر، قالت إنه بين الأصالة والتّجديد، وبين التّراث والحداثة، مساحة إبداعية باهرة، يشترك فيها هذان العنصران في خلق الدّهشة، وإثراء الخيال، وبكثافة الرموز وطرق الوصول إلى المتلقّي.
واعتبرت أن الإبداع هو ألّا تنفصل القصيدة عن ماضيها وواقعها، وأن تستفيد من ميزات كل منهما.
ورأت أن التراث سيخلع على النّصوص بلاغته ورصانته وجزالته، وسيفتح لها كنزه المكتظّ بالملاحم والأساطير، والرّموز الدّينية، والتّراثية، والخياليّة. وأن التّجديد سيكسب النّصوص انفتاحًا على الأفكار والثّقافات المختلفة، وسيحدّث لغةً بيضاء للتواصل مع المتلقّي. هذا التّشابك هو لصالح القصيدة، وسيخلق مواءمة فلسفيّة، ولغوية، وفكريّة، وإبداعيّة.
وأشارت إلى أن القصيدة المعاصرة تحاول التّخفّف من آثار الأيديولوجيا التي كانت تحكم أجيالًا من النّصوص الشّعرية، وأن ما تفعله القصائد هو التحرّر من الأيديولوجيا، ومن قبضتها المحكمة ومن أنساقها المضمرة، معبرة عن إيمانها بأن النّقد لن ينتهي ولن تخبو شعلته ما دام هناك نصوص شعريّة تتوالد وتتكاثر وتفرض نفسها على الذّائقة.
يُذكر أن فائزة القادري شاعرة سورية، رافقها الشّعر منذ الصغر، وكان جزءًاً حقيقيًّاً من تكوينها وحياتها، تكتب الشّعر، والقصّة، والمقال، والسّرديات، والدّراسات النقديّة، وأصناف الأدب الموجز والشّعر المحكي.
وعملت في مجالي الثقافة والتربية، وترأست مراكز ومعاهد ثقافية، وأسست منتدى "عبق الثلاثاء الأدبي" الذي ارتاده المثقّفون والادباء والشّعراء ومُحبي الثقافة، لها إصدارات خاصة وإصدارات مشتركة مع شعراء وكُتّاب عرب، وتتمتع بحضور لافت في المحافل الشعرية داخل سوريا وخارجها.
