هل الجمال ضروري للمرأة الكاتبة؟
انظر إلى أوروبا، هناك لا يفرقون بين نص كاتبة وأخرى إلا بعمق النص ومغامرته وابتكاره لعوالم جديدة، لسبب بسيط: هم بلا عطش عاطفي وجسدي، ومؤهلون تمامًا لقراءة نص المرأة قراءة أدبية بعيدًا عن شكلها وحضورها الأنثوي، لذلك ترى هناك كاتبات مهمات ومشهورات رغم أنهن غير جميلات، وضرب لي مثلًا بـ: إميلي ديكنسون، وفرجينيا وولف، وسيمون دي بوفوار، وآني إرنو، ومارغريت أتوود.
وهناك كاتبات جميلات جدًا، مثل فرانسواز ساغان، وأناييس نن، وإيزابيل الليندي، وسوزان سونتاغ، وغيرهن ممن نظر إليهن النقاد والقراء نظرة أدبية بحتة.
هؤلاء المهووسون بالشكل! طبعًا، لدي في المقابل العشرات من التجارب والقصص عن نقاد وكتّاب لا يفرقون بين نص وآخر حسب شكل صاحبته. أمامي حدثت هذه الواقعة: كنت أجلس في مقهى مع ناقد مصري شهير، اقتربت منا امرأة جميلة جدًا، وقدّمت نصًا قصيرًا جدًا، وطلبت رأيه. كان نصًا ضعيفًا جدًا، عبارة عن شكوى عاطفية مبتذلة.
نظر الأستاذ إلى الجميلة وقال لها: «يا ابنتي، النص مكتوب ألف مرة من قبل المئات من النساء. هذا كليشيه عاطفي لا معنى له. اقرئي كثيرًا، وابتكري صيغًا جديدة في مقاربة الفقد والغياب والوجود».
كاد أن يُغمى على الجميلة، نظرت إلينا نظرات حادة، وقالت ساخرة قبل أن تغادر: «أصلًا، قالوا لي إنك ناقد محدود الموهبة. هل تريد أن أريك آراء مكتوبة لنقاد كبار في قصائدي؟». «لا، لا أرغب في ذلك. سهّل الله طريقك يا ابنتي»، قال لها، ثم ابتسم في وجهي وقال: «معيار تذوقي فقط هو الأدب، فقط».
وهناك مقاييس أخرى في بيئة الرجال الكتّاب، إذ لا يفرق الناقد العربي، وهنا أكرر (أنا لا أعمم)، بين كاتب جميل وآخر غير جميل؛ النص هناك هو من يحكم، أو العلاقات الشخصية والمصالح غالبًا.
ثمة صديقة لي جميلة جدًا جدًا كانت تخربش نصوصًا هي تعرف أنها خربشات، ولم يكن لدى الصديقة طموح لأن تصبح كاتبة، كانت تفضفض فقط. تقول لي إنها تتلقى مديحًا من أدباء كبار يطلبون منها أن تنشر خربشاتها في كتب، وأنهم على استعداد لنشر هذه الكتب، بل وتقديمها أيضًا.
لا أرغب في أن أرى رجلًا يتعامل مع المرأة الكاتبة بمعيار جمالها؛ عليه أن يدعمها فقط لأنها تكتب نصوصًا جميلة، ويتبناها فقط لأنها موهوبة، وأن ينصحها فيما لو كانت متعثرة أو في بداياتها، وأن يخبرها بالحقيقة لو كانت موهبتها زائفة. لكن من الرجال من يوهمون النساء الجميلات الضعيفات أدبيًا أنهن كاتبات رائعات، وتُنشر لهؤلاء النسوة كتب في منتهى الرداءة، فتكون الضحية النصوص والمرأة التي استُغلت ثقافيًا وإنسانيًا من خلال رجل ينظر إلى الأشياء من خلال غرائزه.
