لتبقى المنطقة العربية بلا عنف طائفي

26 أكتوبر 2026
26 أكتوبر 2026

تابعنا بألمٍ بالغ ما حدث في كنيسة حمودة في الكرك بالمملكة الأردنية الهاشمية، وما أسفر عنه من ارتقاء أرواح بريئة من أبناء الطائفة المسيحية الكريمة أثناء مراسم تشييع جنازة.

إن مشهدًا كهذا لا يمكن المرور عليه بوصفه حادثًا عابرًا، ولا يجوز تبرير دوافعه أو التقليل من خطورته؛ فهو يكشف عن تنامي خطاب الكراهية، وضعف الوعي بقيم المواطنة، وتراجع ثقافة التسامح والعيش المشترك وحسن الجوار، التي دعا إليها الدين الإسلامي الحنيف، وتبنته الأعراف الاجتماعية.

إن الاعتداء على أي مكوّن اجتماعي أو ديني في أي مكان هو فعل مدان ومستهجن بأشد العبارات، ليس فقط لأن إزهاق الأرواح جريمة كبرى، بل لأنه يعني الاعتداء على المجتمع بأكمله ويشرخ وحدته وأمنه وعقده الاجتماعي. فاستهداف الأبرياء بسبب انتمائهم الديني أو العرقي يعني إيذاء للأفراد والوطن ومؤسساته وقيمه الجامعة.

لقد كانت المكوّنات الدينية في الوطن العربي، وفي مقدمتها المكوّن المسيحي العربي، جزءًا أصيلًا ومتجذرًا في هذه الأرض التي شهدت نزول الأديان السماوية، لهذا يُعد شريكًا في الجغرافيا والتاريخ والثقافة واللغة والهُوية.

فالمسيحيون العرب لم يكونوا وافدين إلى المنطقة العربية ولا عابرين عليها، بل ساهموا في نهضتها الثقافية والوطنية والاقتصادية والفكرية، وحملوا هموم الأمة وقضاياها، وكانوا شركاء في بناء الدولة والمجتمع. وليس أدل على ذلك من أسمائهم العربية مثل محمد وعمر ومروان وعاصم وعلاء ومازن وغيرها.

أما الأسماء الأجنبية فيعود إلى «مجيء البعثات الدراسية والعلمية الأجنبية إلى المنطقة العربية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، والتي كان ظاهرها الحفاظ على الطوائف المسيحية وفي الخفاء كان الهدف الاستيلاء على مناطق نفوذ الدولة العثمانية، فأخذت فرنسا تفرض نفسها حامية للمسيحيين الكاثوليك، وروسيا القيصرية نصبت نفسها مدافعة عن المسيحيين الأرثوذكس، ولذلك حمل المواليد الجدد أسماء كاثوليكية مثل «كلود، جان، مادلين، جوزفين».

كما حملوا أسماء قديسات وقديسين أرثوذكس مثل «قسطنطين، هيلانة، نقولا، بندلي». مثلما ذكر الكاتب الفلسطيني شوقي أبو خليل.

ولا نحتاج هنا إلى التذكير بما قدمه المسيحيون العرب في ميادين الأدب والصحافة والسياسة والاقتصاد والتعليم، فذلك موثق ومعروف. لكن اليوم بحاجة إلى التأكيد على حماية التعددية كونها شرطا أساسيا للحفاظ على استقرار الأوطان ووحدتها.

فالمجتمعات التي تفقد تنوعها تفقد جزءًا من روحها وسلمها الاجتماعي.

لقد دفعت بعض المجتمعات العربية في الماضي ثمنًا باهظًا نتيجة تراجع حضور مكوّنات تاريخية فيها، ومنها الجاليات اليهودية العربية التي تقلص وجودها بفعل عوامل سياسية وصراعات إقليمية، كان من بينها المشروع الصهيوني الذي سعى إلى دفعها نحو الهجرة إلى فلسطين المحتلة. وقد خسرت دول عربية عديدة بذلك كفاءات اقتصادية وثقافية ومجتمعية مهمة.

ومن هنا، فإن الحفاظ على الوجود المسيحي العربي، وتعزيز شعوره بالأمان والانتماء، هو في الأساس واجب أخلاقي ووطني وإنساني.

إن معالجة التطرف لا تكون بالشعارات المستهلكة ولا بالعقوبات القاسية، بل تحتاج إلى نظام شامل يجمع بين القانون والعدالة، والتربية الواعية، والإعلام المسؤول، والخطاب الديني المتسامح.

فالتطرف يولد عادة في بيئات متزمتة تغذيه منظومة من الجهل والتحريض والانغلاق، ومشاعر زائفة بامتلاك الحقيقة الأبدية.

وفي هذا السياق، يحضرنا حكم الرأفة الذي أصدرته القاضية اللبنانية جوسلين متى بحق ثلاثة شبان أساؤوا إلى تمثال السيدة مريم العذراء في إحدى الكنائس بمنطقة عكار شمال لبنان عام 2018.

فقد ألزمتهم بحفظ آيات من سورة آل عمران، ليتعرفوا إلى مكانة السيدة مريم والمسيح عليه السلام في القرآن الكريم. كان ذلك الحكم مثالًا على عدالةٍ واعية ترى أن وظيفة القضاء ليست الانتقام، بل الإصلاح، وأن مواجهة الجهل تكون بالمعرفة قبل العقوبة.

إن حادثة كنيسة حمودة ينبغي أن تكون إنذاراً لكل الدول ومؤسساتها الدينية، والتعليمية والثقافية والإعلامية، وجمعيات المجتمع المدني. لمواجهة خطاب الكراهية والبغضاء عبر تجفيف منابع التحريض، ومحاسبة كل المتسببين فيه، وبناء ثقافة وطنية راسخة تؤمن بأن حياة الإنسان كريمة ومصانة وأن للوطن حرمة مقدسة لا يمكن تجاوزها أو تخطيها.