No Image
روضة الصائم

غلا: الرحلة الأخيرة للسلطان برغش

22 أكتوبر 2026
22 أكتوبر 2026

احتضنت غلا، القرية الصغيرة في ولاية بوشر بمحافظة مسقط، الرحلة الأخيرة للسلطان برغش بن سعيد البوسعيدي (1870-1888م)، ثاني سلاطين الأسرة البوسعيدية لسلطنة زنجبار.

يلخص المؤرخ المغيري مكانته بوصفه "نادرة سلاطين زنجبار" لما حقَّقه من إنجازات جليلة خلال فترة حكمه البالغة 18 عامًا، واصفًا إياه: "والسيد برغش هو آخر سلاطين زنجبار اسمًا ومعنى، وكان ذا هيبة مدهشة، محفوف المجلس بالهيبة والوقار، مزين بالعلماء والأخيار، وكان من أفراد الملوك في علو الهمة وقوة الإرادة وحسن السيرة، فقرب العلماء وآوى الفضلاء، ورتب مجالسه على أوقات معلومة، ولم تشتغل نفسه بلذة الملك ونعيم الراحة عن اتباع الفرض والسنة".

وتنوعت تلك الإنجازات التي لا يزال بعضها ماثلًا وشاهدًا حتى اليوم، بين الثقافية والمعمارية والتنموية والإنسانية، نذكر بعضًا منها: إنشاء "المطبعة السلطانية" في عامي 1879-1880م، استُخدمت فيها الحروف العربية والرومانية القديمة، وكانت الأولى من نوعها في شرق أفريقيا.

وقامت المطبعة السلطانية بطباعة الكتب الدينية والأدبية، وساهمت في طباعة الكثير من كتب التراث، ومنها: كتاب هميان الزاد إلى دار الميعاد، وكتاب قاموس الشريعة، ومختصر البسيوي، ومنظومة مدارك الكمال بنظم مختصر الخصال. وقام السلطان برغش بوقف بعض من تلك الكتب المطبوعة لعموم المسلمين وطلاب العلم. ومن إنجازاته بناء "بيت العجائب" في عام 1883م، وكان من أهم القصور في شرق أفريقيا في القرن التاسع عشر الميلادي.

وسُمي ببيت العجائب لأنه كان يُعد من أعجب وأجمل التصاميم المعمارية في البناء بشرق أفريقيا في ذلك الوقت. ويصفه المغيري: "ومن أعماله الجليلة التي تدل على عظيم همّته وقوة سلطانه بناء القصر الفاخر العجيب المعروف الآن ببيت العجائب، وهو من عجائب البناء بأفريقية الشرقية يومئذ".

أما إنجازاته في الجانب التنموي، فقام بتطوير شبكات المياه والطرق في زنجبار؛ منها: مدُّ خط أنابيب للمياه في زنجبار من نبع (شيم شيم) إلى المدينة لتوفير المياه النقية للسكان في عام 1881م، وإنشاء الطرق باتجاه المزارع (الشوانب)، وأشهرها طريق مكواني وطريق شويني، كما أصلح بعض طرق زنجبار بالحصى، وجلب ماكينة كهربائية لإنارة الشوارع والبيوت، وبنى منارة عالية بالصاروج أمام بيت العجائب ليهتدي بها أصحاب السفن من مسافة بعيدة.

كما قام السلطان برغش بتركيب ساعة على قمة هذه المنارة، وتم الانتهاء من بناء المنارة في عام 1883م. ومن أعماله في الجانب الإنساني تخصيص مركبين من مراكبه البخارية لحمل الحجاج إلى بيت الله الحرام من جميع أنحاء مملكته، متكفلًا بكافة المصاريف.

ومن زنجبار إلى غلا المشهورة بعيونها وينابيعها الحارة المستخدمة في الاستشفاء، يشير مايلز في كتاب (الخليج بلدانه وقبائله) إلى غلا أثناء زيارته لها في عام 1875م، واصفًا إياها: "وعلى بعد أربعة أميال من الغبرة تقع قريتا بوشر وغلا، حيث توجد المياه المعدنية وهي مشهورة بهذا الماء الذي يستعمل كعلاج من بعض الأمراض، ويحج إليه الناس من كل أرجاء البلاد.

وهذه الينابيع كثيرة وهناك عدد منها للاستحمام وهي تحوي على بعض عنصر سلفات المنجنيز وتتراوح حرارة المياه من 103 إلى 114 فهرنهايت؛ وبعض أحواض هذه المياه تعج بالأسماك، وتسمى أسماك الصد، رغم أن لكل صنف منها اسمه الخاص".

والسؤال الذي يمكن أن يتبادر إلى الذهن: ما علاقة السلطان برغش بغلا؟ الإجابة تكمن في إصابة السلطان برغش بداء السل، فوُصفت له عيون غلا الحارة للاستشفاء بها.

انطلق السلطان برغش في المركب البخاري (الدخاني) المسمى إنيانزه، برفقة زوجته السيدة موزة بنت حمد بن سالم بن سلطان بن أحمد بن سعيد البوسعيدية، في رحلته العلاجية إلى عُمان للاستشفاء، وقد أشارت إلى تلك التفاصيل الوثائق العثمانية المنشورة في كتاب (عُمان في الوثائق العثمانية: ثلاثمائة وسبعون عامًا من العلاقات التاريخية، في مجلده الأول، ص343-348).

ونقتبس من نص الوثيقة المترجمة إلى العربية: "عرض سفير لندن رستم باشا، كتابًا من خلال إرسال برقية إلى وزير الخارجية سعيد باشا، يفيد فيها، بذهاب حاكم زنجبار إلى الينابيع الساخنة الكبريتية في بوشر التي تبعد حوالي ثمانية عشر ميلاً عن مسقط".

تؤرخ الوثيقة في 22 فبراير 1888م. وفي وثيقة أخرى تشير إلى الحادثة تحت عنوان: "ذهاب حاكم زنجبار السيد برغش بن سعيد، إلى ينابيع بوشر الحرارية بالقرب من مسقط، بسبب تدهور حالته الصحية".

وفي وثيقة أخرى عنوانها: "كتاب مرسل إلى الصدارة بشأن ذهاب حاكم زنجبار السيد برغش بن سعيد بسبب مرضه المتزايد مباشرة إلى حمامات بوشر الساخنة"، مؤرخة في 26 فبراير 1888م.

في هذه الرحلة الأخيرة وهذا الحدث الاستثنائي، يبرز دور السيدة موزة زوجة السلطان برغش. فعند وصوله إلى غلا استحم من العين، لكنه لم يستفد منها؛ لذلك همَّ بالرجوع إلى زنجبار، هنا حاول أخوه السلطان تركي بن سعيد (1871-1888م) الحجر عليه ومنعه من السفر ليحقق حلمه باستعادة شقي الإمبراطورية العُمانية الآسيوي والأفريقي كما كانت في عهد والدهما السلطان سعيد بن سلطان قبل تقسيمها وفقًا لتحكيم كاننج الصادر في 2 أبريل 1861م.

وكان لسرعة بديهة السيدة موزة وحسن تصرفها ما حال دون اكتمال خطة السلطان تركي، حيث سارعت وأمرت القبطان بالسفر دون علم السلطان تركي، فخرج المركب من الميناء قبل وصوله وجنوده، وتحرك تحت إمرة السيدة موزة ولم يتوقف لحماية زوجها السلطان برغش من الحجر عليه؛ لكن السلطان برغش تُوفي في الباخرة في طريق العودة إلى زنجبار ليلة الخميس 27 مارس 1888م.

وتنقل وثيقة عثمانية تفاصيل أخرى نقتبس منها: "وفقًا للبرقية التي وصلت إلى وزارة الخارجية اليوم، فإن السيد برغش بن سعيد، حاكم زنجبار، الذي ذهب إلى مسقط للترويح عن نفسه، وصل إلى زنجبار في الساعة الثامنة مساء أمس، لكن وافته المنية في منتصف الليل، على الرغم من وصوله إلى قصره"، مؤرخة في 27 مارس 1888م. دُفن السلطان برغش بجوار أبيه وأخويه خالد وماجد في المقبرة الملكية (السلطانية) بزنجبار، وعمره 51 عامًا.

هذه الحادثة التاريخية يتجلى من خلالها الدور الأبرز للسيدة موزة في الحفاظ على حكم زوجها السلطان برغش بالرغم من وفاته. وفي هذا المقام يمكن تقديم شذرات من سيرة السيدة موزة، فهي صاحبة النفوذ الأكبر في عهد زوجها السلطان برغش، لا سيما بعد وفاة أخته السيدة خولة، حيث أصبحت المستشارة الأولى لزوجها داخل القصر السلطاني "بيت العجائب".

وكان السلطان برغش يستشيرها في بعض أمور الدولة، ففي حادثة تثبت ثقة السلطان برغش بها، أثناء رحلته إلى أوروبا -يُعد السلطان برغش أول السلاطين الذين سافروا إلى بريطانيا لزيارة الملكة في عام 1875م، وتم توثيق الزيارة في كتاب (تنزيه الأبصار والأفكار في رحلة سلطان زنجبار) الذي تمت كتابته من قبل مرافقه زاهر بن سعيد النخلي- لم يصطحب زوجته السيدة موزة معه، وربما كان لذلك القرار أهميته وتأثيره، وأثبت كذلك بُعد نظر السلطان برغش وثقته في زوجته السيدة موزة في الإمساك بزمام الأمور في حال حدوث طارئ يهدد الأمن الداخلي للسلطنة أثناء غيابه، وهو ما حدث بالفعل حين ظهرت بوادر محاولة تمرد من قبل أخيه السيد خليفة، واستطاع نائب السلطان برغش السيد علي بن سعود تدارك الأمر بمساندة من السيدة موزة، وظهر دورها هنا من خلال بعض القرارات التي أخذتها وقام بتنفيذها السيد علي، وتم إلقاء القبض على السيد خليفة ومنعه من الخروج حتى عودة السلطان برغش إلى زنجبار، في تفاصيل كثيرة يذكرها المؤرخ المغيري في كتاب جهينة الأخبار بتاريخ زنجبار.

كما تظهر مكانة السيدة موزة بنت حمد البوسعيدية من خلال ما أفادت به الوثائق العثمانية، حيث قام السلطان العثماني بتوجيه والي الحجاز للترحيب بالسيدة موزة بنت حمد والقيام بكل ما هو مطلوب لتسهيل أدائها فريضة الحج في عام 1895م، مشيرة إلى أهمية إكرام السيدة موزة لمكانة زوجها السلطان برغش ودوره في توطيد العلاقات مع الدولة العثمانية.

ويمكن الاطلاع على نص الوثيقة في كتاب (عُمان في الوثائق العثمانية) في المجلد الثاني، ص371، تحت عنوان: "تقديم التسهيلات اللازمة، لزوجة السيد برغش بن سعيد، حاكم زنجبار السابق، ووالدة الحاكم الجديد، أثناء أدائهما فريضة الحج"، مؤرخة في 13 مايو 1895م.

توفيت السيدة موزة في 21 يوليو 1918م في عهد السلطان خليفة بن حارب البوسعيدي (1911-1960م). ورُزقت بخمسة أبناء؛ ثلاث بنات: نونو وشريفة وعلياء، وولدين هما: سيف وخالد. تُوفي سيف في حياة والده السلطان برغش، وكانت وفاته في 30 سبتمبر 1882م. أما خالد فتُوفي في عهد السلطان خليفة بن حارب في مارس 1927م.