تاريخ الطعام: كيف اختزلنا الطعام في مكوناته؟
«الخضراوات الطازجة والسمك المملح ودرنات النباتات وبقول من نوع الحمص والفول والترمس»، هذا هو طعام الفلاحين المصريين كما ذُكر في كتاب «وصف مصر»، الكتاب الذي ألّفه في القرن الثامن عشر العلماء الفرنسيون المرافقون لحملة نابليون بونابرت على مصر. يُكمل العلماء تفصيل غذاء الفلاحين المصريين: فاكهة طازجة، الخس والخيار، جذور الجزر، زيت الزيتون. لم يرضَ العلماء الفرنسيون عن هذه التشكيلة من الطعام، فعلّقوا في أول الفصل: «وفضلًا عن ذلك فغذاؤهم هذا بالغ السوء والفقر»، وأكملوا بانتقاد ما وصفوه بأنه «كسل المصريين الفطري» في الاعتماد على الطعام النيّئ بأنه تخلّص من «حيرة المطبخ».
ليس من الغريب أن تأتي انتقادات كتاب «وصف مصر» على هذه الهيئة، وهو أحد أكبر مشاريع الاستشراق الأوروبي، فقد جرت العادة على أن يُعامل المستشرقون حياة من يتحدثون عنهم بحرية تُتيح لهم الحكم عليها كيفما شاؤوا. لكن ما يبعث على التأمل هو رأي العلماء الفرنسيين في جودة الطعام، طعام أساسه الخضار والفاكهة الطازجة والمتنوعة لم يرَ فيه العلماء سوى طعام بالغ السوء والفقر، بل إن العلماء رأوا أن استهلاك الأقباط المصريين زيت الزيتون بكميات كبيرة هو «عادة سيئة تسبب الكثير من الأمراض التي تصيبهم هم بشكل خاص». لم يرَ علماء الحملة الفرنسية في زيت الزيتون الزيت السحري بما يحتويه من أوميجا-3 وفوائده للقلب، لم يرَ علماء الحملة الفرنسية كمية الألياف الضخمة في الحبوب التي يستهلكها الفلاحون كما ترى اليوم أي توصيات غذائية أو أي حمية بشكل عام. في السياق الذي كتب فيه علماء الحملة الفرنسية، ليس السيئ سيئًا لأنه خطر على الصحة، وكذلك ليس الجيد جيدًا لأنه مفيد للصحة.
كُتب «وصف مصر» في القرن الثامن عشر، في زمن يسبق علوم التغذية وكل التطورات العلمية الضخمة المتعلقة بأجساد البشر وصحتهم، فلم يكن السيئ أو الجيد مرتبطين بالقيمة التغذوية لأنها لم تكن معروفة بعد، لم يُعرف الطعام سوى عبر مصطلحات الطهي والأكل المعروفة، ولم يُحكم عليه سوى من خلال هذه المصطلحات التقليدية. في القرن نفسه، وفي سُفن البحارة البريطانية بدلًا من رواد الحملة الفرنسية في مصر، كان أحد الأطباء البريطانيين يُجري ما سيُعرف لاحقًا بأول تجربة سريرية حقيقية مؤرخة علميًا. هذه التجربة ستكون محطة مبكرة ضمن محطات عديدة في الطريق نحو تحول الطعام إلى ما هو عليه اليوم.
استهدفت هذه التجربة العلمية مرض الإسقربوط، وهو مرض انتشر تاريخيًا بين البحارة لدرجة أنه عُرف باسمهم، هذا المرض الذي عُرفت له علاجات تقليدية وسط بعض الشعوب الأصلية، لكنه عند هذه اللحظة لم يُعالج على السفن الأوروبية إلا بمواد لم يُعرف لها أثر فعّال على غرار الفيتريول (حمض الكبريتيك) وخل التفاح، فقرر ذلك الطبيب البريطاني أن يُجرّب المواد المستخدمة بشكل نظامي على مجموعات مُقسّمة من البحارة، ولم يمر أكثر من أسبوع حتى كانت إحدى هذه المجموعات على قدر من العافية لحد أنهم كانوا الممرضين المسؤولين عن العناية بالبحارة الآخرين، بعدها بسنين سيكتب هذا الطبيب رسالة عن هذا البحث تحت عنوان «رسالة عن مرض الإسقربوط».
هذا الطبيب هو جايمس ليند، الجراح البريطاني الذي عمل في البحرية الملكية وأجرى في فترة خدمته ما اصطلح على اعتباره أول تجربة سريرية مُوثقة في التاريخ. عرف جايمس ليند من خلال أبحاثه السريرية أن للحمضيات أثرًا فعّالًا في علاج الإسقربوط بعد أن رأى المجموعة التي تناولتها تتحسن وحدها من وسط البقية؛ يحتوي الليمون على فيتامين سي، المكوّن الذي يغيب عن طعام البحّارة، والذي يتسبب غيابه في نقص المناعة وفقدان قدرة الجسم على إصلاح الكولاجين الموجود في الأنسجة، ما يؤدي إلى أشكال التشوه التي تبدو على البحارة. بعد رسالة جايمس ليند بما يقارب الأربعين سنة، بدأت البحرية البريطانية في توزيع عصير الليمون بشكل إجباري على البحارة، عند هذه اللحظة بدأ الليمون يتحول من مجرد فاكهة إلى علاج يُؤخذ خصيصًا لتفادي المرض، لم يشرب البحارة عصير الليمون لمذاقه الحامض المميز أو لونه الأصفر المنعش، لكن لأنه يُجنّبهم خطر الإسقربوط.
استقرت الصورة العلمية لليمون لاحقًا عندما عُزل فيتامين سي في عام 1928، وعُرف أنه المركب المسؤول عن علاج الإسقربوط، وكان فيتامين سي مثالًا من مجموعة من الفيتامينات التي اكتشفها العلماء خلال القرن العشرين، القرن الذي يُعرف بـ«قرن التغذية الذهبي»، بتطور العلوم الكيميائية ومقدرتها على فصل الفيتامينات والمعادن والمغذيات الأخرى، ومع تقسيم الطعام إلى أنواع رئيسة مثل الكربوهيدرات والدهون والبروتينات، تحول الطعام إلى موضوع علمي. يصوغ الباحث كريستفر مايس هذا التحول في الشكل التالي: مع عزل فيتامين سي والتعرّف إليه بصفته المركب المسؤول عن علاج الإسقربوط، تحول البرتقال من فاكهة تؤكل لطعمها أو لأنها فاكهة موسمية تنتشر في أوقات بعينها إلى مصدر لفيتامين سي. أدى التغير في تعريف الطعام إلى تغير مماثل في الحكم عليه، فاليوم تشتهر الحمضيات بالتحديد في علاقتها بمرض البرد نتيجة لاحتوائها على فيتامين سي، مثلها مثل الجزر المعروف بأنه «يقوي النظر» لاحتوائه على فيتامين أ.
ساعد تحوّل الطعام إلى موضوع علمي على تشكيله ليكون صورةً من صور العلاج، فأمراض نقص الفيتامينات والمعادن هي أمراض ممكنة الشفاء عن طريق تناول الأغذية التي توجد فيها هذه المكونات، أو أسهل منه بتدعيم الأطعمة الشائعة بهذه المكونات. كما عُولج مرض الجويتر -مرض تضخم الغدة الدرقية نتيجة لنقص عنصر اليود- في ولاية ميشيجان الأمريكية بتحويل 90% من الملح المباع إلى ملح مُضاف إليه اليود، وعلى غراره أُضيف فيتامين د إلى الحليب لتجنب مرض الكساح. لا تزال بعض سياسات التدعيمات مستمرة حتى اليوم، فمثلًا تبيع الحكومة المصرية في التموين المدعوم من الدولة خبزًا مُدعّمًا بحمض الفوليك، لكن منطق هذه السياسات في المجمل ينتمي إلى فترة تاريخية مختلفة ويستهدف مشاكل مغايرة، في الماضي انتشرت الأمراض التي تحدث نتيجة لنقص غذائي، لهذا فإن الأطعمة أو المغذيات المستهدفة كانت واحدة ومحددة في ارتباطها بالمرض. لكن مع التطور الحاصل في انحسار مشاكل نقص التغذية وتحسن جودة الحياة عمومًا، اختفت هذه الأمراض، وحلّت محلّ مشاكل النقص مشاكلُ من نوع مختلف، مشاكل تتعلق بالوفرة والزيادة.
هذه المشاكل التي نعرفها اليوم بأمراض القلب وارتفاع ضغط الدم والسكر والسرطان، مشاكل يُنسب الكثير منها إلى عادات غذائية خاطئة. أتاحت نجاحات العلم المتتالية مع الأطعمة المدعمة إيجاد مناخ من الإيجابية تجاه قدرة الطعام على أن يكون دواءً لهذه الأمراض وسببًا في علاجها، في ضوء هذه الأبحاث دخلت الأطعمة كلها في المجال الصحي، ولم تعد الاستثناءات مقتصرة على نوع أو صنف من الأغذية التي تُتجنب أو تُؤكل، لكن الطعام كله صار نطاقًا للرأي العلمي، وهكذا حدث ما يُعرف بتطبيب الطعام (Medicalization of Food).
الطعام المُطبّب هو الطعام الذي يُرى من عدسات العلوم الطبية والتغذوية بدلًا من معاملته وفقًا لمفاهيم الطهي والمطبخ التقليدية. المذاق، الحس، المعنى الثقافي للطعام، الرائحة... إلخ، تصير حديثًا عن المغذيات، السعرات الحرارية، الكربوهيدرات. والطعام المُطبّب لا يُناقش الطعام في صورة الأكلات على بعضها، لكن في هيئة المغذيات التي يحتوي عليها. يُعرّف البروفيسور جيورجي سكرينيس هذه الظاهرة بـ«التغذانية» (Nutritionism)، وهي التركيز المعاصر على المغذيات والمكونات الكيميائية للغذاء في علاقتها باحتياجات أجسادنا. هكذا يُفكّك الطعام إلى مكونات فردية لا تستوعب التنوع في الطعام نفسه، من حيث مذاقه وملمسه ورائحته ومعناه الثقافي/الاجتماعي إلى آخره، لكنها تُعبّر بكفاءة عن جانب واحد فقط، هو قيمته الغذائية.
الناتج النهائي للتغذوية والطعام المُطبب هو إتاحة الفرصة للحكم المبني على القياس والأرقام القابلة للمقارنة، فيتحول الحكم على الطعام إلى شكل من أشكال المعادلات التي يُمكن تطويرها وفق طرق مُعينة لتُصنف وتُرتب الطعام وفق جودته الغذائية. وهكذا تجد نظام نيوتري-سكور Nutri-Score، الأكثر شُهرة رُبما وسط الأنظمة التي تُقيم الطعام، يُرتب الطعام على مقياس من خمس خطوات مُلونة من الأحمر/حرف E (الأسوأ) للأخضر/حرف A (الأفضل)، رُغم تنوع الأطعمة الضخم فإن نظام نيوتري-سكور يستوعب هذا التنوع عبر خوارزميته التي تُقيم الطعام وفق تعريفات علم التغذية.
تُمثل تقييمات نيوتري-سكور نوعًا من النصيحة الطبية المُوجهة ضد أو مع استهلاك الطعام، وهي نصيحة تختزل عوامل كثيرة في تقييم نهائي واحد، فمثلًا لا تأخذ تقييمات نيوتري-سكور في الاعتبار ما يُعرف بـ«هيكل الطعام» Food matrix، وهو شكل وبنية الطعام التي تتوزع فيها المغذيات، وبناءً عليه كانت تقييمات نيوتري-سكور للمكسرات سلبية لأنها تحتوي على نسب عالية من الدهون رُغم أن بعض هذه الدهون يظل محبوسًا داخل الأبنية الخلوية المكسرات وبالتالي لا يهضمه الجسم، لاحقًا حُدثت خوارزمية نيوتري-سكور لتستوعب النسب العالية من الدهون في المكسرات، لكنها لا تزال تتجاهل عامل هيكل الطعام، مثلما لا تستوعب أيضًا وجود الفيتامينات والمعادن، ولا تستوعب درجة مُعالجة الأطعمة. من ضمن الانتقادات التي وُجهت لنظام نيوتري-سكور هو مبدأ تفكيك الطعام إلى المغذيات التي يحتوي عليها والحكم عليها من وجهة النظر هذه، فهي ليست فقط نظرة اختزالية للعوامل الثقافية التي تحكم علاقتنا بالطعام، لكنها كذلك نظرة اختزالية في سياق النصيحة الطبية نفسها، فالبشر لا يأكلون مغذيات لكن يأكلون أطعمة، والأطعمة لا توجد فيها المغذيات بمعزل عن بعضها. خُذ مثال أحد أنواع المكرونة المصنوعة من دقيق الحبة الكاملة بتصنيف A، لكن الحكم النهائي على مدى صحية الطعام يعتمد على باقي مكونات الوجبة، فلا يُمكن اعتبار أكلها مع صوص الكاتشب وجبنة الموتزاريلا مثالًا على وجبة صحيّة.
من السهل أن يُحكم على السلبي أكثر من تحديد ما هو إيجابي، أو بكلمات أخرى، من السهل الإشارة إلى الأطعمة السيئة التي يجب تجنبها على غرار تلك المحتوية على كميات عالية من السكر والملح ونحوه، لكن من الصعب تحديد هذا الطعام أو ذلك على انه الأفضل بالمقارنة مع الآخرين. والنظام التشيلي الذي طُبق في عام 2016 مثال على هذا، يفرض هذا النظام عنونة الأغذية التي توجد فيها مستويات عالية من السكر والملح والدهون المشبعة والسعرات، فيكون على المصنع أن يضع علامة ALTO EN (تعني حرفيًا: يحتوي على نسب عالية من [مكون غذائي]) السوداء التي تظهر على الناحية الأمامية من غلاف المنتج. لا يستهدف النظام التشيلي سوى أربعة مكونات فقط هي التي ينصح بعدم استخدامها، نصيحة النظام التشيلي مُحددة بالسلب تجاه هذه المكونات، على العكس من نظام نيوتري-سكور الذي يُحاول الحكم على الطعام كله بالإيجاب أو السلب فقط من خلال خمسة تدرجات.
لا يتوقف منطق الطعام المُطبب على اختزال معنى الطعام إلى قيمته الغذائية، لكنه أيضًا يُحول هوية الطعام إلى نوع من الوسائل أو الأساليب، الأطعمة الوظيفية التي تؤكل لأنها تؤدي غرضًا ما ضمن إطار صحي. مثال على هذه الظاهرة هو انتشار تضمين البروتين في الأطعمة على مختلف أنواعها، وبدون اعتبار للمصادر التقليدية التي يأتي منها البروتين (أي اللحوم والدجاج أو المصادر النباتية مثل البقوليات)، فالخبز الآن منه ما يُدعم بإضافة البروتين له، حتى المقرمشات المملحة Snacks التي تؤكل للتسلية صارت مكانًا مُعتبرًا لتحصيل حصة البروتين منه.
ما ينتج عن تطبيب الطعام هو تغير ضخم في هوية الطعام وإعادة إنتاج لمعانيه، هكذا يحدث الانتقال من رؤية علماء الحملة الفرنسية لزيت الزيتون طعامًا سيئًا إلى أن يُعتبر اليوم على قمة الهرم الغذائي ضمن أفضل أنواع الزيوت، ومثله الشوفان، الذي قد يكشف تاريخه كطعام عن آثار العلوم على تعريف معاني الطعام والغذاء - اعتبر الإغريق والرومان الشوفان طعامًا غير مرغوب فيه وفي مكانة طعام الماشية، وذكر الكاتب البريطاني صامويل جونسون في معجم اللغة الإنجليزية الصادر عام ١٧٥٥ تعريف الشوفان أنه «حبوب، تُعطى بشكلٍ عام للأحصنة في إنجلترا، لكن يأكلها الناس في اسكتلنده». هذا الفارق بين إنجلترا واسكتلنده راجع إلى أن الشوفان محصول يتحمل الأجواء الرطبة في اسكتلنده عكس محصول القمح والحبوب الأخرى، وهو ما جعل الشوفان جزءًا مهمًا من الطعام الإسكتلندي.
كانت مكانة الشوفان تاريخيًا أقل قياسًا إلى مكانة القمح. عبر مجموعة من التطورات الصناعية والزراعية في القرن التاسع عشر وأول القرن العشرين انتشر الشوفان في المجتمع الأمريكي، لكن النقلة الحقيقية في فهم الشوفان حدثت بحلول لاحقًا في ثمانينيات القرن العشرين؛ آنذاك تراكمت الأدلة من الأبحاث العلمية التي تُظهر آثر الشوفان على انخفاض مستويات الكوليسترول بالدم لنسب تتراوح بين 3% و26%، يذكر المؤلف مايكل بولن في تأريخه لما حصل وقتها أن هذه الأبحاث انتجت اهتمامًا تجاريًا فوريًا «سُرعان ما أتى على مخزون الشوفان الوطني واستنفد رفوف متاجر التجزئة من حبوب الشوفان». ويُكمل بولن بتوثيق ما حدث وقتذاك إذ وصل جنون الشوفان إلى الجميع فأضافته الشركات لكل أشكال وأنواع الطعام حتى البيرة!
لكن في عام 1990 أظهر الباحثون في هارفارد أن نُخالة الشوفان ليست مميزة فيما يخص أثرها على مستويات الكوليسترول بالدم عن أي نوع آخر من الحبوب ذات الألياف العالية، وهدأت فورة اهتمام الشركات بالشوفان. رُغم ذلك فإن سمعة الشوفان استمرت بعدها، هكذا انتقل الشوفان من قيمته الأقل نسبيًا في مصاف الحبوب إلى مكانة استثنائية في الطعام المعاصر – وجزء ضخم من هذه المكانة هو كون الشوفان من الأمثلة النموذجية على الطعام المُطبب. ويشهد على هذا اكتساب الشوفان دلالة الطعام الصحي: علامة يكفي إضافتها لأي غذاء ليكون صحيًا، حتى إن احتوى هذا الغذاء على كميات كبيرة من السكر المضاف التي تجعله غير صحي.
تكشف هذه النقطة عن الاختلاف في معاملة الطعام المُطبب بين الهيئات العلمية وبين الشركات، فالأخيرة تستغل المنطق العلمي لُتكسب منتجاتها ثوب الطعام الصحي كي تزيد مبيعاتها، وقد تقوم بالتضليل المتعمد ضمن هذا الاستغلال كما فعلت شركة هاينز التي روجت للكاتشب الذي تُصنعه على أنه يقي من بعض أنواع السرطان لأنه يحتوي على مادة اللايكوبين، صبغة موجودة في النبات بشكل طبيعي ذات أثر فعالية مُضادة للأكسدة، رُغم أن نفس الكاتشب يحتوي على نسب عالية من السكر المضاف والملح، وهكذا وضعت هاينز في أحد الإعلانات مقارنةً بين الطماطم المُعالجة (التي تدخل في تصنيع الكاتشب) والطماطم الطازجة ذكرت فيها بأن الأولى تحتوي نسبًا أعلى من اللايكوبين، ومن الصعب على المستهلك الغير متخصص أن يرى في هذه الرسالة إلا ترويج للكاتشب على أنه يقي من السرطان بفعالية أكثر من الطماطم الطازجة نفسها.
تراجعت هاينز عن إعلانها بعدما أعلنت لجنة التجارة الفيدرالية بأنها تُحقق في ادعاءات هاينز، بالنظر إلى مبيعات هاينز وانتشارها كأكبر علامة تُجارية منتجة للكاتشب، قد تبدو حاجة الشركة إلى تبرير منتجاتها على أنها صحية نوعًا من السخافة أو الجشع التجاري لاستقطاب أكبر كم ممكن من الزبائن. ومما يبعث على التفكر أن الكاتشب بالذات من المنتجات الغذائية التي قد لا يعرف الناس أنها غير صحية لاحتوائها على كميات كبيرة من السكر والملح، وكأنه نوع من أنواع الغذاء «المستور» من الاتهامات والملاحقة عكس الأطعمة الغير صحية المعروفة مثل المقليات والحلوى المشبعة بالسكر.
لكن لا تتوقع نفس الدرجة من الستر إذا حاولت وضع الكاتشب على بيتزا بمطعم في إيطاليا، فهو من المكروهات الثقافية في عرف المطبخ الإيطالي لأنه يتجاوز بقوة طعمه الحامض توازن مذاقات البيتزا المتوازنة بين الجبن والطماطم والعجينة، هذا من ناحية وقد يُكره من ناحية أخرى لأنه مكون غريب على الثقافة الإيطالية. وهو نفس السبب الذي يجعل وضع الكاتشب أمرًا غير مألوف في كثير من الأطعمة المحلية عبر العالم، رُبما ساعدت الثقافة بشكلٍ غير مقصود الطعام على أن يكون صحيًا.
ليست الثقافة وسيلةً علميةً للتوصل الى الصحي من الطعام وهذا بحد ذاته ما يجعلها ثقافة، فهي تختلف عن العلم في أنها لا تستوعب العالم بنفس المنظور أو التعريفات. والاختلاف هنا لا يُفضي بالضرورة إلى تراتبية تجعل الثقافة أفضل من العلم أو العكس، فهذا يجيب على سؤال وذاك يجيب على سؤال آخر، لكن الاختلاف يؤدي للتنوع والثراء في التعامل مع الطعام، وهكذا رُبما نحن في حاجة إلى الطعام الذي نراه طعامًا صحيًا أحيانًا، ونراه طعامًا أحيانًا أخرى.
عمرو أحمد كاتب وصيدلاني
