اقتصاد العالم وفن العيش في أوضاع خطرة

18 أكتوبر 2026
18 أكتوبر 2026

ترجمة: قاسم مكي 

ذكّرتنا الأيام القليلة الماضية بإحدى حقيقتين معاصرتين ورئيسيتين تتعلقان بالاقتصاد مفادها أن رئيس الولايات المتحدة مِعوَل هدم.

مع ذلك، تتسق هذه الحقيقة مع الحقيقة الأخرى وهي أن اقتصاد العالم، رغم اضطرابات وصدمات حقبتنا، يظل ماكينة نمو قوية تتحرك بفضل ابتكاراتٍ لافتة وتمويلٍ يُخاطِر وتراكماتٍ كبيرة للدَّين.

هل يمكن أن يستمر ذلك؟ سبب الاعتقاد باستمراره أن النمو ظل الملمح المهيمن للاقتصاد العالمي منذ منتصف القرن الماضي.

رغم ذلك علينا دائما تذكر أن النمو شيء والنمو المستقر شيء آخر تماما.

ماهي إذن آخر مهازل دونالد ترامب؟ أولا، بدأ حربا على إيران دون خطة؛ وهذا ما رفع أسعار الديزل في الولايات المتحدة وحول العالم. ثم قبل أيام قليلة أبرم صفقة مع فلاديمير بوتين لضخ الديزل الروسي في الأسواق العالمية في انتهاك للعقوبات المفروضة بعد الغزو غير القانوني لأوكرانيا.

أيضا أبلغ ترامب كييف بوقف توجيه ضرباتها لمصافي النفط الروسية. وهدد بوقف اقتسام المعلومات الاستخبارية مع أوكرانيا وحصولها على الأسلحة التي تصنعها الولايات المتحدة.

هذه «الصفقة» حمقاء وخبيثة؛ حمقاء لأنها أصغر من أن تؤدي إلى خفض أسعار الديزل بقدر مؤثر، وخبيثة لأنها مستعدة للتضحية ببلد يصارع تاريخيا للتحرر من الطغيان.

صُنْعُ السياسةِ الأمريكية الحالية ليست فقط طائشا وغير أخلاقي، بل هو أيضا أحد أسباب عدم إمكانية التنبؤ بما قد يحدث في العالم.

وهكذا يبدأ أحدث تقرير لصندوق النقد الدولي حول آفاق الاقتصاد العالمي بالتعليق التالي من سيلفانا تينريرو المستشارة الاقتصادية الجديدة بالصندوق «خلال أقل من 7 سنوات خضع الاقتصاد العالمي لسلسلة استثنائية من الأحداث (الصدمات).»

مع ذلك كل هذه الصدمات باستثناء واحدة هي الجائحة من صنع البشر أو ربما من صنع «الرجل القوى». الصدمات الأخرى هي الحرب في أوكرانيا وحرب الرسوم الجمركية والحرب في الشرق الأوسط. بوتين شن الأولى في عام 2022 وترامب بالطبع بدأ الثانية والثالثة.

هذه الصدمات كما تقول تينريرو «اختبرت مرونة العائلات والشركات والأسواق المالية والحكومات؛ حدوث كل واحدة من هذه التطورات الكبيرة بمعزل عن الأخريات كان سيعتبر بعيدا عن الاحتمال، أما اقترانها في مثل هذه المدة القصيرة فأكثر استثنائية.

مع ذلك، وما هو لافت أن توقعات تقرير الصندوق لمعدلات النمو في هذا العام والعام القادم عند 3.1% و3.4% على التوالي «لم تتغير بشكل عام من توقعات أبريل» على الرغم من استمرار اضطراب الطاقة بأكثر مما كان متوقعا حينها.

ويُتَوقع على أية حال أن يصل معدل التضخم العالمي إلى 4.7% هذا العام نتيجة لارتفاع أسعار السلع و4.1% في عام 2027، لكن ما يسعد «أن تأثير ارتفاعها على التضخم الأساسي سيكون محدودا حسبما هو متوقَّع.»

تفاسير هذه المرونة مألوفة وتشمل تعديل (مسار) الصادرات والواردات بعيدا عن التجارة بين الولايات والصين، لكن مؤخرا جدا كان العاملان المهيمنان هما مرونة اقتصاد الطاقة العالمي وازدهار الاستثمار الذي أطلقه الذكاء الاصطناعي؛ مع ذلك ليس هنالك ما يضمن استمرار أي منهما.

وكما يشير نك بتلر انخفضت مخزونات النفط الخام والمنتجات النفطية بعد ستة أشهر من بداية السحب منها. إلى ذلك لا تزال صادرات الديزل ووقود الطائرات (من الخليج) عند حدها الأدنى.

أيضا إمدادات النافتا واليوريا والغاز الطبيعي المسال مهددة (وهذا الأخير له أهمية خاصة لأوروبا).

كذلك يركِّز ازدهار الاستثمار في الذكاء الاصطناعي المخاطرَ في قطاع واحد. وحتى إذا نجح الذكاء الاصطناعي نفسه غالبا ما سيكُفُّ الاستثمار عن النمو إن لم يتراجع في لحظة ما. بالإضافة إلى ذلك قد لا ينجح الذكاء الاصطناعي إطلاقا في تحقيق الأرباح المأمولة.

هنالك هشاشات أخرى واضحة أهمها المراكز المالية؛ فعلى الرغم من الارتفاع في أسعار الفائدة الحقيقية والاسمية في فترة ما بعد الجائحة إلا أن معظم الاقتصادات الكبيرة تستمر في تسجيل عجوزات مالية أولية كبيرة (قبل مدفوعات الفائدة).

ويبرز المركز المالي للولايات المتحدة مع عجز مالي أوَّلي متوقع عند 4.8% من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام وحصة إصدار لأذونات الخزانة بنسبة 58%في إجمالي الاقتراض ومتوسط أجل استحقاق يبلغ 5.9 سنة فقط (لإجمالي الدَّين القائم- المترجم).

يؤكد تقرير آفاق الاقتصاد العالمي عن حق أهمية إعادة بناء مساحة للتحرك المالي. والأمر الجيد أن الأثر السلبي للتشديد المالي الهيكلي في ظروف اليوم غالبا ما سيعوض عنه انخفاض أسعار الفائدة الحقيقية والاسمية. لكن من الضروري أيضا معالجة اختلالات الحسابات الجارية العالمية. ويجب أخيرا أن يشمل ذلك الصين.

يشدد التقرير على الاحتمالات السلبية الأخرى بما في ذلك احتدام الحروب الحالية والتهديدات السيبرانية (ربما المعززة بالذكاء الاصطناعي) والكوارث المناخية. ولا يمكن استبعاد حدوث انهيار في سوق السندات أو الاستثمار المرتبط بالذكاء الاصطناعي إذا كانت عوائده مخيبة للآمال.

أما الاحتمالات الاقتصادية الإيجابية فتشمل استمرار التقدم الأكثر تسارعا لتقنية الذكاء الاصطناعي على الرغم من أن ذلك قد تترتب عنه أيضا عواقب اجتماعية مدمرة.

هنالك احتمال إيجابي آخر معقول وهو تسارع التحول إلى الطاقة المتجددة مع إثبات الأحداث الأخيرة عدم موثوقية إمدادات الوقود الأحفوري. وبالنظر إلى موقعها الجغرافي ستظل غير مضمونة لبلدان عديدة.

يشير تقرير الصندوق إلى أن القدرة على استغلال الذكاء الاصطناعي والوفاء باحتياجات الطاقة على نحو موثوق أمران حاسمان لآفاق النمو.

والمحزن أن أفقر بلدان العالم ضعيفة على كلا الصعيدين. وهكذا يخشى الصندوق عن حق من أن مستوياتها المعيشية غالبا ما ستتدنَّى بقدر أكبر مقارنة بالبلدان الغنية.

من الجيد الاعتقاد بأن العالم سيصبح أقل عرضة للصدمات، لكن من المحتمل ألا يكون كذلك. وستتمثل الاستجابة الأفضل في تقوية الأساسيات، خصوصا المرونة والدينامية الاقتصادية إلى جانب مرونة الطاقة. وفي هذا السياق وكما يذكر تقرير آفاق الاقتصاد العالمي من الضروري جعل الدعم للفئات الأكثر تأثرا بالصدمات مقتصرا عليها ومؤقتا.

لقد انتهي الوقت الذي يُنثَر فيه المال العام يمنة ويسرة دون ضابط. وسيكون توقف الصدمات مفيدًا أيضا، لكن للأسف بالنظر إلى حال قادتنا لن أراهن على ذلك.

مارتن وولف كبير معلقي الاقتصاد بصحيفة الفاينانشال تايمز