عمان اليوم

وندسور في رحلة السلطان برغش.. القلعة كما رآها كاتب من زنجبار

18 أكتوبر 2026
18 أكتوبر 2026

"عمان": كانت خمس عربات ملكية تنتظر السلطان برغش بن سعيد عند محطة وندسور، وقد خُصصت لركوبه عربة تجرّها أربعة خيول. اصطف الجنود حاملين راياتهم، وعزفت الموسيقى العسكرية، فيما احتشد الناس للترحيب بسلطان زنجبار القادم للقاء الملكة فيكتوريا. ومن المحطة إلى القصر، أخذت الرحلة شكل موكب يمر بشوارع البلدة، قبل أن يدخل إلى مقر ملكي سيفرد له كاتب الرحلة صفحات من الوصف، متنقلا بين أبراجه وقاعاته وحدائقه وما تختزنه جدرانه من صور الملوك والحروب.

يحفظ كتاب "تنزيه الأبصار والأفكار في رحلة سلطان زنجبار"، الذي جمعه زاهر بن سعيد "البحري النخلي"، الكاتب الأول في دار السلطان برغش وأصدرته وزارة "التراث القومي والثقافة"، رواية مفصلة لهذه الزيارة. ويصف المؤلف وندسور تارة بالقصر وتارة بالحصن، مستعيدا مشهد الوصول إليها، ثم متوقفا عند عمارتها ومقتنياتها، قبل العودة إلى مجلس الاستقبال الملكي.

غادر السلطان برغش بن سعيد بن سلطان لندن بعد الظهر، يصحبه عدد من خاصته ومرافقيه، إلى جانب شخصيات بريطانية، بينها الدكتور كيرك والدكتور جورج بادجر. ويذكر الكتاب أنهم وصلوا إلى وندسور في الثانية والنصف بعد الظهر، حيث استقبل ممثل الملكة الضيف عند محطة القطار، ثم انتقل الجميع في العربات الملكية إلى القصر.

كان الطقس ممطرا وعاصفا، بحسب الرواية، ومع ذلك اجتمع الناس عند المحطة لتحية السلطان الذي ردّ التحية بيده يمينا وشمالا، بينما أدى الجنود التحية العسكرية. وفي الطريق، استوقفت كاتب الرحلة مدرسة إيتون، التي أشار إلى ضخامة بنائها وعدد طلابها، ثم مضى الموكب يشق طريقه إلى القلعة.

أول ما لفت المؤلف إلى وندسور موقعها المرتفع فوق تل عند نهر التيمس، وقد منحها هذا الموضع حضورا يسبق الدخول إليها، بأسوارها وأبراجها وما يحيط بها من عمران وخضرة. وفي وصفه أن منظرها "يدهش العقل ويحير الأبصار"، وهي عبارة تلخص انطباعه أمام بناء تتسع الرؤية من أعلاه إلى مسافات بعيدة.

داخل القلعة، امتزج وصف العمارة باستعراض الذاكرة الملكية البريطانية. توقف المؤلف عند الأبواب التي حملت أسماء ملوك وعند كنيسة سان جورج وقبور عدد من أفراد الأسرة المالكة. وكان انتقاله من بوابة إلى أخرى، ومن قاعة إلى قاعة، فرصة لتسجيل أسماء وتواريخ ومقتنيات رآها جديرة بأن تُنقل إلى قارئ عربي بعيد عن ذلك المكان.

في إحدى الحجرات، وصف درعا من الفولاذ الدمشقي موضوعا عند تمثال للملكة، وذكر تماثيل لشخصيات عسكرية، بينها نلسون ودوق ولينغتون، وصورا للحروب والانتصارات. ثم انتقل إلى قاعة سان جورج التي ترتبط في روايته بولائم الملوك، وتزينها صور عدد من ملوك إنجلترا السابقين.

استحوذ الأثاث على جانب واضح من اهتمام زاهر بن سعيد، ففي حجرة الرقص، توقف عند الكراسي والموائد المصنوعة من خشب ثمين والمغطاة بالذهب، وقارنها بما في قصر فرساي. وعند حجرة واترلو، سجل حضور الصور التي تستعيد الحرب على نابليون ومعركة واترلو. كانت القاعات، في وصفه، تحمل إلى الزائر رواية عن الحكم والحرب والفن، تتوزع شواهدها بين تمثال ولوحة وقطعة أثاث.

وخصّ اللوحات بعناية كبيرة، متتبعا أسماء الرسامين وموضوعات أعمالهم. أشار إلى صور في حجرة العرش، وأخرى في القاعات والمخادع، وتوقف بإعجاب عند أعمال فان دايك، ومنها صورة للملك تشارلز الأول وصور لأفراد أسرته. وتكشف هذه التفاصيل مقدار الحيز الذي شغله الفن في صورة القلعة لدى المؤلف، الذي حاول نقل وفرة ما شاهده، وإن اختلفت كتابة الأسماء الأجنبية في نصه عن صيغها المتداولة اليوم.

ويميز الكتاب بين القاعات المتاحة للزائرين والغرف الخاصة بالملكة، كما يصف سطحا بمحاذاة الواجهة الشمالية، يتيح الإطلال على "وادي التيمس" والتلال الممتدة نحوه، وسطحا آخر تنزل منه الملكة إلى حديقتها المزينة بالزهور والأشجار والتماثيل الرخامية والنحاسية.

خارج الجدران، اتسعت صورة وندسور لتشمل الحدائق والبساتين. يصف المؤلف الحديقة الخاصة بالعائلة المالكة قرب النهر، وفي وسطها تمثال للأمير ألبرت، زوج الملكة فيكتوريا، ثم ينتقل إلى البستان الكبير، حيث الغزلان والطريق الذي تسير فيه الخيل والعربات، وتظلله الأشجار من الجانبين حتى مرتفع يرد اسمه في الكتاب "تل الثلج"، وعليه تمثال للملك جورج الثالث.

استوقفت كاتب الرحلة أيضا أبنية على طراز منازل الصين واليابان، وبحيرة تحيط بها الأشجار والتلال والمروج. وهكذا امتد وصفه من الحجرات المغلقة واللوحات المعلقة إلى فضاء واسع من الماء والخضرة، يكمل المشهد الذي أراد نقله عن المقر الملكي.

أما اللقاء بالملكة، فقد جرى في قاعة استقبال أُعدت وزُينت للمناسبة. يروي الكتاب أن الملكة فيكتوريا تقدمت لاستقبال السلطان بصحبة ابنتيها، الأميرتين لويز وبياتريس، ثم حضر رجال الدولة وزوجاتهم، وتبادلوا التحية والحديث مع الضيف.

وبعد الاستقبال، دُعي السلطان ومرافقوه إلى قاعة الطعام، حيث تناولوا الطعام مع مضيفيهم، ثم اصطحبهم اللورد تشامبرلين، الذي يصفه المؤلف بأمين دار الملكة، في جولة داخل القصر للاطلاع على قاعاته وغرفه. وفي الرابعة بعد الظهر، ودّع السلطان الملكة والأميرتين، وغادر وندسور عائدا إلى لندن بقطار خاص أمرت الملكة بتجهيزه له.

تمنح هذه الصفحات تفاصيل تتجاوز وصف البناء، فنرى من خلالها طريقة استقبال ضيف في المحطة، وانتقاله بالعربات، ودخوله إلى مجلس الملكة، ثم تجواله بين مقتنيات القصر. ونرى كذلك ما اختار كاتب قادم من زنجبار أن يحتفظ به من يومه في وندسور، من تحية الجمهور إلى لوحات الرسامين، ومن الدروع والتماثيل إلى الأشجار التي تظلل الطريق.

Image