سلاطين البوسعيد.. علاقات خاصة وضيوف تاريخيون في المملكة المتحدة
"عمان": في يونيو 1842 رست السفينة العُمانية "سلطانة" عند رصيف سانت كاثرين على نهر التايمز، وراح بحّارتها يُنزلون الهدايا التي بعث بها السيد سعيد بن سلطان إلى الملكة فيكتوريا. رسمت مجلة "إلستريتد لندن نيوز" المشهد في عددها الصادر في 18 يونيو، فحفظت إحدى صورتين معاصرتين معروفتين للسفينة. لم يكن السلطان سعيد بن سلطان على متن السفينة، كان على متنها مبعوثه علي بن ناصر، والي ممباسا، الذي استقبلته الملكة في التاسع والعشرين من الشهر نفسه، وكانت قد التقته في بعثة سابقة قبل أربع سنوات.
بعد مئة وأربعة وثمانين عاما من ذلك التاريخ ما زالت العلاقة بين عُمان وبريطانيا متينة والأمر نفسه بين الأسرتين الحاكمتين. و بعد غدِ يبدأ حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم زيارة دولة إلى المملكة المتحدة يستضيفه خلالها الملك تشارلز الثالث والملكة كاميلا في قلعة وندسور. وهي أول زيارة دولة يقوم بها سلطان عُماني إلى بريطانيا منذ مارس 1982.
وبين التاريخين سجل حافل بالأحداث والتحولات الكبرى التي شهدها العالم ومن ضمن تلك الأحداث زيارات دولة لسلاطين عُمان وزنجبار إلى بريطانيا وزيارات دولة لملكة بريطانيا لمسقط وزيارات رسمية وخاصة لملك بريطانيا لسلطنة عمان عندما كان وليا للعهد.
ورغم العلاقات المتينة التي جمعت السيد سعيد بن سلطان ببريطانيا إلا أنه لم يزرها ولم يلتق بالملكة فيكتوريا وأدار تلك العلاقة وأعطاها زخمها عبر البحر الذي كان محور القوة والنفوذ في تلك المرحلة التاريخية. وأهدى السيد سعيد بن سلطان الملك وليام الرابع سنة 1836 سفينة حربية "ليفربول"، ورد الملك بأن أهدى السلطان سعيد يختا ملكيا هو اليخت "برنس ريجنت".
وفي عام 1838 وبمناسبة تتويج الملكة فيكتوريا أهداها السيد سعيد بن سلطان تاجا مرصعا بالياقوت والألماس ويرجَّح أنه صُنع بتكليف في إيران القاجارية، بحكم صلات مسقط التجارية القوية بها. وعرضت مؤسسة المقتنيات الملكية التاج في عام 2019 ضمن قطع الشرق الأوسط في البهو الكبير بقلعة وندسور، وهي قاعة مخصصة لصلات الملكية البريطانية بالعالم.
وفي رحلة 1842 حمل علي بن ناصر مبعوث السيد سعيد بن سلطان رسائل إلى وزير الخارجية البريطاني اللورد أبردين، وتعليمات بطلب تخفيف القيود البريطانية على تجارة عُمان. لقيت الزيارة الكثير من الحفاوة وأمرت الحكومة البريطانية بإصلاح السفينة التي حملت مبعوث السلطان على نفقتها، غير أن المباحثات السياسية بين الجانبين كانت عسيرة ومعقدة.
أما أول سلطان من أسرة البوسعيد زار بريطانيا وهو على العرش، فيما تُظهره المصادر المتاحة، فهو السيد برغش بن سعيد، ثاني سلاطين زنجبار. وصل السيد برغش لندن في التاسع من يونيو 1875، واهتمت الصحافة البريطانية بالزيارة وأفردت لها مساحات على صفحاتها وناقشت فيها العلاقات التجارية بين زنجبار والمملكة المتحدة، أما السلطان برغش فبدا مأخوذا بما كان يرى في لندن. ودوّن مرافقه زاهر بن سعيد مشاهدات الرحلة في كتاب "تنزيه الأبصار والأفكار في رحلة سلطان زنجبار"، ونقل مراسل صحفي في لندن إعجاب السلطان بمستشفى سانت توماس المقابل لمبنى البرلمان البريطاني. ويرى باحثون أن ما شاهده السلطان برغش انعكس على مشروعاته اللاحقة في زنجبار، من مدّ شبكة المياه إلى المستشفيات وبيت العجائب وإدخال الكهرباء.
زار السلطان خليفة بن حارب، الذي حكم زنجبار من 1911 إلى 1960، لندن في مناسبات التاج، فحضر تتويج الملك جورج السادس سنة 1937 وتتويج الملكة إليزابيث الثانية سنة 1953 في كنيسة وستمنستر.
كان الاحتفاء بسلاطين عُمان في لندن مختلفا واستثنائيا فحين زار السلطان سعيد بن تيمور إنجلترا في مارس وأبريل من عام 1938، ضمن جولة عالمية شملت اليابان والولايات المتحدة، كانت المراسلات البريطانية تحتفي به وتصفه بالضيف الكبير الذي يزور المملكة. وتكشف ملفات مكتب الهند المحفوظة في المكتبة البريطانية أن المسؤولين تداولوا في مسألة استقباله ضيفا رسميا للدولة، وفي قوائم المدعوين ومآدب الغداء والعشاء ومقابلة مع القسم العربي في هيئة الإذاعة البريطانية. بدأ برنامج السيد سعيد بن تيمور بزيارة الملك جورج السادس في قصر باكنغهام، وتلته عروض للجيش والبحرية وسلاح الجو. ورافق السيد سعيد بن تيمور في تلك الزيارة وفد صغير ضم عبدالمنعم الزواوي.
أما آخر زيارة دولة أقيمت لسلطان عماني في المملكة المتحدة فقد أقيمت للسلطان قابوس بن سعيد، طيب الله ثراه، بين 16 و19 مارس 1982، حين استضافت الملكة إليزابيث الثانية السلطان وأقامت له مأدبة دولة فخمة في قصر باكنغهام، والتقى رئيسة الوزراء مارغريت تاتشر في ذلك الوقت، ثم أقام السلطان الراحل مأدبة في فندق كلاريدجز على شرف الملكة ودوق إدنبرة. وجاءت الزيارة بعد ثلاث سنوات من زيارة الملكة لسلطنة عُمان في 1979، وتبعتها زيارتها الثانية في 2010.
وفي عهد حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم سبقت الدعوةَ لقاءات متتابعة، فقد استقبلته الملكة الراحلة إليزابيث الثانية في قلعة وندسور في 15 ديسمبر 2021 خلال زيارة خاصة وكان بصحبة جلالته السيدة الجليلة حرم جلالة السلطان المعظم، ثم استقبله الملك تشارلز في القلعة نفسها في 4 يوليو 2025، ثم سلّمه رئيس الوزراء كير ستارمر في داونينغ ستريت، في 3 يوليو 2026، دعوة الملك المكتوبة لهذه الزيارة.
في يونيو 1842 حمل مبعوث رسائل السيد سعيد بن سلطان وهداياه إلى لندن. وفي ربيع 1938 كان شاب لم يبلغ العشرين، هو السيد طارق بن تيمور، بين مرافقين قليلين أحاطوا بأخيه السلطان سعيد في زيارته إنجلترا. وبعد ثمانية وثمانين عاما يصل نجله، حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، بنفسه إلى قلعة وندسور، القلعة التي عرضت في بهوها الكبير تاجا أهداه جدّه الأعلى السيد سعيد بن سلطان إلى الملكة فيكتوريا قبل مئة وثمانية وثمانين عاما.
