No Image
بريد القراء

أوجاع نفسية تسرق من الروح هدوءها!

16 أكتوبر 2026
16 أكتوبر 2026

الأوهام النفسية قد تشكل منعطفًا خطيرًا يمر به بعض الناس، يتخيل أشياء كثيرة، ويربط الأشياء ببعضها ليرسم لنفسه خارطة المرض، وقد يقتنع بأنه مريض يحتاج إلى علاج سريع، وعندما يقابل الطبيب يكتشف بأنه لا يعاني فعليًا من أي علة جسدية، وأن الأمر لا يتعدى كونه عارضًا سطحيًا «مؤقتًا» لا يدعو إلى القلق!

الأطباء يؤكدون أن بعض الأوجاع ليست بحاجة إلى دواء بقدر ما تحتاج إلى مشاعر وكلمات واطمئنان بأن الأمور ليست بتلك الصورة القاتمة! بعض الأوجاع العاطفية التي تهاجمنا نتيجة الافتقاد أو الحنين أو الحاجة إلى كلمة طيبة، أو اهتمام، أو نظرة حنونة تخفف ثقل اللحظة التي يُخيّل لنا بأننا بحاجة لزيارة طبيب، بينما الواقع أن أجسادنا تفرز نوعًا من الإشارات العصبية لتخبرنا بأننا بحاجة إلى بعض الهدوء النفسي.

وهذا ما تؤكده الأميرة الأردنية غيداء طلال، وهي رئيسة هيئة أمناء مؤسسة ومركز الحسين للسرطان، في تغريدة لها: «إنّ الألم النفسي أقل ظهورًا للناس من الألم الجسديّ، لكنه ليس أقلّ منه تأثيرًا أو شيوعًا أو إيلامًا. والوصمة المرتبطة بالمرض النفسي هي من أصعب التحدّيات المجتمعية.

من هنا، تأتي أهمية دورنا في إزالة هذه الوصمة، والتأكيد على أنّ العارض النفسي ليس ضعفًا أو عيبًا».

من الواضح للعيان بأن الهموم النفسية قد تكون أكثر عمقًا من أي مرض عضوي، لذا نتفق مع قول أحد الفلاسفة: «ليس كل وجع انكسار ونهاية إنسانية.. فربما كان الوجع نقطة بداية لشيء غامض يختزن في النفس.. فأحيانًا نحتاج إلى صفعة قوية ومؤلمة لنستيقظ من أوهامنا القاتمة!».

أما في الأدب العالمي فهناك مقولة رائعة تقول: «ليس كلُّ ألمٍ خُلق ليُحتمل.. ولا كل صبرٍ تُحمد عاقبتُه»، وهذا القول مفاده بأن بعض الآلام النفسية بها من القسوة ما يشق صدر صخر، ويردي أقوى الرجال، أيضًا الصبر دون علاج عاقبته وخيمة، فالاحتمال الطويل دون وعي لحل المشكلة ليس بالضرورة مفتاحًا للفرج!

يصف العلماء والخبراء الناس دومًا بكلمات تجر معها أفعالًا، ومن بين ما قالوا: «كلما أحسست بأنك تعبت أو صبرك قل، تذكر مقولة سيدنا عمر بن الخطاب: "لو عُرِضَت الأقدار على الإنسان لاختار القدر الذي اختاره الله له"».

نحن في هذه الحياة أقدارنا مكتوبة، لكن مع ذلك نحن مع الله في تغيّر الأحوال، رغم ذلك كل إنسان على ظهر الدنيا يأخذ رزقه كاملًا، حتى في الابتلاءات الله تعالى يعطينا على قدر طاقتنا، ومهما شعرنا بأن الحمل ثقيل وأننا متعبون فالله يقول: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: الآيتان 5 و6]، وأيضًا: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: 286]. الإنسان بطبعه يريد دائمًا السكون والراحة وأفضل الأمور وأسهلها، ودائمًا في شكوى رغم أنه لو أمعن النظر إلى محيطه لوجد أنه أفضل من غيره بمراحل ولديه من نعم كثيرة جدًا في حياته لا يحس بقيمتها لأنه لم يُحرم منها.

والآية في سورة المعارج تصف هذه الحالة البشرية في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾.

يقول الحكماء: «هناك أوجاع نفسية إن سكنت الجسد سرقتْ من الروح هدوءَها، ومن الأيام معناها.. وأحيانًا لا يكون البحث عن الراحة ضعفًا، بل وعيًا متأخرًا بأن الإنسان يستحق حياة أخف من العيش في الوجع».

ودائمًا السؤال هو الطرح الذي يأخذنا إلى المعرفة، وسؤالنا: هل كل أوجاعنا مرض عضوي فقط؟

الجواب وبكل ثقة: لا، فالأصل أن الألم هو إشارة إنذار ووسيلة دفاعية يرسلها الجسم ليخبرنا أن شيئًا ما يحتاج إلى انتباهنا، وليس بالضرورة أن يكون دليلًا على وجود علة عضوية أو مرض خطير، وبعض الأمراض العضوية تكون صامتة لوقت طويل، بمعنى أن بعض الأعضاء الجسدية تعاني من الضعف واختلال في وظائفها، لكنها لا تصدر طنينًا أو إشارة على هيئة ألم، لكن الأمراض النفسية سرعان ما تظهر على الأشخاص المصابين بها، كونها مرتبطة بالروح أكثر من الجسد.