البرازيل ونهاية المد اليساري
14 أكتوبر 2026
14 أكتوبر 2026
في بلد يفوق تعدادها 213 مليون نسمة، يبدو السباق الرئاسي في البرازيل عصيا على الحسم - ليس من الجولة الأولى على الأقل.
يعيش أكثرية سكان البلاد -التي تكاد تحتل قارة بأكملها- في أوضاع صعبة، معيشتهم مهددة بالديون وارتفاع التكاليف. أمانهم مهدد بتنامي نشاط العصابات. الملايين منهم يفتقرون لأبسط الحقوق العمالية كأن يكونوا مسجلين. والملايين ممن يعيشون خارج المراكز الحضرية محرومون من المرافق والخدمات والبنية التحتية الأساسية لضمان الوصول للمياه المعالجة والصرف الصحي والنقل الميسور.
وهكذا، يبزغ بولسونارو الابن كبديل يعد بالتنمية الاقتصادية، بفتح الأسواق، بعلاقات أوثق مع أمريكا.
إنه نجل رئيس سابق يخضع اليوم للإقامة الجبرية بعد إدانته بالتآمر لتدبير انقلاب؛ لأنه مثل ترامب لم يقبل بخسارة منصبه.
ويعد الابن الواثق من انتصاره بأن يصعد طريق القصر مع والده يوم تنصيبه.
كان الأب قد نجح في 2018 بتسخير القوة الكامنة وراء الشبكات الاجتماعية، خصوصا عندما أهداه القدر (أو التدبير) فرصة أن تسجله الكاميرات وهو يسقط بعد طعنة أصابت جذعه قيل إنها محاولة اغتيال من تدبير اليسار.
وقتها جاء الرجل بوعود لمكافحة الجريمة وتحسين الأوضاع الاقتصادية. والرجل مناهض للديموقراطية والأحزاب السياسية، منحاز للمصالح الاستخراجية في منطقة الأمازون، ومعجب بالنزعة العسكرية الإسرائيلية. قاعدته (كما هو الحال مع ابنه اليوم) مكونة من الطبقة المتوسطة البيضاء، إلا أنه كسب أصواتا كثيرة من ناس لم تتفق مع أيديولوجيته؛ لكنها -كما يحدث كثيرا اليوم- أرادت شيئا آخر. والابن كأبيه ينجح في الوصول إلى اليائسين الذين يريدون شيئا آخر.
في الجولة الأولى تفوق المرشح اليميني السيناتور فلافيو بولسونارو على غريمه اليساري لويس إيناسيو لولا دا سيلفا الذي حكم لثلاث فترات رئاسية ويطمح للفوز بالرابعة.
المرشح اليميني بولسونارو الذي حصد 47٪ من الأصوات (مقابل 45٪ للولا)، لم ينجح في تجاوز الـ50٪ وهو شرط الفوز بالانتخابات، ما عنى أن المرشحين تأهلا لجولة أخرى تُعقد نهاية الشهر.
يركز المرشحان الآن على كسب أصوات الستة ملايين ناخب ممن شاركوا في الاقتراع وقرروا ألا يصوتوا لأي مرشح، وكذلك الـ 33 مليونا الذين امتنعوا عن التصويت.
منذ 2023 ودول أمريكا اللاتينية تتحول من اليسار إلى اليمين، في تراجع لما يُسمى بالمد الوردي، الذي يصف صعود الأحزاب اليسارية والاشتراكية الديموقراطية بسياساتها الاقتصادية والاجتماعية المركزة على الخدمات العامة، المتحفظة في فتح الأسواق، والميالة لتدخل الدولة لضمان العدالة الاجتماعية.
واصل لولا في ولايته الحالية النهج الذي بدأه منذ أول ولاية في 2003 بميل نحو الوسط، وصولا إلى ما أصبح يُطلق عليه النيوليبرالية التقدمية، والذي عنى قدرا من الانتصار للحريات الفردية وقضايا العرق والجندر، مقابل سياسات نيوليبرالية اقتصادية، منح دور أكبر للقطاع الخاص، إضعاف النقابات العمالية، فرض سياسات متقشفة للتعليم، إهمال القطاع الصحي والرعاية الاجتماعية ومعاشات التقاعد، ووضع الإسكان تحت تصرف قطاع الأعمال.
ورغم أن سياساته البيئية حمت غابات الأمازون من الزحرجة (deforestation أي إزالة الأحراج والغابات)، إلا أن مصادرها الطبيعية بقيت عرضة للتوسع والاستغلال.
لطالما كان موضوع تطوير الأمازون، وما يعنيه من إضرار بالطبيعة والسكان الأصليين، موضوع جدل، أسفر عن استقالة رئيسة البيئة خلال فترة لولا السابقة.
يُعارض السكان الأصليون مشاريع التطوير، ويجدون أنفسهم ضحايا لسياسات الدولة التي تُيسر عبث الشركات.
خلال العقد الذي حكم فيه حزب العمال (الذي ينتمي إليه لولا) اغتيل أكثر من مائتين وخمسين من القادة الأصليين، وهذا إحصاء من 2022 وبذلك لا يشمل فترة لولا الحالية. فإن كان هذا هو الحال في ظل الحكم اليساري، فكيف يُمكن أن يُصبح إذا ما آل مصير الغابات وسكانها إلى حكومات اليمين التي تنظر باستخفاف إلى سياسات حماية البيئة، وترى أنها عراقيل في سبيل التنمية.
مشكلة اليسار الحاكم - في رأي الباحث برناردو جوريما Bernardo Jurema - هو الافتقار للخيال السياسي الضروري لوضع استراتيجية تؤسس لتغييرات طموحة مستقبلا؛ إذ يميل لتحقيق انتصارات غير مستدامة معتمدة على الظروف واستهلاك الموارد، تُحسن من حياة الطبقات الوسطى، لكنها تهدد الطبقات الدنيا وتدفعها أعمق في العوز.
صحيح أن معدلات البطالة قد تراجعت في ظل لولا، إلا أن سياسته ستهدد العمال وحقوقهم على المدى الطويل.
يبدو أن النموذج الترامبي يتوسع حول العالم؛ هذا النموذج الذي يجمع بين التنمية الغاشمة، النفور من العمل السياسي الديموقراطي لاتخاذ القرارات، عدم إعطاء اعتبار للكوكب وسكانه ممن لا ينتمون للعرق الأبيض، الكفر بالمؤسسات الدولية، النفور من الضوابط والقوانين، اللجوء المتهور للعنف والحلول العسكرية، والسير في الحياة السياسية بتهريج وتعال ونرجسية، وكأن الغد لن يأتي أبدا، والذاكرة لن تحفظ ما يفعلون.
