No Image
عمان اليوم

أسماء الإسماعيلي فقدت أطفالها فحولت وجَعها إلى عطاء لأكثر من 300 أسرة

17 أكتوبر 2026
17 أكتوبر 2026

في كل بيت من بيوتنا هناك أسرار وخبايا ومعاناة لا تظهر للعلن، وتأتي رعاية طفل أو طفلين يعانيان من مرض نادر من أصعب التحديات التي تواجه أسرهم، هكذا خاضت أسماء بنت سعيد الإسماعيلي مرارة تجربة رعاية طفلين يعانيان من مرض نادر، وحولتها إلى أمل وعطاء لا ينضب.

رزقت أسماء بثلاث بنات بحالة طبيعية، وبعد عدة محاولات للإنجاب مرة أخرى دامت 8 سنوات من الصبر والعلاج، رزقت بطفل جميل أسمته «هارون» عام 2009، وتلاه «أحمد» عام 2012. وعندما بلغ هارون الثالثة والنصف من عمره بدأت تظهر عليه علامات المرض، كالتشنجات المتتالية، وفقدان المهارات الحركية بالتدريج، ومن هنا بدأت رحلة البحث عن الأسباب، وتكررت التحاليل المخبرية، وأصبح القلق هو المسيطر على قلب أسماء.

وتكمل أسماء حديثها حول رحلة التشخيص، وقالت: استمر التشخيص عامًا كاملًا، وخلصت التحاليل إلى إصابته بمرض نادر يسمى (Neuronal ceroid lipofuscinosis type 2 - NACL2) والذي يندرج تحت مجموعة «أمراض باتن» النادرة، فقررت السفر إلى ألمانيا للبحث عن إجابات ترضي غريزة الأمومة لديها. وبعد نتائج الفحوصات تبين أن المرض نادر لا علاج له، وإنما هناك علاجات تخفف من تطور المرض في حال تطبيقها مبكرًا للطفل، ويبدأ فيه الطفل فقدان المهارات وعدم القدرة على الحركة والانهيار كلما مرت السنوات.

صدمة تلو الأخرى

في ألمانيا أثناء البحث عن أمل لعلاج هارون تلقت أسماء خبرًا كالصاعقة!! حيث تبين بعد إجراء الفحوصات أن طفلها الأصغر أحمد مصاب بالمرض النادر نفسه تمامًا. هنا أدركت حجم المصاب، وكان لا بد من الوقوف ومواجهة كل الصعاب في سبيل رعاية طفليها وتوفير كل ما يستلزم لهما.

عادت أم هارون من ألمانيا بعد عجزهم عن الحصول على علاج تجريبي يخفف من وطأة أعراض المرض، وكان باهظ الثمن؛ حيث بلغت تكلفته حوالي 250 ألف ريال!! ومن شروط العلاج أن يكون مبكرًا، وكان طفلها قد تقدم في مرضه، فقررت البدء برحلة ترتيب المواعيد والمراجعات في «وطنها الأم»، وصدق من قال «أم»؛ لأن الإنسان لا يجد من يطبِّب جراحه ويحتويه بدون مقابل إلا أمه!!

كانت أم هارون تبذل كل ما أوتيت من عزيمة وإصرار لمتابعة أطفالها، وخاصة الطفل هارون الذي انتكست حالته الصحية، حتى عام 2018؛ حيث ودعت هارون إلى الأبد، وكان رحيله صدمة وكسرًا لا يوصف حسب تعبيرها، ولم تتركها الصدمة والحزن على فراق طفلها والتقاط أنفاسها والوقوف على قدميها!! فقد بدأت أعراض المرض تغزو جسد الصغير أحمد وتنهكه، هنا لا مجال للانكسار، ونهضت من جديد على قدميها للكفاح مع طفلها أحمد.

من رحم المعاناة تولد الفكرة..

بعد رحلة طويلة بين أروقة المستشفيات والمراكز الصحية ومراكز التأهيل، ومراكز الطب الوراثي، درست أم هارون كل ما مرت به بدقة، وباتت لديها خبرة كافية في تسيير رحلة العلاج لأحمد، ولمست معاناتها ومعاناة الأمهات بين أروقة التنويم، وكونت علاقات جيدة مع الكادر الطبي الذي لم يتوانَ في تقديم الرعاية لأطفالها، ولمعت في رأسها فكرة إنشاء مجموعة خاصة لأمهات الأطفال النادرة، وبعد مشاورتها للكادر الطبي، رحبوا بالفكرة، وتم تأسيس «مجموعة الدعم الأسري للأمراض النادرة» عام 2018، وقد ساهم في التأسيس وبادر فيها كل من المكرمة الدكتورة صباح بنت محمد البهلاني، الرئيسة التنفيذية لجمعية التدخل المبكر، والدكتورة نادية الهاشمية، استشارية أمراض استقلابية، والدكتورة عبير بنت أنور الصائغ، التي تشغل منصب المديرة العامة لمركز السلطان قابوس المتكامل لعلاج وبحوث أمراض السرطان، فكنّ يقدمن يد العون للمجموعة وأمهات الأطفال.

وأكملت أسماء حديثها حول إشهار المجموعة، وقالت: حتى يكون للمجموعة إطار رسمي ومنظم، بادرت الدكتورة صباح البهلانية إلى ضم المجموعة تحت إشراف جمعية التدخل المبكر للأطفال ذوي الإعاقة، وهذه الخطوة تُشكر عليها، واحتضنت المجموعة لتنطلق بعدها مسيرة إشهار المجموعة، وقد تم الإشهار الرسمي عام 2019، وذلك في فعالية توعوية نظمتها المجموعة بالتعاون مع الرابطة العمانية للطب الوراثي والمركز الوطني للصحة الوراثية بمناسبة اليوم العالمي للأمراض النادرة الذي يصادف آخر يوم من شهر فبراير من كل عام.

بين التردد والخوف

وعن عقبات البدايات قالت الإسماعيلية: إنها كانت صعبة، ولم تكن مهمة سهلة؛ فعندما خطرت لها فكرة إنشاء مجموعة لدعم أمهات الأطفال المصابين بأمراض نادرة في سلطنة عُمان، اصطدمت بجدار من الخوف والرفض؛ لأن العديد من الأمهات لم يتقبلن الفكرة، ليس لعدم الحاجة، ولكن بسبب وصمة العار التي كانت تحيط بهذه الأمراض في بعض المناطق؛ نظرًا لقلة الوعي، مثل الخجل، والإنكار، والخوف من نظرات المجتمع، وكل هذه كانت حواجز منعت الكثير من الأمهات من الانضمام.

ورأت الإسماعيلية أن السعي في إقناع الأمهات للانضمام للمجموعة بات من أهم أولوياتها بالرغم من اشتغالها برعاية طفلها «أحمد». وقالت: مع الوقت، وبفضل التشجيع والدعم من بعض الأطباء، وبناء الثقة بين المجموعة والأمهات، بدأ الضوء يظهر شيئًا فشيئًا، فانضمت أم ثم أخرى، ثم بدأنا نشكّل نواة صلبة، صغيرة ولكن صامدة، حتى وصل عدد الأمهات إلى أكثر من 300 أم من كل المحافظات.

وقالت الإسماعيلية: «أصبحنا عائلة من الأمهات، نتشارك الألم والخبرة، نمد أيدينا لبعضنا، نُسند من يتعثر، ونمنح أنفسنا لحظات من القوة والأمل. نحن لا نحارب المرض فقط، بل نحارب العزلة، والصمت، والتجاهل، ونبني صوتًا لمن لا صوت له، ونسعى لأن يكون لكل طفل نادر حياة تستحق أن تُعاش». وأضافت أن المرض النادر لم يكن سببًا للانطواء، بل أصبح مصدر قوة؛ حيث بدأت الأمهات في نشر الوعي بأنفسهن، وفي ولاياتهن، وبعضهن أنشأ حسابات خاصة على منصات التواصل الاجتماعي لتوثيق قصص أطفالهن، ويومياتهن، وتفاصيل التحديات التي يواجهنها. وهذه الخطوات الشجاعة كانت بمثابة إعلان انتصار على الصمت، والخوف، والوصمة المجتمعية، فهن يؤمنّ أن الوعي هو أول خطوة نحو القبول والدعم.

تكاتف المجموعة ونشاطها

وتحدثت أسماء الإسماعيلية عن أهداف المجموعة التي تتمثل في الاحتواء والدعم النفسي والمطالبة بحقوق الأطفال ذوي الأمراض النادرة، وأشارت إلى المناشط التي قامت بها المجموعة على مدار السنوات، بدءًا من تأسيس عدة لجان فيها، مثل اللجنة الإعلامية، التي تختص بنشر أخبار المجموعة والتغطيات بالإضافة إلى عمل لقاءات للأمهات، سواء مباشرة عبر برامج التواصل الاجتماعي، أو عبر الكتابة، بهدف الاستماع لمعاناتهن واحتوائهن، وتبادل الخبرات بينهن، وتختص اللجنة الاجتماعية باحتواء الأمهات وحل مشكلاتهن، والتخفيف من وطأة المعاناة، فبين كل فترة وأخرى تفقد أم طفلًا من أطفال المجموعة النادرين، فتتكاتف الأمهات للتخفيف عنها و مواساتها.

وأكملت الإسماعيلية حديثها: أما لجنة التوعية فتختص بتقديم الورش والمحاضرات للمجتمع للتعريف بالأمراض النادرة بالتنسيق مع الجهات المختصة، وتختص اللجنة الطبية بلمس حاجة الأمهات للأجهزة الطبية والوعي حول استخدام المعدات الطبية والأدوية، أما لجنة التعليم فتسعى إلى إرشاد الأمهات حول المراكز المناسبة لتأهيل أطفالهن بما يتناسب مع قدراتهم العقلية.

وفي الختام، وجهت كلمة أخيرة، فقالت: «عند تأسيس المجموعة حملت على عاتقي هذه الرسالة، والآن بعد هذه السنوات ومع رحيل ابنيّ «هارون، وأحمد الذي تبعه هذا العام»، كرست حياتي لحمل الرسالة وخدمة المجتمع، كخبيرة توعية وكاتبة في مجال الأمراض النادرة وذوي الإعاقة بشكل عام، صحيح أن أبنائي رحلوا، ولكن رسالتي باقية وفاءً لهم».