تحالفات الخليج القديمة غير صالحة لعصر الاضطرابات الجديد

13 أكتوبر 2026
13 أكتوبر 2026

ترجمة: أحمد شافعي

في يوم السبت الماضي شن الحوثيون هجوما مميتا على العاصمة السعودية الرياض. ففي وقت كتابة هذه السطور كانت الهجمة الصاروخية على مطار الملك خالد الدولي قد قتلت ثلاثة عشر شخصا على الأقل وأصابت ثلاثمائة آخرين، وهو ما يمثل منعطفا خطيرا في الأتون الإقليمي الذي يزداد اضطراما.

فقد كان ذلك هو الهجوم الأشد دموية على أي بلد في الخليج منذ أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما على إيران في فبراير.

وتعد حصيلة الموتى هذه في المملكة العربية السعودية، وهي البلد الذي لم يألف مثل هذه الخسائر، حصيلة شديدة الارتفاع ومن المرجح أن تؤدي إلى رد دموي.

على مدار العام الماضي دخل الخليج حقبة اضطراب جديدة غير مؤقتة، ولا يمكن ردها على أعقابها. وقد يبدو في هذا شيء من المغالاة؛ فالخسائر البشرية قليلة نسبيا في نهاية المطاف عند المقارنة بغزة وإيران، لكن تآكل السلام والأمن تدريجيا في منطقة الخليج قد أحدث تغيرا أشد جذرية مما يروق للقادة هناك أن يعترفوا به.

وقع أول أمر جريء لا يتصوره العقل قبل أكثر قليلا من العام حينما أطلقت إيران صواريخ على قاعدة جوية في قطر تستضيف قوات أمريكية ردا على ضربات أمريكية لمنشآت نووية إيرانية. كان ذلك الهجوم الذي أضاء سماء الدوحة ونثر الشظايا فيها لحظة مروعة للقطريين الذين حاولوا الحفاظ على علاقات طيبة مع إيران.

لكن حتى في ذلك الحين كان ثمة درجة من الإنذار والتنسيق أشارت إلى أن الأمر لم يكن يرمي إلا إلى حفظ الإيرانيين لماء وجوههم.

لكن حدث في وقت تال من عام 2025، ودونما إنذار أو تنسيق مماثل، أن ضربت إسرائيل الدوحة مستهدفة أعضاء في جماعة حماس فقتلت خمسة فلسطينيين وقطريا. وتلك كانت بداية النهاية لوضع راسخ وتوقع دائم بأن للأرواح والسيادة في الخليج قداسة تكفلها إدارة العلاقة مع إيران والتحالفات القائمة مع الولايات المتحدة.

ثم جاءت حرب دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو على إيران التي ألقت بالخليج مرة واحدة وإلى الأبد في غمار المعركة؛ ففي معرض رد طهران على ما تراه دعما سياسيا وعسكريا ولوجستيا للعدوان عليها، وجهت إيران ضربات للمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين والكويت وسلطنة عمان.

كما استهدفت مواقع عسكرية ومنشآت طاقة ومحطات لتحلية مياه البحر، أي البنية الأساسية الكاملة التي يقوم عليها اقتصاد هذه البلاد.

ووقع ضرر كبير بسبب تعطل الحياة الطبيعية وإغلاق المدارس لشهور وإغلاق المطارات والمجال الجوي.

وكانت أشد العواقب كارثية على الإطلاق، من وجهة نظر حكام الخليج، هي أن الضربات عرقلت اندماج هذه البلاد في مجتمع كوزموبوليتاني دولي بوصفها مقاصد للسياحة وريادة الأعمال والرياضة والترفيه. فقد أنفقت هذه البلاد مليارات من أجل الحصول على سباقات فورميلا (1) وبطولات الجولف والملاكمة فجاء وابل من الطائرات المسيرة الرخيصة ليعرض هذا كله للخطر.

وكانت النتيجة تفككا تجدّدت بسببه عداوات كانت كامنة؛ فلقد بدأت حرب اليمن الأهلية في عام 2014 حينما استولى الحوثيون ـ الطامحون إلى مزيد من الاستقلال الذاتي - على العاصمة صنعاء. في 2015 نفذ تحالف تقوده المملكة العربية السعودية حملةً قاسية لإخراج الحوثيين من المناطق التي ظفروا بها، فأدى ذلك إلى احتدام الحرب الأهلية الطاحنة التي لقي مئات الآلاف مصارعهم فيها، وتسببت في كارثة إنسانية.

وهدأت الحرب في عام 2022 بتقسيم عملي وإن يكن غير رسمي للبلد بين الحوثيين وحكومة مدعومة من السعودية ومعترف بها من المجتمع الدولي، وحدث بعد وقف إطلاق النار تقارب بين المملكة العربية السعودية وإيران.

ثم جاءت حرب 2026 على إيران فأتاحت فرصا استراتيجية، وأثارت ولاءات سياسية، فازداد تقدم الحوثيين في اليمن ازديادا كبيرا.

فقد حول إغلاق مضيق هرمز مثلا المزيد من الشحن التجاري إلى الساحل اليمني، فدفع ذلك الحوثيين إلى التقدم للاستيلاء على الأرض بهدف اغتنام السيطرة على مضيق باب المندب في البحر الأحمر الذي باتت له أهمية جديدة.

وبلغت التوترات ذروتها بعد خمسة أشهر من بداية الحرب بتصعيد المملكة العربية السعودية ضرباتها للحوثيين، وقصْف الحكومة المدعومة من السعودية مطارها في صنعاء لمنع طائرة إيرانية من الهبوط فيه. وليست هذه التطورات محض نتيجة لقيام جماعة تنتهز فرصة المنافسة الكبيرة بين إيران والغرب؛ فقد يكون الحوثيون مدعومين من إيران، لكنهم ليسوا محض وكلاء تابعين لها؛ وذلك لأن لهم مطامح محلية وعداوات إقليمية شديدة.

وقد قال مسؤول حوثي رفيع المستوى: إن ضربة يوم السبت الماضي قد تمت «لكي يفهم العالم» أن البنية الأساسية المدنية اليمنية تعرضت وتتعرض لاستهداف من السعوديين، في إشارة إلى شعور لدى الحوثيين بأن الرياض تستهين بحياة اليمنيين.

وما نشهده في المنطقة الآن هو، من منظور آخر، عاقبة أخرى لهجمات حماس في السابع من أكتوبر سنة 2023 على إسرائيل وما أعقب ذلك في غزة ولبنان وإيران.

ولقد هوت القطعة الأخيرة من عوامل استقرار التوازنات القلقة في المنطقة حينما قرر دونالد ترامب أن سلامة حلفاء الولايات المتحدة في الخليج وأمنهم ثانويين بالقياس إلى «نزهته» في إيران بحسب ما أطلق عليها. فبات جليا للحلفاء والأعداء على السواء أن للاعتماد على مظلة الأمن الأمريكية حدودا.

في الشهر الماضي رفضت إدارة دونالد ترامب تمديد المساعدة العسكرية للمملكة العربية السعودية لمحاربة الحوثيين بعد لقاء تم بين مسؤولين أمريكيين والحوثيين أكد فيه الأخيرون أنهم لن يهاجموا السفن الأمريكية في البحر الأحمر، وإنما سيقتصرون على السفن السعودية.

فما تواجهه المملكة العربية السعودية الآن هو حرب عنيدة طويلة مع خصم بارع ومتحمس ومستعد لإطالة أمد درجة عالية من الألم لا تستطيع الرياض أن تضاهيها دون أن توجه نفسها كلية إلى الحرب. ولو أن لنا في حملة 2015 مؤشرا فإن هذه الحرب سوف تحصد أرواح الآلاف مع احتمال بعيد لتحقيق نتيجة حاسمة.

وهكذا ينجرف السعوديون والخليج كله إلى عاصفة لا تهدأ.

ولا يستطيع دونالد ترامب إنهاء حرب إيران، وتبقى غزة جرحا مفتوحا، وتستمر إسرائيل في ضرب أجزاء من لبنان واحتلالها. ويمثل صعود الحوثيين واقعا جديدا في منطقة مرتبكة تفقد الأرواح ورأس المال، وتبقى عالقة بين تحالفات قديمة لم تعد ناجعة وعداوات جديدة تستعصي كارثيتها على المواجهة.

نسرين مالك من كتاب أعمدة الرأي في الجارديان