عمان اليوم

حكاية أم

17 أكتوبر 2026
17 أكتوبر 2026

يأتي يوم المرأة العمانية للإشادة بإنجازاتها في مختلف الميادين، وتكريم أسماء بذلت الجهود لتترك بصمتها في مجالها، وأرى أن هذه المناسبة فرصة لتسليط الضوء على أمهات أطفال التوحد، وتغيير الطريقة التي نتحدث بها عنهن والتي تختزل صورتهن في الألم والمعاناة، بينما نجد بينهن أمهات يعملن ويدرسن ويبدعن ويؤسسن مشاريع، ويشاركن بمبادرات في المجتمع، ويقفن إلى جانب أسر أخرى.

في أول لحظة تسمع فيها الأم تشخيص ابنها بالتوحد، تبدو الكلمات بسيطة على مسامعها، لكن داخلها تُحدث ضجيجا وفوضى كبيرة، فتعلق بين حيرة وأسئلة تتكاثر كلما حاولت فهم الأمر، فماذا يعني أن يكون لها طفل توحدي؟ وهل سيتفاقم هذا الأمر؟ وكيف سيتعلم؟ ما فرص أن يصبح أفضل؟ وإذا كان يصنف من ذوي الاحتياجات الخاصة فكيف يمكنها مساعدته؟ وكيف سينظر له المجتمع؟

وربما يخطر في بالنا أن الموقف ينتهي هنا، لكن الحقيقة أن التوحد لا يغير حياة طفل، بل حياة أسرة بأكملها، فتبدأ الرحلة التي تقودها الأم بصبر وحب، فتبحث عن المعلومة وسبل العلاج، وتستفسر عن التجارب السابقة، لتتعلم من كل مصدر يقع بين يديها، وتقضى وقتها بين حجز المواعيد ومرافقة طفلها لجلسات التأهيل والمتابعة، والتواصل مع المدرسة لتراقب تطوره، وتحاول أن تفهم سلوكه لتتواصل معه بطريقة تناسبه، ومع مرور الوقت قد تجد نفسها صوته الذي يعبر عن احتياجاته، ويده التي تشير لحقوقه، وجسر التواصل بينه وبين الآخرين، وهنا تتجلى حقيقة الأمومة لمن له طفل توحد لتحمل تفاصيل إضافية لا يراها الكثير ممن حولهم.

ووسط محاولتها للتوفيق بين أسرتها وعملها واحتياجات هذا الطفل وحياتها الخاصة، يقتات على أفكارها قلق مستمر على مستقبله، فتواجه أسئلة أخوته، ونظرات أقاربه وجيرانه، وأحكام من لا يفهم طبيعة السلوكيات المرتبطة بالتوحد فيفسرها دلال أو سوء تربية، وقد تتحول بعض السلوكيات لمصدر إحراج بينما في حقيقة الأمر ما هي إلا تعبير عن صعوبة في التواصل أو استجابات خاطئة للمثيرات، وتكافح الأم للدفاع عن يقينها أن وراء هذه السلوكيات احتياجا، تتطلب من الآخر الفهم قبل الحكم.

ثمة جانب آخر من حياة هذه الأمهات لا يظهر في القصص التي نسمعها عن التوحد، تلك المعركة اليومية مع الإرهاق وهي تبدو صامدة تحاول التوفيق بين احتياجات طفلها واحتياجات بقية أفراد الأسرة ومسؤولياتها الشخصية، والتي ينظر لها البعض بأنها أمرا طبيعيا، ومهما أظهرت هذه الأم من قوة إلا أنها تظل في حاجة ماسة لمن يساندها، فالأسرة التي لديها طفل توحدي لا تحتاج خدمات موجهة للطفل فقط، بل تحتاج للدعم اجتماعيا ونفسيا.

وفي يوم المرأة العمانية، بدل أن يقتصر الحديث بذكر إنجازاتها في العمل والتعليم والمجتمع، يمكننا رواية حكاية أم طفل التوحد التي اختارت أداء الأدوار والمسؤوليات رغم ما تواجهه من تحديات وظروف تؤثر في قدرتها على المواصلة، وتكريمها بالإشارة لهذا العمل الذي يغيب عنه التمكين.

والتكريم الحقيقي لهذه الفئة يبدأ بتوفير من يساعدها على الاستمرار، وذلك بتعزيز الوعي المجتمعي بالتوحد، وتوفير المعلومات الموثوقة للأسر منذ المراحل الأولى، ودعم خدمات التدخل المبكر، وتطوير الممارسات التعليمية لدمجهم، وتوفير الإرشاد النفسي والأسري، وتهيئة بيئات عمل أكثر مرونة للأمهات اللواتي يحتجن إلى متابعة أطفالهن، ومن جهة أخرى فإن التمكين لهن لا يعني فقط توفير فرص التطور والمشاركة المجتمعية فحسب، بل يعني أيضا أن تحصل على مساحات آمنة تتنفس فيها بعيدا عن ضغط المسؤولية اليومية، وبيئة تساعدها على الاستمرار في حياتها وطموحاتها

تبقى لهذه المرأة علاقاتها وطموحاتها ومن حقها أن تعيش وقتها الخاص وتشعر بأمان لمستقبل ابنها، وقد استطاعت الكثير من الأمهات تحويل تجاربهن لمعرفة تخدم أسرا غيرها، لهذا فالسؤال هنا كيف نجعل طريق الرحلة أقل صعوبة على المرأة التي ترعى طفلا من أطفال التوحد؟ فالمرأة التي تمنح طفلها الأمان تستحق أن تجد مجتمعا يمنحها الأمان وهذا جوهر الاحتفاء الحقيقي بالمرأة العمانية

فاطمة الزعابي كاتبة وباحثة تربوية