عمان اليوم

الكاتبة الأم: بين الشغف الأدبي ومعجزة التوازن

17 أكتوبر 2026
17 أكتوبر 2026

خلال سنوات الزواج الأولى، ومع ولادة الطفل الأول وبداية تراكم المسؤوليات والالتزامات الأسرية وتقاطعها مع الارتباطات المهنية، كنت أتساءل كثيرًا: كيف للكثير من الكاتبات والأديبات الأمهات أن يستطعن كتابة روايات ومجموعات قصصية؟ وكيف يمتلكن الوقت الكافي لكتابة أكثر من مائتي كلمة ودفعها للطباعة، وإصدار العديد من الإصدارات خلال سنوات متتالية؟ كنت أتساءل كيف تتفكك حبسة الكاتب وسط ضجيج الأطفال وبكائهم، وكيف تهبط الفكرة السردية وسط كومة من رسائل البريد الإلكتروني، وسيل التقارير الشهرية، ومدير متطلب لا ينفك يقذف بباب المكتب بعيدًا في كل مرة يلقي فيها عشرات المهام على عاتقي؟

كانت القضية بالنسبة لي تقترب من كونها قدرة خارقة لا تمتلكها إلا قلة من النساء، حتى إنني دعوت إلى عمل ورشات عمل مخصصة فقط في كيفية التوازن بين الشغف الأدبي والكتابة والقراءة وبين تربية الأطفال والحمل والولادة، بالإضافة إلى العمل لمدة نصف يوم في وظيفة إدارية طوال السنة دون توقف.

مرت السنوات وتفاقمت المسؤوليات، ولكن الشغف، ومخطط طباعة وإصدار أول رواية لي، كانا يزدادان يومًا بعد يوم. لم يكن هناك أي خلطة سرية لتحقيق ذلك، ولم أكن مضطرة لأن أعمل على حيلة أدبية سحرية تعينني على تدفق السرد دون الحاجة إلى تأجيل أي من مخططاتي مع الأسرة، أو ربما الاكتفاء بكتابة القصص القصيرة التي لا تتعدى ست صفحات، والتي كانت ترى النور كالطفل الصغير دون الحاجة إلى أي عزلة عن العالم الخارجي.

كان الأمر أشبه بلحظة إدراك وقناعة تشكلت في لحظة من الزمن عندما حصلت على فرص متتالية للانضمام إلى ورش في كتابة الرواية التي يصدف أن أغلب مدربيها من النساء، وجميعهن أمهات وموظفات مثل الجميع من حولنا؛ حيث كانت الاستفادة على نطاق واسع ومتعدد. ولكن أكثر ما علق في ذهني أن الكاتبة الأنثى التي سبقتني في طباعة إصداراتها تشترك معي في كل معاناتي كأم موظفة بدوام كامل وطالبة ماجستير ومسؤولة عن قبيلة كاملة في مجتمع لا يعترف سوى بالتكافل والروابط الاجتماعية التي لا تستطيع التملص منها.

كما أن الفكرة يمكن أن تولد في المساحات الضيقة؛ لحظة انتظار طبيب الأسنان، أو في قضية عابرة تقفز أثناء الازدحام المروري في عقبة العامرات في طريقي إلى العمل، حتى كتابة هذا المقال تحدث وأنا على مقاعد مقهى المشفى بعد سلسلة من الإجراءات الطبية.

نحن النساء نشترك في همومنا وطموحاتنا ورغباتنا أيًا كان مستوانا التعليمي والأدبي والاجتماعي، ويُتوقع منا تقديم حضور اجتماعي كامل، ودرجة تقييم ممتازة في نهاية العام، وزيارة الأهل، وتقديم واجب العزاء، وعدم التقصير في تربية طفلين أو ثلاث، وقائمة طويلة لا نهاية لها، إلا أننا نتفق أن إدارة الوقت والشغف نحو حياة أفضل هو أكثر ما يشغل تفكيرنا ويقض مضجعنا؛ لذلك كانت الفكرة تتجلى كواقع يجب علي مواجهته والخروج بمنافذ له دون الحاجة إلى تقديم أي تنازلات.

أدرك اليوم أن حدوث فعل الكتابة أو القراءة لا يتحقق بالتفرغ أو الإلهام أو الشغف وحده، وإنما بالقناعات والمبادئ التي يُبنى عليها الفعل، وإن كان لنا أن نتحرر من شيء، فهو التحرر من الأفكار المغلوطة التي يمكن أن تشكل قيودًا لا سبيل في التخلص منها سوى هدمها، والسعي إلى تمهيد المسار أمام طموحاتنا الأدبية، وجعل الأمومة والوظيفة جزء من رحلتنا نحو الإبداع في الكتابة، وتحقيق التوازن والتقارب بين كل هذه الأقطاب.

لن يكون هذا التوازن سهلًا يومًا، ويكاد يكون معجزة في حالات كثيرة، إلا أن المجازفة لتحقيقه تستحق كل المحاولات الجادة، لا يهوّنها سوى ملمس الكتاب بعد طباعته وتسليمه لأول قارئ يبتسم بعد الانتهاء من قراءة الصفحة الأخيرة.

وفاء المصلحي كاتبة وقاصة