كيف تتحول الوثائق إلى قيمة اقتصادية وإبداعية؟
14 أكتوبر 2026
14 أكتوبر 2026
الذاكرة الوطنية في عصر الذكاء الاصطناعي
تطرقنا في مقال «اقتصاد الاستدعاء الثقافي» في العدد العشرين من ملحق جريدة «عمان» الاقتصادي إلى كيف يمكن أن تصبح الذاكرة الوطنية موردًا منظمًا للإنتاج الإبداعي من خلال تجهيز المحتوى الوثائقي للاكتشاف والترخيص وإعادة الاستخدام، وتبدأ الخطوة التالية عندما تصل الوثيقة إلى المستفيد، فكيف نصمم منها تجربة تمنحه معرفة أعمق بوطنه، وتفتح فرصًا للمبدعين والمؤسسات، وتسهم في تنويع النشاط الاقتصادي؟ هنا تتقدم تجربة الإنسان إلى قلب الاستثمار الثقافي، ويصبح السؤال عن القيمة التي يمكن أن يصنعها هذا المحتوى في حياته وفي السوق.
ولتقريب المعنى، يمكن أن نتخيل طالبًا يسأل عن علاقة مدينته أو قريته بالتجارة البحرية، فيقوده مرشد رقمي إلى مراسلة أصلية وخريطة وصورة، ويشرح له سياقها، ثم يدعوه إلى زيارة موقع مرتبط بالقصة أو إنتاج سرد قصير يستند إلى مصادرها الأصلية. وهذه صورة مقترحة لتجربة وثائقية تجمع التعلم بالمشاركة، ويمكن أن تنشأ حولها خدمات تعليمية وإرشادية ومنتجات إبداعية، فيما تستمد قيمتها من الصلة التي تبنيها بين الإنسان والمكان والدليل التاريخي، ومن قدرة المؤسسات الثقافية المحلية على تطوير هذه الصلة إلى نشاط مستدام.
وكمدخل وطني للاستثمار الثقافي، تمنح رؤية «عُمان 2040» هذا التوجه أساسًا مباشرًا، فأولوية المواطنة والهوية والتراث والثقافة الوطنية تتضمن هدف الاستثمار المستدام للتراث والثقافة والفنون، بما يسهم في نمو الاقتصاد الوطني. كما تربط أهدافها بين توثيق التراث والمشاركة المجتمعية والقدرة على تقييم المعرفة وإنتاجها، وبناءً على ذلك، يمكن تصميم المبادرات الوثائقية بحيث تخدم هذه الغايات مجتمعة، فتتيح للمواطن فهمًا أعمق لتاريخ مجتمعه وبلده، وللمبدع مادة موثوقة، وللمستثمر فرصة واضحة المعالم. ويتسق هذا الفهم مع توصية اليونسكو لعام 2015 بشأن صون التراث الوثائقي وإتاحته، التي تربط الوثائق بالذاكرة والهوية والتنمية، وتشجع برامج المعارض والتعليم والإتاحة الرقمية والشراكات المسؤولة. ومن ثم، يصبح الاستثمار في تجربة المستفيد امتدادًا لوظيفة الحفظ والإتاحة، وتزداد أهميته حين ينقل المعرفة الوثائقية إلى فئات ومجالات استخدام أوسع، مع احترام الحقوق والمصلحة العامة.
نماذج إقليمية ودولية
ويقدم دليل «الذكاء الاصطناعي في القطاع الثقافي» الصادر عن منصة الإدارة الثقافية السعودية عام 2026 مدخلًا مهنيًا لهذه الفرصة، كونه يضع الحاجة الثقافية قبل اختيار الأداة، ويربط الاستخدام بجودة البيانات والإشراف البشري وقياس المنفعة. كما تتيح تطبيقاته في المكتبات والمتاحف والتراث تصور استخدامات وثائقية تشمل قراءة الخطوط واستخراج الأسماء والأماكن والبحث باللغة الطبيعية وتقديم شروح تتناسب مع احتياجات الجمهور، فيما يظل توظيف هذه الإمكانات في المحفوظات العُمانية بحاجة إلى اختبار على موادها ولغتها وسياقها.
ومن منظور اقتصادي، يمكن لهذه الأدوات أن تخفض الوقت اللازم للعثور على المادة المناسبة وفهمها وتجهيزها للإنتاج عندما تحقق دقة مقبولة وتكون كلفة مراجعتها أقل من المنفعة المتولدة منها، ليصبح البحث في وثيقة طويلة مثلا مدخلا لإعداد درس أو سيناريو أو مسار زيارة، أما تحويل ذلك إلى قيمة سوقية فيعتمد على جودة المنتج وحاجة الجمهور وقدرة المنتجين على الوصول إليه، ولذلك ينبغي اختبار التقنية والتجربة ونموذج العمل ضمن مشروع واحد.
ويورد الدليل ذاته تجربة سنغافورية جديرة بالتأمل والدراسة؛ إذ عرض مجلس المكتبة الوطنية عام 2024 نموذج «ChatBook» عن إس. راجاراتنام، الذي أتاح للزائر طرح الأسئلة كتابة أو صوتا واستكشاف إجابات تستند إلى سيرته ومجموعات المكتبة والأرشيف الوطني، وترافق الإجابات مصادر أولية وصور ومقاطع من التاريخ الشفوي، ويوضح هذا النموذج التجريبي كيف يمكن أن يصبح السؤال مدخلا إلى الوثيقة، لكنه لا يقدم وحده دليلا على عائد مالي أو زيادة مقاسة في الانتماء الوطني، ولذلك فإن الدرس القابل للتطبيق هنا هو تصميم تفاعل يقرب المستفيد من المصدر ويشجعه على التعمق فيه.
مسارات تطبيقية
ومن خلال اقتراح مبادرات وثائقية تبدأ من المستفيد، يمكن بناء محفظة مترابطة من المبادرات تبدأ مثلا بثلاثة مسارات قابلة للتجريب، وتستخدم محتوى تختاره الجهات الحافظة وفق قيمته العلمية ووضوح حقوقه وإمكان إتاحته وأولويته الوطنية، على أن يشارك المستفيدون في تصميمها منذ البداية، بما يساعد على معرفة ما يحتاجه الطالب والأسرة والباحث والزائر، وما الذي يجعل كل فئة أكثر قدرة على فهم المحتوى والتفاعل معه.
ويتمثل المسار الأول في «مسارات الذاكرة العمانية»، الذي يربط وثائق مختارة بمواقعها وقصصها في المحافظات، ويمكن مثلا تطوير مسارات حول التجارة أو التعليم أو إدارة المياه وغيرها، يجد فيها المستفيد خريطة وشواهد وثائقية وتفسيرا مبسطا وأسئلة استكشافية، على أن تقدم عبر المعارض والمواقع الثقافية والمدارس، إلى جانب نسخة رقمية تتيح المشاركة لمن يتعذر عليه الحضور، كما يمكن أن تنشأ حولها فرص لتطوير محتوى تعليمي وجولات متخصصة يتولى إنتاجها وتشغيلها مبدعون ومؤسسات محلية، بما يسهم في تعزيز المحتوى المحلي وفق اتفاقيات عمل واضحة.
أما المسار الثاني فهو «مختبر الحكاية الوثائقية»، الذي يجمع المختصين بالوثائق والباحثين مع الكتاب والمصممين والمبرمجين وطلبة الجامعات، بحيث يبدأ كل فريق بسؤال ومواد موثقة ثم يختبر نموذجا لمنتج، مثل فيلم قصير أو قصة تفاعلية أو لعبة تعليمية أمام جمهوره المحتمل، ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد على التفريغ والبحث وإعداد البدائل، بينما يتولى المختصون اعتماد المحتوى التاريخي، كما يمكن للمختبر أن يفتح مسارا تجاريا شبيها بحاضنات الأعمال من خلال تكليفات إنتاج تقدمها جهات تعليمية وثقافية وسياحية، بما يسمح باختبار الحاجة الفعلية إلى المنتج ومدى الاستعداد لشرائه.
ويأتي المسار الثالث تحت عنوان «ذاكرة يشارك في توثيقها المجتمع»، ويتيح للأسر وأصحاب المهن والطلبة الإسهام بالصور والروايات والمواد الوثائقية ضمن إجراءات واضحة للموافقة والوصف والتحقق، على أن تراجع المشاركات قبل إتاحتها من قبل المختصين وتحفظ حقوق أصحابها، وأن تعرض الشهادات الشفوية بوصفها شهادات لها سياقها وحدودها، ويمكن أن تنتج عن هذا المسار معارض مجتمعية ومواد تعليمية تجمع الأجيال حول تاريخ المكان، وتجعل المشاركة في حفظ الذاكرة الوطنية وتفسيرها ممارسة ملموسة يشارك فيها المجتمع.
وتحتاج هذه المسارات جميعها إلى عناية بالتفاصيل التي تصنع تجربة المستفيد، من حيث استخدام لغة مفهومة ونصوص مقروءة وتوفير الوصف الصوتي عند الحاجة وإمكان تكبير الوثيقة، إلى جانب مداخل تناسب الأطفال وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة، كما يمكن للمرشد الوثائقي الممكن أن يقدم مستويات مختلفة من الشرح مع إبقاء المصدر متاحا وإظهار حدود المعلومة، وإتاحة الرجوع إلى مختص عندما يعجز النظام عن تقديم الإجابة.
قيمة ممتدة
وتأكيدا لمفهوم المواطنة عبر المعرفة والمشاركة، تقدم دراسة لحنان بنت محمود أحمد نشرتها مجلة الآداب والعلوم الاجتماعية بجامعة السلطان قابوس عام 2026 حول المعارض الوثائقية بهيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية سندا محليا لهذه الزاوية، إذ تناولت استجابات زوار معارض أقيمت عام 2023، وأشارت إلى ما أفادوا باكتسابه من وعي بتاريخ عمان وهويتها، وتظل هذه النتائج الوصفية القائمة على استبانة الزوار مؤشرا يستحق البناء عليه، مع الحاجة إلى قياس أوسع للتحقق من استمرار التعلم وأثره في المشاركة، ومن هنا يمكن أن تتيح التجربة للطالب مثلا تتبع وثائق مرتبطة بخدمة مجتمعية أو مهنة أو موقع،
ومقارنة الشواهد وفهم ما تكشفه وما يبقى منها محل بحث، ليرتبط الانتماء عندئذ بمهارات القراءة والتحقق واحترام التنوع الثقافي والمسؤولية عن حفظ الموروث، كما يتيح إشراك المحافظات والأجيال وأصحاب الخبرة المحلية بناء محتوى يرى فيه المستفيد أثر مجتمعه وإسهامه في الرواية الوطنية، ويجد فرصة للمشاركة في إثرائها.
وكل ذلك يقودنا إلى سؤال آخر: أين تتكون القيمة الاقتصادية؟ لعل الفرصة تبدأ منذ مراحل إعداد المحتوى وإنتاجه وتوزيعه وتشغيله، فالمشروع يحتاج إلى البحث والتوثيق والتحرير والتصميم والبرمجة والإنتاج الصوتي والبصري، وقد يخلق طلبا على الجولات والمنتجات التعليمية والتجارب السياحية، كما يمكن أن تتنوع نماذج الإيرادات بين تكليفات الإنتاج وخدمات التفسير والإرشاد وترخيص المنتجات المشتقة، مع تيسير الوصول المعرفي العام إلى المواد المسموح بإتاحتها، بما يربط التمويل التجاري بخدمة محددة وقيمة يختار المستفيد شراءها، ولتعظيم الأثر الوطني يمكن أن تمنح التعاقدات الكفاءات والمؤسسات العُمانية، بما فيها المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، أدوارا فعلية في الإنتاج والتطوير ونقل المعرفة مع وضوح حقوق المنتجات، على أن يختبر الطلب قبل توسيع الإنفاق وتحسب تكاليف تجهيز البيانات والمراجعة العلمية والاستضافة والتحديث والتسويق، وتتحدد الجدوى بما يتحقق من استخدام وإيرادات ومنافع عامة مقارنة بهذه التكاليف، مع التمييز على مستوى الاقتصاد الوطني بين إيرادات المشروع والقيمة المضافة المحلية والأثر الأوسع في النشاط الثقافي والسياحي، وهو ما يتطلب فصل قيمة الإنتاج عن مشترياته الوسيطة وتحديد المدخلات والخدمات المستوردة وتجنب احتساب المعاملة نفسها أكثر من مرة، ويمكن في هذا السياق تتبع العقود المنفذة محليا والأعمال الإبداعية المدفوعة والمنتجات المباعة ثم تقدير الإضافة الاقتصادية وفق منهجية معلنة، فيما تبقى مساهمة الوثائق في الهُوية والتعليم منفعة عامة تستحق تمويلا وتقييما مستقلين عن إيرادات الخدمات التجارية.
أثر مستدام
ويركز الدليل «المرجع السابق» على أهمية التمييز بين الوثيقة الأصلية والاستنتاج العلمي والتصور الإبداعي، وهي قاعدة ينبغي أن تنعكس بوضوح في تصميم التجربة، بحيث يشاهد المستفيد الأصل ويعرف ما خضع للتحرير أو الترميم الرقمي وما أنتج بوصفه معالجة فنية، وتكتسب هذه التفرقة أهمية أكبر عند توليد الشخصيات أو إعادة بناء المواقع، فبلاغة النص وجمال الصورة لا يكفيان لإثبات صحة المعلومة، ولذلك ينبغي أن تخضع الأسماء والخطوط والمصطلحات المحلية للمراجعة وأن تكون مسؤولية اعتماد التفسير واضحة، إلى جانب تحديد الحقوق المرتبطة بمحتوى كل وثيقة قبل إعادة استخدامها وحماية البيانات الشخصية وتحديد ما يجوز تقديمه لمزود التقنية، كما ينبه تقرير فريق الخبراء المستقل المعني بالذكاء الاصطناعي والثقافة الذي دعت إليه اليونيسكو عام 2025 إلى مخاطر تركز القيمة لدى المنصات الكبرى والإضرار بالتنوع وحقوق المبدعين، وهو ما يستدعي أن تحفظ الشراكات قدرة المؤسسة على إدارة بياناتها ومراجعة المخرجات وتغيير المزود، وأن تبقي للمبدع المحلي دورا مهنيا وعائدا عادلا.
ومن أجل التوسع على أساس أثر مثبت، يمكن البدء بتجربة محددة المدة تضم مجموعة محدودة من الوثائق وموضوعا واضحا وشركاء من التعليم والإنتاج الثقافي، على أن تحدد نقطة البداية ومؤشرات النجاح قبل الإطلاق، ثم تقاس دقة الإجابات وقدرة المستفيد على الوصول إلى المصدر وفهمه والتغير في المعرفة قبل التجربة وبعدها وما يحتفظ به منها في متابعة لاحقة، ويمكن أن تساعد المقارنة الملائمة متى أمكن على تمييز أثر التجربة عن العوامل الأخرى، فيما تستخدم استبانة الرضا لتحسين الخدمة، وبالتوازي تتابع تكلفة التجربة والإيرادات الفعلية للخدمات المدفوعة ونصيب المؤسسات المحلية من العقود والمنتجات التي وجدت مستخدمين أو مشترين ومستوى المشاركة المجتمعية المتكررة، أما الانتماء والمواطنة فيحتاجان إلى أدوات بحثية مناسبة وملاحظة ممتدة، ويتفق هذا النهج مع دعوة الدليل «المصدر ذاته» إلى الجمع بين مؤشرات الكفاءة والقيمة الثقافية واتخاذ قرار التوسع أو إعادة التصميم استنادا إلى الأدلة.
وبهذا تكتمل الحلقة التي بدأها اقتصاد الاستدعاء الثقافي، فيصبح المحتوى المتاح أساسا لتجربة مفهومة وتتحول التجربة إلى تعلم ومشاركة وفرص إنتاج قابلة للتقييم، وأمام عمان فرصة لبناء مبادرات وثائقية تجعل الذاكرة الوطنية حاضرة في التعليم والسياحة والصناعات الإبداعية، وتمنح مؤسسات الحفظ دورا أوسع في التنمية، فالاستثمار الثقافي يستحق التوسع حين يترك معرفة لدى المستفيد وقدرة لدى المبدع وقيمة مستدامة داخل الاقتصاد الوطني.
عزان بن خميس الصبحي باحث في الاقتصاد الإبداعي
