من اختطف علم الاقتصاد؟
14 أكتوبر 2026
14 أكتوبر 2026
يروي كتاب جديد حكاية علم الاقتصاد والغرض الذي نشأ من أجله بأسلوب يتميز بالحيوية والخيال إلى درجة تجعل الاقتصاديين التقليديين، بما يتسمون به من جمود وفتور، في موقف محرج، وفي أثناء ذلك يكشف الكتاب عن حقائق جوهرية نجحت مدارس فكرية كبرى داخل هذا العلم في حجبها عن الأنظار.
وتتعرض شرعية علم الاقتصاد بوصفه تخصصًا أكاديميًا وأداةً لصنع السياسات لهجمات وانتقادات متواصلة منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008 على الأقل، غير أن قلة من هذه الانتقادات حاولت العودة إلى جذور هذا العلم والتفكير في الغاية التي نشأ من أجلها، والآن تعيد أنتارا هالدار، الباحثة في الدراسات القانونية بجامعة كامبريدج، طرح هذين السؤالين في كتابها الجديد «الإنسان العادي: الحكاية غير المروية لعلم الاقتصاد».
وتقدم هالدار عملًا استثنائيًا بأكثر من معنى، فهو حكاية رمزية صيغت في ثلاثة فصول على هيئة مسرحية تتحرك فيها شخصيات مجازية تحمل أسماء مثل نيو وتينا وتيك وفين ودافوس وغيرها، وتُروى من خلال مزيج من الأساليب الأدبية التي تستحضر أعمال جون شتاينبك وأوسكار وايلد وإرنست همنغواي وغيرهم، في معالجة تجعل الامتثال الرتيب الذي يميز الاقتصاديين المنتمين إلى التيار السائد يبدو باهتًا أمامها، والنتيجة هي «حكاية» عن علم الاقتصاد لا تشبه أي حكاية أخرى، تمتزج فيها الحقيقة بالخيال بقدر متساوٍ.
تروي هالدار قصة عائلتين تتمتع كل منهما بالمكانة والاعتبار نفسيهما، تعود الأولى إلى استعارة «اليد الخفية» التي قدمها آدم سميث في كتابه «ثروة الأمم» كما فسرها فريدريش أوغست فون هايك وليونيل روبنز وميلتون فريدمان وجمعية مونت بيليرين، أما العائلة الثانية فتبدأ مع جون مينارد كينز وتمر عبر الحلقة الفكرية المعروفة باسم «سيرك كينز»، والتي ضمت جوان روبنسون وريتشارد كان ونيكولاس كالدور وبييرو سرافا، قبل أن تنعطف مجددًا نحو هايك ممثلةً في بول سامويلسون ثم تتلاشى تدريجيًا بعدما أخفقت في تقديم «العجل الذهبي» الذي وعد به كينز.
وتدور الحكاية التي تقدمها هالدار حول علم الاقتصاد الأكاديمي السائد في العالم الأنجلوأمريكي، وبدرجة محدودة حول امتداداته في مجتمعات ما بعد الاستعمار في جنوب آسيا وأمريكا اللاتينية، وهو علم تأثر كذلك بأفكار اللاجئين المتشددين القادمين من أوروبا الوسطى في منتصف القرن العشرين، ومن اللافت أن ماركس وأتباعه ظلوا خارج هذه الحكاية، ولذلك فهي في جوهرها قصة صعود «نيو» أو «الإنسان الاقتصادي» وما يشهده حتى الآن من تراجع لم يكتمل بعد، وهي الشخصية المجردة التي تفتقر إلى الاعتبارات الأخلاقية والتي سبق أن وصفها ثورستين فيبلن في مطلع القرن العشرين بأنها «آلة حاسبة خاطفة للملذات والآلام، تتأرجح مثل كتلة متجانسة من الرغبة في السعادة تحت تأثير محفزات تدفعها من موضع إلى آخر، لكنها تتركها على حالها دون تغيير».
وفي حكاية هالدار يبدو نيو ابنًا فكريًا لفريدمان وحفيدًا لهايك الذي استند بدوره إلى أفكار آدم سميث، رغم أن صاحب كتاب «نظرية المشاعر الأخلاقية» يمكن اعتباره أيضًا أحد الأسلاف الفكريين البعيدين لكينز، ويكمن الاختلاف المفترض بين العملين الكبيرين لسميث في طبيعة العلاقات الإنسانية، ففي كتاب «ثروة الأمم» ينبع التقدم من المصلحة الذاتية ومن القوة شبه السحرية للسوق، بينما كان سميث في «نظرية المشاعر الأخلاقية» أكثر اهتمامًا بالروابط الاجتماعية التي تجمع الناس بعضهم ببعض.
غير أن أنصارًا آخرين لهذه الرؤية القائمة على العلاقات، وفي مقدمتهم فيبلن والفلاسفة البراغماتيون الأمريكيون وأتباع المدرسة المؤسسية، لا يظهرون في هذه الحكاية، أما والدي جون كينيث غالبريث فتشير إليه هالدار بوصفه «يساريًا» رغم أنه كان في أوج مسيرته أحد أبرز قادة التيار الذي كان يُعرف آنذاك باسم «الليبراليين»، أما إشارتها الأخرى إليه بوصفه «شخصية لامعة» فهي وصف كريم ومنصف في الوقت نفسه.
وعلى أطراف هذه الحكاية التي يهيمن عليها التيار الاقتصادي السائد تتحرك شخصيات معارضة أصابها الذهول من حجم الأضرار التي تسبب بها نيو ومعه تينا التي تجسد مقولة مارغريت تاتشر الشهيرة «لا يوجد بديل»، وتيك الذي يمثل التكنولوجيا، وفين الذي يجسد عالم المال والتمويل، ومن بين هؤلاء المعارضين تظهر الأختان الرمزيتان جيني التي تمثل أحد مقاييس عدم المساواة،
وبالما التي استمدت اسمها من نسبة وضعها أحد الاقتصاديين في جامعة كامبريدج، إلى جانب تارا «بانية العوالم» التي يحمل اسمها رسالة مفادها أن «هناك بدائل حقيقية»، وتمنح هذه الشخصيات الخيالية الأمل لإيف الحائرة، التي يحمل اسمها إيف آر واي مان، في العثور على نموذج فكري أفضل وعالم أكثر إنصافًا، وكما تقول بالما لإيف: «أنت لست ضائعة، بل جرى تضليلك عمدًا، لقد فعل هو ذلك، نيو، ومن أجل مصلحته، فأنت بالنسبة إليه مجرد فأر داخل متاهة يتحكم فيه بالجزرة والعصا».
ويشكل المؤرخ الاقتصادي كارل بولاني أحد أهم مصادر الإلهام لهالدار وبطلات حكايتها، إذ تستحضره في صورة رجل «نحيل يرتدي نظارة» وله «عينان تتلألآن وبريق من الدفء والإنسانية والفضول الذي لا ينتهي»، وفي مشهد متخيل يعود إلى عام 1946، يظهر بولاني على هامش حفل تسمية «حفيد» كينز ليحذر من «الحالة المقلوبة التي يعيشها العالم حين أصبح خيال المال هو الذي يملي حقائق العمل والأرض».
ويتوقع بولاني، كما تصوره هالدار، أن تتمرد «النفس البشرية» على ما صنعه نيو، ويقدم للطفل هدية تتمثل في «التجذر داخل المجتمع»، وهي رسالة تتبناها هالدار نفسها تبنيًا كاملًا، وقد صادفت هذا المقطع أثناء قراءتي للكتاب يوم السبت، وحملته معي في اليوم التالي خلال رحلة بالسيارة من جنوب ولاية فيرمونت إلى دار لرعاية المسنين في مونتريال، حيث قرأته على كاري بولاني، ابنة كارل، التي تبلغ الآن 103 أعوام وتعيش أيامها الأخيرة.
وتنجح هالدار في إيصال الرسالة الأخلاقية الأساسية لكتابها بوضوح، فقد كان نيو في الأصل بناءً فكريًا مصطنعًا، ولم يكن انتصاره الفكري سوى سراب، أما السياسات التي ألهمها فقد جلبت عدم الاستقرار والهشاشة وانعدام الأمان الاقتصادي وعدم المساواة والأزمات، وفي الوقت نفسه أُصيب صديقه فين بسكتة قلبية، بينما فقد نيو نفسه مكانته في العالم الحقيقي لصالح تيك الذي ينحدر فكريًا من جوزيف شومبيتر، رغم أنه لا يزال يفرض سيطرته الكاملة على المؤسسات الأكاديمية، وأصبح «التدمير الخلاق» اليوم موضة العصر، وكلما كان أكثر انفلاتًا وتهورًا وقسوة بدا أكثر إثارة للإعجاب.
ومع ذلك، فإن قوى الشك وإمكانية تحقيق العدالة التي تمثلها جيني وبالما وتارا لم تدخل في سبات، فهل تستطيع هذه القوى الانتصار وإعادة إيف نحو النور الذي يمثله بولاني؟ أم أن الغوغاء الساخطين الذين يقودهم دعاة شعبويون هم من سينتصرون في النهاية؟ أعترف أنني بقيت غير متأكد من الإجابة حتى بعد أن وصلت إلى نهاية الكتاب، وربما يعود ذلك إلى أن الحكاية نفسها لم تنتهِ بعد، لكنني لا أشك في أن هالدار وجّهت ضربة قوية إلى نيو، وهي ضربة لن يكون من السهل عليه التعافي منها إذا حظي هذا الكتاب بالانتشار الذي يستحقه.
وأود أن أختتم بملاحظة نقدية صغيرة تتعلق بالاستعارة الأساسية التي قامت عليها أسطورة نشأة نيو، وهي استعارة «اليد الخفية»، إذ تصفها هالدار بأنها «رمز لقوة تخلق انسجامًا غريبًا بين أفعال أشخاص لا تربطهم أي صلة»، غير أن هذا التفسير ينطوي على خطأ تحجبه هنا، كما في معظم الاقتباسات المتداولة، علامات الحذف التي تختصر النص الأصلي، فما كتبه آدم سميث كاملًا كان على النحو الآتي: «حين يفضل الفرد دعم الصناعة المحلية على الصناعة الأجنبية، فإنه لا يقصد من ذلك سوى تحقيق أمنه الخاص، وحين يوجه تلك الصناعة بطريقة تجعل قيمة إنتاجها في أعلى مستوى ممكن، فإنه لا يسعى إلا إلى تحقيق مكسبه الشخصي، وفي هذه الحالة، كما في حالات كثيرة أخرى، تقوده يد خفية إلى تحقيق غاية لم تكن جزءًا من مقاصده».
وبعبارة أخرى، فإن اليد الخفية تعمل تحديدًا لأن الناس مرتبطون بعضهم ببعض، وفي هذه الحالة تجمعهم رابطة الانتماء إلى وطن واحد، فالأمة عند سميث هي مجتمع تربط أفراده علاقات مشتركة، وليس هناك في الحقيقة نسختان مختلفتان من آدم سميث، كما أن كتابيه ليسا توأمين متباعدين في الفكر، أما تحويله إلى الأب الروحي لنيو ولدافوس فلم يكن سوى عملية اختطاف فكري، وربما حين تنتصر أخيرًا روح بولاني وحلفائه، يتحرر سميث من قبضتهم ويستعيد مكانه بين الاقتصاديين الذين يستطيعون بحق أن يعدوه واحدًا منهم.
جيمس ك. غالبريث، أستاذ في كلية ليندون جونسون للشؤون العامة بجامعة تكساس في أوستن، ومؤلف كتاب «قوة التدمير: كيف قادت السياسات الاقتصادية السيئة إلى تراجع أمريكا»
