جراح غزة تنزف رغم إعلان وقف القتال!
رام الله - محمـد الرنتيسي
يحبس الغزيون أنفاسهم، في ظلال الذكرى الثالثة للعدوان الهجمي الاقتلاعي، الذي شنه جيش الاحتلال عليهم، لا سيما مع استمرار استعراض عضلات القوة الحربية، على أرض غزة وفي سمائها، إذ لا تنفك الطائرات الحربية المقاتلة تشن غاراتها، وتفرغ حمولتها من القنابل والصواريخ على خيام النازحين اللائذين من الجحيم.
ثلاث سنوات انقضت، وما زال الجرح الغزي غائراً، ومفتوحاً على مزيد من الأشلاء والدماء.. ثلاثة أعوام من "الجحيم" توقفت خلالها خطط الإعمار ورفع الدمار، بعد أن توقفت الهدنة الهشة عند المرحلة الثانية، ومعها توقفت آمال الغزيين بمحو آثار الحرب.
تراجع الحديث عن المرحلة الثانية من إعلان وقف إطلاق النار.. لم يُرفع الحصار، ولم تدخل المساعدات للسكان المحاصرين كما نص الاتفاق، ولم تعد الحياة، وتراجعت آمال النازحين بحدوث انفراجة حقيقية على مستوى الأوضاع المعيشية.. ربما هي حالة تعكس يأس الغزيين وبؤس حالهم.
توقفت الحرب (بقرار وقف إطلاق النار) من دون أن تنتهي آثارها وتداعياتها، إذ ما زال كيان الاحتلال الذي يحكم سيطرته المطلقة على أكثر من 60 في المائة من مساحة قطاع غزة، يشن الغارة تلو الأخرى على المدنيين العزل، في وقت يتواصل فيه الحصار لقطاع غزة، بفعل إغلاق المعابر، التي إن فُتحت لا تعمل إلا بنظام "القطّارة".
ثلاث سنوات عجاف، والعدوان ما زال مستمراً، وإن بصورة مختلفة عن حرب الإبادة التقليدية، التي استمرت حولين كاملين، ربما نسي كثيرون هذا الأمر، فلم تعد أخبار غزة تثير اهتمام العالم، رغم أن الحرب لم تتوقف، حتى مع إعلان وقفها.. وبين يديّ هذه المعالجة، تقلّب "عُمان" صفحات دامية من كتاب الحرب، في وقت ما زال فيه الشهداء والجرحى يتساقطون بشكل يومي، فمن ينجو من الصاروخ الأول يرث القتل من الثاني، ومن نجا من الثاني يجد الموت ينتظره مع الثالث.
مشهد صاخب..
لم تخالف صور الخراب والدمار الذي بدا عليه المشهد الغزي، عشية الذكرى الثالثة للحرب، الإشارات والمشاهد التي ارتسمت قبل ثلاث سنوات، وتحديداً منذ السابع من أكتوبر 2023، إذ طغى زنّار النار التي ما زالت تلفح وجوه الغزيين، وظل الجوع يلف أجسادهم.
مشهد صاخب، والغزيون مأخوذون إلى منازلة تبدو أثقل من مواجهة صواريخ المقاتلات وقذائف الدبابات، ومدججة بأبعاد أوقعتهم في شرك "حرق الأعصاب" إذ أصبحت يومياتهم موزعة ما بين رصد مشاهد المجاعة وهي تنهش أجساد أطفالهم، وتقصّي أخبار دخول المساعدات الإغاثية، وهذه بدت عناوين قهر إضافية، ولا تنتهي بمخاوف من آت أعظم، عنوانه عودة الحرب.
وعلى تخوم عام رابع، ما زالت تداعيات الحرب وآثارها تتمدد كبقعة زيت، في حقبة عدّها مراقبون، الأصعب في تاريخ الشعب الفلسطيني، وتشابه نكبتهم الأولى عام 1948، يعيش أهل غزة ظروفاً عصيبة، لم تسعفهم في استيضاح صورة مستقبلهم، فترى مؤشرات المعاناة تتراكم، وتتزاحم على مختلف أوجه معيشتهم، فعلى رقعة الشطرنج الغزيّة، لم يعد بين يديّ النازحين المثقلين بالهموم، أية أحجار يمكن الدفع بها في خضم المواجهة مع الحرب التي وقعوا في أتونها، وهيهات أن يخروجوا.. لقد علقت غزة في شباك خلطة مأساوية مركّبة وثلاثية الأبعاد (القتل والجوع والنزوح) تحت سماء واحدة.
وإذ توقظ الذكرى الثالثة لحرب الاقتلاع والتطهير، ذكريات مؤلمة في ذاكرة أهل غزة، وما جرّته عليهم الحرب من ويلات ابتلعت الأرض ومن عليها، فإنها تفتح صفحات قاتمة في حياتهم، تبدو المجاعة التي تنخر عظامهم الفصل الأصعب فيها.
وبعد ثلاث سنوات من دوران طاحونة الحرب، تعجز الكلمات عن وصف العدوان الدامي الذي دارت رحاه (وما زالت) على امتداد قطاع غزة، فكل المصطلحات من قبيل: حرب، مذبحة، إبادة، تهجير، تطهير.. كلها استُنفذت، ولم يبق مفردات تدخل في عالم الحروب على نحو: صواريخ، دبابات، قذائف، مقاتلات.. جميعها استُهلكت.
أهوال..
يروي النازح وسام النجار من خان يونس مشاهد مرعبة، تتنوع بين تكرار النزوح ومشقة البحث عن الطعام، موضحاً: "نعيش في دوامة قتل يومي، تستهدف فيه المقاتلات الحربية الإسرائيلية خيام النازحين ومراكز اللجوء، فتضرب وتقصف، ويتوالى سقوط الشهداء والجرحى.. أسطوانة القتل لا تتوقف على مدار الساعة".
ويشرح في حديث هاتفي مع "عُمان": "منذ ثلاث سنوات لم نذق طعم الراحة، ولم نشعر بالحياة.. مرّت علينا أفواج من النازحين، وتنقلنا في أكثر من مكان.. رائحة القتل والدم تأتينا من كل صوب، وأصوات المسيّرات تصُم الآذان، والكل هنا لا هم له سوى وقف الحرب بالأفعال لا بالاتفاقيات".
ويوالي: نسمع بمصطلحات "التهدئة" و"الاتفاق" و"وقف إطلاق النار".. لكن شيئاً من هذا القبيل لم يحدث، الحرب تفتك بالنازحين كل يوم، لقد اعتدنا مشاهد القصف والقتل والنزوح.. "الله يفرجها من عنده".
وبعد 1095 يوماً، تبدو غزة وقد غارت عيونها في جسدها الذي نهشته الحرب، فذاب شجرها وهوى حجرها، وقتل وهُجّر أهلها، هُدمت المنازل، وفي خريف غزة تساقطت الخيام الرثة، وأصاب أهل غزة ما أصابهم من عدوان همجي حرّك العالم بأسره، لكنه يأبى أن يتحرك نحو "التهدئة" حتى وهو يطفىء شمعته الثالثة.
حروب عدّة تداعت على غزة، وملمّات كثيرة تعاقبت عليها، لكن حرب 7 أكتوبر الدامية، ليست ككل الحروب ولا الملمّات.. مدن كاملة سويت بالأرض، وأحياء تحولت إلى تلال من ركام، ظلمات بعضُها فوق بعض.. ليل غزة، وعتمة الحرب، وسحب الغارات، وانسداد الأفق السياسي، ولم يعد في قطاع غزة غير مشاهد القتل وانعدام الحياة.
أرقام من دم..
يودّع الغزيون ثلاثة أعوام ثقيلة، في ظل حرب بالغة التدمير والقتل والتهجير، التهمت الأخضر واليابس، وخلف دخانها ترتسم معطيات وحقائق مرعبة، ترصدها "عُمان" في التالي:
الشهداء:73515، الجرحى: 172381، الأسرى: 6633، المنازل والمنشآت المهدمة: 192812، النازحين: 1900000، المفقودين: 12500.
