بريد القراء

المرأة صانعة الأبطال

09 أكتوبر 2026
09 أكتوبر 2026

على امتداد الزمن، صنعت المرأة مجد أمم قد سبقت وتلت، ولم تكن يومًا مجرد لاعب احتياط يؤدي أدوارًا هامشية في رحلة الأجيال نحو المجد، فالمرأة في بيتها تمثل صارية يستقيم بها مركب الحياة الأسرية، فالأم مهما كثر الحديث عنها فإن إنصافها لن يتم على أيدينا، فالتاريخ قد أنصفها ومنحها المكانة التي تليق بها.

من يتتبع مسيرة الكفاح الطويل، والأعمال الخالدة التي سطرتها المرأة، يجد أن هناك ملحمة متكاملة من الأعمال البطولية التي سطرتها نساء الأرض عبر القرون، سواء كانت هذه التضحيات في ميادين القتال، أو في الحياة العامة بإخلاصها الدائم في رعاية أبنائها وأفراد عائلتها التي لا تقدر بثمن، ولا يمكن جمع كل مناقب أفعالها في أقوال يسيرة، فكلما تحدثنا عن جانب ظهر لنا جانب آخر أكثر أهمية في حياة المرأة ودورها الرائد في شتى المجالات.

لقد شكلت المرأة منعطفًا أساسيًا في البناء الأسري، وفي الحياة الإنسانية، ويتمثل ذلك في "صناعة وإعداد الأبطال والقادة والعلماء والمفكرين والمخترعين".

لقد استأثرت المرأة في تجسيد شخصية "الأم المثالية"، ووضعتها في مكانة مرموقة في حياة الأبناء، ففي كثير من الأحيان كانت تشكل "المكتبة الأولى والمعلم الحقيقي" الذي وجه بوصلة المفكر نحو الكتابة والإبداع، ولعبت دورًا في الكثير من النجاحات التي حققتها البشرية منذ الخليقة، ورسمت معاني العطاء بأقدس صورها، ولم يكن ذلك بعيدًا عن ميدان وفضاء الإبداع الإنساني.

إذا كنا نريد أن نضع عنوانًا عريضًا يختزل دور المرأة في هذا الوجود فلن نجد من هذا العنوان: "النساء مدارس العظماء عبر التاريخ"، وهذا انعكاسًا حرفيًا وفعليًا للواقع الذي يقول بأن التاريخ الطويل قد خلد لنا مواقف لنساء عظيمات، صنعن تاريخ أمة وبناء شعب، وضحين بحياتهن وأوقاتهن في خدمة البشرية، لولاهنّ ما ظهروا ولا فازوا بهذه المكانة الرفيعة، وحصلوا على الرتبة الكبيرة، فقد عملن بجد وكفاح طويل على رفد المجتمعات بالنوابغ الذين غيروا مجرى الزمن، وبعض النساء نقشن أسماءهن في سجل العظماء الملهمين.

لن نذكر أسماء حتى لا نقع في فخ النسيان وإجحاف الحقوق، فالقائمة طويلة، لكن إجمالًا هناك شخصيات نسائية صنعت التاريخ وغيرت الكثير من مجريات الأمور، وهذا قد يكون عبارة عن فطرة إنسانية، ودور لا ينقص مع أدوار الرجل في شيء، وإنما هناك علاقة تشاركية وملحمية ما بين قطبي الحياة، وسر بقاء الإنسان على الأرض.

كانت وظيفة المرأة أعظم وظيفة في هذا الوجود، ومهمتها أسمى مهمة في الحياة، إلا وهي إعداد الجيل وتربية الأبناء الذي بهم تقوم الأمم وتنهض الشعوب من سباتها وغفلتها، فالأم بما أودع الله فيها من الأسرار العظيمة والصفات الجليلة التي تمكنها من التعامل مع النفس البشرية، ففيها من الصبر والتحمل ومراعاة الأبناء على اختلاف رغباتهم، ما يسع هؤلاء الأبناء، ويفيض عليهم من الحنان والعطف.

يقول الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام لسلطنة عمان في تغريدة له على موقع إكس: "إذا كان مما يتردد على الألسنة أن المرأة نصف المجتمع، فإني أقول وأؤكد بأن المرأة هي المجتمع كله، فبقدر ما تكون عليه من عفة وطهارة ونزاهة يرجى للمجتمع أن يسعد بجيل في المستقبل يتصف بهذا كله، فإن المرأة هي صانعة الأجيال".

جميعنا يدرك حجم المسؤولية الملقاة على عاتق المرأة، فتربية الرجال وصناعة الأجيال ليست بالأمر السهل، وإنما هي مهمة صعبة وشاقة، تستدعي مزيدًا من الصفات والإمكانات التي يجب أن تتوفر لدى المربية، ومنها: "الصبر والحلم، والرحمة والحب والحكمة والقدوة الحسنة"، وغيرها من الصفات الجميلة.

عبر العصور، لم تترك المرأة بابًا إلا وقد طرقته، أو فرصة أو مجالًا أو وسيلة متاحة أمامها إلا وجربتها واستغلتها لتحقيق أهدافها النبيلة، فهي مثال صادق على الإصرار والتضحية وعدم الاستسلام، أمام العقبات، حتى وإن أغلق في وجهها الأبواب تجدها تبحث عن باب آخر لتطرقه بكل شجاعة وفداء.