No Image
بريد القراء

الإنسان... إذا أراد أن يعيش سعيدًا

08 أكتوبر 2026
08 أكتوبر 2026

"على الإنسان ألا ينبش في الذاكرة إذا أراد أن يعيش سعيدًا"... يتقاسم الناس المقولة السابقة ما بين شخصين، الأول هو رائد الأدب الروسي فيودور دوستويفسكي، وبعض المصادر تنسبها أحيانًا إلى الكاتب إميل سيوران.

وأيًّا من كان هو القائل، فإن ما يهمنا في الأمر هو الإجابة عن السؤال التالي: هل الذاكرة هي مصدر إزعاج للبشر؟

بمجرد قراءة السؤال تقفز الإجابة بالسلب أو الإيجاب، ولكن ثمة أشخاص آخرين استوقفتهم عبارة "النبش في الذاكرة"، وهي من الناحية اللغوية تعبير مجازي، أما المعنى فهو يُقصد به استرجاع الذكريات القديمة، أو بمعنى آخر محاولة إحياء التفاصيل أو القصص الدفينة التي حدثت في الماضي.

يقال إن "النسيان يهدد الذاكرة"، و"النبش في الماضي" أيضًا له جملة من المساوئ، إذن نحن أمام أمر معقد، فلا النسيان يبقينا أصحاء عقليًا، ولا الماضي يجعلنا نحس بالراحة، وهذه مفارقة يعتبرها البعض من الصعوبات التي يواجهها البشر في حياتهم!

إذا ذهبنا إلى النسيان، فإن الأمثلة عليه كثيرة جدًا، وربما جميعنا قد شعرنا بالضجر أو الحيرة في فعل غير مبرر يأتي بمجرد أن ندخل إلى إحدى الغرف، ولا نتذكر ما كنا نريد جلبه منها، أو ما هي المهمة التي قصدنا المكان من أجل تحقيقها.

لا يتوقف النسيان عند هذه النقطة، بل يمتد إلى البحث عن نظارة القراءة أو المشي، فلا نتذكر أين وضعناها، وموقف ثالث يتجلى عندما نضع فنجان القهوة أو الشاي الخاص بنا في مكان ما من المنزل، وننسى أين بالضبط وضعناه فيه.

وموقف رابع، وهو الأهون علينا، عندما نطلب ممن معنا أن يرن على هاتفنا الذي تركناه في مكان ما ولم نعد نعرف أين يوجد.

هذه نماذج أو أمثلة على النسيان، وهنا نسأل: هل هذا النسيان هو أمر طبيعي عند كل البشر، أم إنه حالة مرضية تطرق أدمغتنا المليئة بالأفكار وانشغال في حديث طويل مع الذات؟

قرأت ذات مرة تقريرًا عن أحد المواقع الأجنبية تُرجم إلى العربية، وفيه ينقل قولًا على لسان أحد أطباء الأسرة وخبراء الصحة العقلية، ويُدعى سكوت نوردا، يؤكد فيه أن "فقدان الذاكرة يعد إلى حد ما أمرًا طبيعيًا في مجتمعنا... فمع زيادة المسؤوليات وارتفاع مستويات التوتر، نميل إلى إهمال صحتنا العقلية".

أحيانًا نفكر بعمق في المكان الذي تخزن فيه الذاكرة جميع الأحداث المؤلمة؟

الإجابة في نظري أمر بالغ التعقيد، خاصة على أمثالنا ممن يستقون المعلومات من الآخرين للإجابة عن أسئلة تحتاج إلى عمق فكري ودراسة مستفيضة، لذا كان الاختصاصيون في الطب هم من لديهم القدرة على الإجابة النموذجية، لأنها تكون أكثر تخصصية، بمعنى أننا لن نفهم عمق المكان الذي نريد أن نعرف تفاصيله.

قرأت كثيرًا في هذا الخصوص، ولكن لم أستطع أن أتوصل إلى قناعة معينة يمكن أن أذكرها، لكن في مجمل القول أرى كغيري من "البسطاء" أن الدماغ البشري به الكثير من الأسرار المخفية، وكل جزء فيه يقوم بعمليات معقدة آنية، ولكل جزء أيضًا دور ومهمة خاصة به، لهذا تجد ثمة تفاوتًا ما بين عقل وآخر، سواء من ناحية الوعي والإدراك، أو تذكر الماضي وما فيه من تفاصيل قديمة لم تُمحَ من الذاكرة.

نعود ثانية نحو البداية: إذا أردت أن أكون سعيدًا... ماذا أفعل؟

بصدق، هناك الكثير من الخيارات ووجهات النظر قد يعبر بها الناس، ابتداءً من فكرة التعاطي مع الحدث، فالبعض يشغل ذهنه بالتفاصيل المملة، لذلك هو شخص لا يفوّت على نفسه فرصة الشعور بالهدوء أو البعد عن الضجيج، وآخر يسعد كثيرًا بتذكر المشاهد المؤلمة لدرجة أن أقرب الناس إليه ينفرون منه.

أحد الأصدقاء أقنعني رده عندما سألته نفس السؤال الماضي: "السعادة قرار ذاتي... فإذا أردت أن تكون سعيدًا، عليك أن تتمسك بهذا الخيط حتى النهاية فتكون سعيدًا"... وأسدى لي نصيحة كنت أتجاهلها رغم علمي بها، وهي ألا أحاول مطلقًا أن أتبنى فكرة تغيير الدنيا من حولي، وبالمقابل أن أحاول جاهدًا البعد عن كل المؤثرات المحبطة والأحداث المؤلمة التي مضت... وبمجرد التمسك بهذين الأمرين سأنال قسطًا من السعادة التي أبحث عنها، لكن المدهش في الأمر قال: "كن على يقين تام بأنك لن تظل طيلة حياتك سعيدًا!"... فضحكت ونسيت الأمر الذي أبحث عن إجابته.