لهذا يحتمل أن تختار إيران التصعيد

05 أكتوبر 2026
05 أكتوبر 2026
ترجمة: أحمد شافعي

في مطلع مارس، وبعد تسعة أيام من حربه مع إيران، عقد الرئيس ترامب مؤتمرا صحفيا للتباهي بما حقق من «نجاح عسكري لم يشهد له الناس نظيرا من قبل».

زعم فيه قائلا «إننا نحقق نصرا حاسما، وستكون النتيجة انخفاضا في أسعار النفط».

وفي مارس، كتب بيتر نفارو كبير مستشاري البيت الأبيض مقالة يبسط فيها الأسباب التي ستجعل «حرب إيران تخفض أسعار الطاقة». وأعلن وزير الدفاع بيتي هيجسيث في أبريل «انتصارا تاريخيا طاغيا» جعل إيران «عاجزة عن القتال لسنين قادمة».

فإذا بحرب ترامب على إيران تتحول إلى ما ينبغي تدريسه على مدار عقود باعتباره نموذجا لما لا يجب عمله سواء في الحرب أم في السياسة الخارجية. فهي مثال للغطرسة إذ تطغى على الرئاسة وتمضي بها إلى حلول عسكرية لمشاكل عالمية صعبة، وفي أثناء ذلك يتدهور كل شيء.

والآن يجد ترامب نفسه حبيس مسرحية «لا مخرج» لسارتر.

فـ«الواقع السخيف يقول إن الصراع ليس على مقربة من النهاية» كما يكتب علي فايز من مجموعة الأزمات الدولية في مقالة بمجلة ذي فورين أفيرز بعنوان «الحرب الأبدية الجديدة».

ومع ذلك يستمر قصر النظر الترامبي مع استمرار الإدارة في الزعم بأن ضغطها على إيران نجاح ساحق. فقد قال وزير الخزانة سكوت بيسنت لفوكس نيوز في سبتمبر إن «الحصار ناجح، ناجح على نحو لم نر له من قبل نظيرا».

والآن. وصلت أسعار الديزل في أماكن قليلة من كاليفورنيا إلى 9٫99 دولار للجالون، وهو أعلى سعر يمكن أن يظهر على هذه المضخات. وأنفقت الولايات المتحدة بالفعل أكثر من ثلاثة وأربعين مليار دولار على الحرب، وفقا لتقديرات البنتاجون المتدنية، أي أكثر من القدر الكافي لتوفير التعليم الجامعي بالمجان لمدة سنة للأسر الأمريكية التي يقل دخلها السنوي عن مئة وخمسة وعشرين ألف دولار.

وتسبب ارتفاع الأسعار بسبب الحرب في تكلفة كل أسرة ما يقارب ألف دولار وفقا للاقتصادي مارك زاندي. كما أننا، بصفة أعم، قد أنهكنا ترسانتنا، وتكبدنا خسائر أمريكية وإيرانية في الأرواح، ولعلنا ارتكبنا جرائم حرب، وكشفنا نقاط ضعف أمريكية، وخسرنا فعليا سيطرتنا على بعض القواعد وأضعفنا مصداقية أمريكا العسكرية في نطاق شاسع يصل إلى شرق آسيا.

وبرغم ذلك كله تعتقد إدارة ترامب أن لها اليد العليا بسبب الضغط الاقتصادي الذي تفرضه على إيران.

ليكن، لعل الأمر كذلك؛ فالاقتصاد الإيراني يمر حاليا بكارثة، وعموم الإيرانيين ـ أي الشعب الذي يفترض أننا نساعده ـ يعانون أشد المعاناة، وسعر صرف الريال وصل إلى 2٫5 مليون ريال مقابل الدولار الواحد، أي عشر ما كانت عليه قيمة الريال في عام 2021.

لكن لا يبدو أن واشنطن تفهم إن إيران قد تختار التصعيد بدلا من الاستسلام.

فقد قال لي فالي نصر خبير الشؤون الإيرانية في مدرسة جون هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة «إنهم انتهوا إلى أن السبيل الوحيد المتاح لهم للنجاة هو شق طريقهم بالقوة»، وذهب إلى أن إيران قد تزيد الهجمات على السفن وقد تستهدف ـ وبخاصة في حال تعرضها للضرب ـ بنية النفط الأساسية في عموم منطقة الخليج.

أخشى أن يكون اسفنديار باتمانغيلج مراقب الشؤون الإيرانية في أحد مراكز الأبحاث البريطانية محقا في قوله إن «إيران لم تشن حملة أرض محروقة، لكنها قد تفعل ذلك إذا ما طال الوضع الراهن لأمد أطول مما ينبغي. وهذا ما يثير قلق كل متابع لهذه المنطقة ودينامياتها».

يصعب أن نتصور الوصول إلى اتفاق، وذلك جزئيا لأن لكل من ترامب وإيران تاريخا في التجاوز، ولأن جاريد كوشنر وستيف ويتكوف مقاولان عقاريان حقا ولم يجر اختيارهما إلا لقربهما من ترامب لا لأي حذق دبلوماسي لديهما.

ويبدو أيضا أن القادة الإيرانيين متغطرسون، فقد تباهى أحمد وحيدي قائد الحرس الثوري الإيراني في أغسطس بأن إيران أذلت الولايات المتحدة.

وقال وزير الخارجية عباس عراقجي لبرنامج (مقابلة مع الصحافة) [Meet the Press] إن «إيران مستعدة تمام الاستعداد لجولة جديدة من القتال...حتى لو صارت حرب نهاية العالم».

من المواضيع النادرة التي أتفق فيها مع ترامب موضوع الأهمية الهائلة لمنع إيران من امتلاك أسلحة نووية.

في خطاب ترامب أمام الأمم المتحدة ـ ذلك الذي تأمل فيه مسألة إذا ما كان يجدر به «محو الجمهورية الإسلامية، ومحوها بسرعة» ـ أصر على أن «إيران لن تمتلك أبدا سلاحا نوويا».

وهذا ما يسهل قوله لا فعله؛ لكن لعل حرب ترامب قد زادت احتمال سعي إيران إلى سلاح نووي.

لقد بدأت حرب إيران بقتل المرشد الأعلى السابق الذي كان قد أصدر فتوى تنص على أن إيران لن تصنع أسلحة نووية. أما المرشد الأعلى الجديد، وهو نجل السابق، فلم يرث عنه تلك الفتوى، ولم يصدر فتواه الخاصة الجديدة، فثمة الآن «حوار جاد في إيران» حول السعي إلى الأسلحة النووية حسبما قال لي نصر.

وثمة مشروع قانون أمام البرلمان الإيراني يقترح الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي، وقد دعا إلى ذلك اثنان وثلاثون من الشخصيات الإيرانية. وسيكون ذلك وبالا.

وقال عراقجي للصحفيين إن «أي بلد آخر عدا إيران كان لينسحب من معاهدة حظر الانتشار النووي لو عومل بالطريقة نفسها».

ويجب أن نتعامل مع هذه التحذيرات بجدية.

ومن الأسباب التي ستدعو الأساتذة إلى تدريس حرب ترامب باعتبارها نموذجا لسوء الممارسة العسكرية أنها تنسجنم تمام الانسجام مع نمط أكبر تتبعه السياسات الأمريكية ذات النتائج العكسية حيال إيران.

وإنني أستنكر بشدة قسوة الحكام الإيرانيين وعجزهم اقتصاديا، ولذلك يثير غضبي الشديد أن أمريكا تكرر تقوية المتطرفين الإيرانيين.

فأولا، ساعدت الولايات المتحدة في الإطاحة برئيس وزراء منتخب ديمقراطيا سنة 1953، فأججت مشاعر القوميين واستياء الإيرانيين من الغرب، ثم في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، أعطت الولايات المتحدة لإيران مفاعلا نوويا، ودعمت حاكما كان يزداد استبدادا، وقامت بتجاوزات سمحت للخميني بأن يتحول إلى قوة وطنية من خلال إدانته للإمبريالية الأمريكية.

وأطاحت حرب جورج دبليو بوش سنة 2003 في العراق بصدام حسين عدو إيران وقوَّت الميلشيات الشيعية الداعمة لإيران. وفي 2018 أعلن الرئيس ترامب انسحابه من اتفاق أوباما النووي مع إيران. وبلغت (مسيرة الحماقة) ـ

بتعبير مستعار من المؤرخة باربرا توتشمان ـ ذروتها بحرب ترامب على إيران هذا العام؛ إذ عززت نفوذ المتشددين العسكريين في طهران ومكنتهم من استعراض مزيد من القوة على الخليج العربي وأسواق النفط العالمية.

وهذا ما أجده جديرا بحق بالدراسة: كيف يعقل أننا نحن الأمريكيين على مدار ثلاثة أرباع قرن قد ارتكبنا أخطاء فادحة في سياستنا الخارجية بأن دأبنا على تقوية المتطرفين الإيرانيين؟ وكيف يطلقون علينا «الشيطان الأكبر»، في حين أن عجزنا قد جعل منا رعاة لهم ومحسنين إليهم؟