No Image
ثقافة

"طلقة واحدة أخيرة"... محاولة إنقاذ البيت الأبيض من مأزق خطير

27 سبتمبر 2026
27 سبتمبر 2026

تبدو أفلام الحركة ذات الطابع السياسي نوعا فرعياً يكمّل أفلام الحركة المرتبطة بالعنف والجريمة والأفلام البوليسية وأفلام التحرّي ولا شك أن جاذبيّتها جميعاً تتمثل في الشخصيات التي تضطلع بعمليات المواجهة وتكون في الصدارة وغالباً ما يتم اختيار تلك الشخصيات بعناية حتى سادت وجوه لأفلام الحركة متكرّرة على الشاشات/ وإضافة إلى الشخصيات هنالك الأحداث التي تحرّك في المشاهد شغف المتابعة وبما في ذلك مشاهد حبس الأنفاس والإيقاع السريع.

وينتمي هذا الفيلم للمخرج "جيمس نان" وكاتب السيناريو "جامي راسل"، إلى نوع أفلام الحركة ذات الطابع السياسي وهو يكمّل فيلمين آخرين لنفس المخرج سبق وظهرا على الشاشات في عام 2021 وعام 2024، وهو يمضي في مسارين سرديين متوازيين خلاصتهما الحركة والعنف والصراعات والتركيز على مشاهد الانتقام والقتال الفردي.

فهنا سوف يكون "البيت الأبيض" هو الهدف بما يحمله من رمزية من وجهة نظر السياسيين ووسائل الإعلام وعموم الناس، فكيف إذا كانت هنالك مجموعة مارقة تقرر استهدافه بقنبلة بدائية الصنع أو ما يعرف بالقنبلة القذرة في أثناء خطاب الرئيس عن حالة الإتحاد؟

في الواقع أن ذلك ما سوف يحصل والأحداث تذكرنا بأقلام سابقة تم فيها استهداف البيت الأبيض ومنها فيلم سقوط أوليمبوس – 2013 وفيلم سقوط البيت الأبيض 2014، وفيلم الخيال العلمي يوم الاستقلال 1996، وفيلم هجوم المريخ 1997 وغيرها..

سوف نشهد منذ البداية أن خطة القائمين على الهجوم هي اضطرار البيت الأبيض الى اتباع بروتوكولات تقتضي إخلاء المسؤولين رفيعي المستوى إلى مكان آمن وهو المطلوب، إذ من خلالهم سوف يتم النفاذ إلى الأنظمة الدفاعية والاستخبارية، وهؤلاء المسؤولون مثل رئيس أركان الجيوش ومسؤول مخابراتي رفيع ومساعدة مستشار الأمن القومي وغيرهم، وهؤلاء جميعا ينجح منفذو الهجوم في احتجازهم وفحص حمضهم النووي وأخذ صورة حدقة العين وبالتالي مطابقتها مع بوابات النفاذ الى الأنظمة الأكثر سريّة ومنها أنظمة إطلاق الصواريخ الاستراتيجية وغيرها، وها هم أولئك المسؤولون الكبار يتم تكبيلهم والإساءة اليهم واستخدام معطياتهم للنفاذ الى قواعد البيانات الرسمية.

على الجهة الأخرى تستنفر الحكومة الأمريكية ويتم إقرار هجوم بالكوماندوز على الخاطفين وتتم الاستعانة بضابط مارينز سابق هو هاريس – يقوم بالدور الممثل سكوت ادكنز وهو أحد الضباط الذين خدموا لسنوات في أفغانستان ومن جهة أخرى هو صديق مقرّب من قائد العملية كارتر، يقوم بالدور الممثل ستيفن كري ولهذا يكون الأمر هو الوصول إليه من طرف هاريس وقتله وهكذا يظهر لنا أن قائد المجموعة المهاجمة والتي تحتجز كبار المسؤولين هو ضابط مارينز ساخط على النظام السياسي النفعي والاوليغاريشية السائدة كما سوف يعلن مبرراته كاملة عندما تقع المواجهة بينه وبين هاريس.

حظي الفيلم باهتمام نقدي ملحوظ، حيث كتب عنه الناقد برينت مكنايت في موقع آي سي قائلا: "إنّ هذا الفيلم من نوع الأفلام الذي تتوقعه وتتفاعل معه من الوهلة الأولى؛ وأنا أعني ذلك بالمعنى الإيجابي. لن تجد مفاجآت غير متوقعة، لكنه في الوقت نفسه الفيلم الذي يرغب فيه كثير من المشاهدين وحيث يلتزم المخرج بإظهار شغفه بصيغة التصوير بلقطة واحدة، مستخدماً لقطات طويلة ومتقنة توزيعاً حركياً لأفضل مشاهد القتال الفردي وتأتي الحبكة في الفيلم في مرتبة ثانوية مقارنة بأسلوب التنفيذ وطبيعة مشاهد الحركة، حيث يتلاعب الفيلم بالأفكار، ويكتفي غالباً بالمرور عليها سطحياً بدلاً من معالجتها بعمق. إنه مثلا يكتفي بالإشارة العابرة إلى تخلّي الحكومة عمن يخوضون المعارك الطاحنة نيابة عنها".

أما الناقدة "كريس مور" فقد كتبت في موقع بوليت بروف تقول: " لقد طرأت تغيرات هائلة على صناعة السينما في العالم بأسره منذ "العصر الذهبي" لأفلام الحركة (الأكشن)، مما يجعلنا نقدّر الأعمال التي تعيدنا إلى أجواء ذلك الزمن الغابر. وفي هذا الفيلم، حالة من التوتر المتصاعد مع تتابع الأحداث، ودائما ما تترقّب أن هنالك أحداثاً سيئة على وشك الوقوع، دون أن تعرف متى ستحدث أو مدى سوء عواقبها. وبمجرد وقوع تلك الأحداث، يصبح الفيلم أكثر تميّزاً في بنائه. ولا يبدو أن الغوص في الأعماق الموضوعية كان أولوية في هذا الفيلم؛ وهي أضعف نقاط السرد القصصي/ الفيلمي".

والحاصل أننا أمام إشكاليات حسّاسة مطروحة في الفيلم بصوت عالٍ ومنها أن الماكنة الحربية قد أكلت أعمار جيل كامل ليس لمصلحة الوطن ولا الولاء للعلم بل لكي يصعد الساسة وترتفع أرصدتهم من جهة وتستفيد شركات إنتاج السلاح وتتضخم ثرواتها من خلال إنتاج وبيع المزيد من الأسلحة للجيش الذي يقوم بأعمال فضيعة خارج الحدود، من جهة أخرى.

هذه المقدمات تحرج هاريس لكنها لن تثنيه عن مهمته فهو يدرك أن المواجهة مع كارتر وأنصاره سوف تقود الى مذبحة لا محالة وهو ما حصل مع أول مجموعة مهاجمة لم ينج منهم إلا هاريس نفسه.

وكما ذكرت العديد من القراءات النقدية للفيلم فقد عمد المخرج إلى نظام اللقطة الطويلة الواحدة وهي علامة فارقة ميزت عمل هذا المخرج ومن جهة أخرى الكم الكبير من مشاهد القتال الأعزل والفردي وإظهار المهارات الفردية من خلال سلسلة مواجهات هاريس ومجموعته مع فرقة كارتر ولهذا لن نستغرب الاستعانة بحوالي خمسين شخصا ضمن الطاقم من أجل تنفيذ المشاهد الخطرة والقتالات الفردية.

لن ينعطف الفيلم بنا كثيراً لا باتجاه حبكات ثانوية ولا بحياة عادية بل إنه يغرقنا تماما بمسار خطّي متواصل هو مدى اقتراب وابتعاد المواجهة ما بين هاريس وكارتر وهو الذي طغى على السرد الفيلمي وكيف تم توظيفه في هذا الفيلم وكل ذلك على خلفية سياسية سوف تفضي لاحقا الى تدمير الموقع الذي يتم فيه احتجاز الرهائن.

وعلى الرغم من أن الفيلم يلامس العديد من القضايا، إلا أنّه لا يرغب حقاً في اتخاذ موقف محدد تجاهها، فمثلا يتطرق الفيلم لمفهوم الولاء، وتحديداً سؤال أولئك المحاربين القدامى القادمين من حرب أفغانستان: لمن يجب على المرء أن يدين بالولاء؟ للعَلَم أم للرجل الذي يقف بجانب العَلَم؟ وهنا ثم تشكيك يعكسه الفيلم ينتشر في الواقع والحياة الأمريكية تتعلق بشركات السلاح والمهام الحربية ما وراء الحدود.

خلال ذلك يقدّم الفيلم لنا شخصيّتي هاريس وقائده، وكلاهما مرهقان ومثقلان بمخلفات وتأثيرات حرب أفغانستان، إذ أنهما لم يكادا يلتقطا أنفاسهما حتى تم استدعاؤهما على نحو عاجل للقيام بالمهمة الجديدة والخطيرة وهي مواجهة أولئك المتمردين على النظام العام، وهو مسار تم من خلاله توجيه النقد اللاذع للنظام السياسي المصلحي غير المكترث بالضحايا التي تطحنهم الحرب والمهام الخطرة في أعالي البحار.

..............

إخراج: جيمس نان

سيناريو: جامي راسل

تمثيل: سكوت أدكنز، ستيف كري، هانا وير، دولف لنغيرن، لين لينبو

مدير التصوير: جوزيف فيتزجيرالدمونتاج: ريتشارد بلاكبيرن

موعد العرض العالمي: 22 سبتمبر 2026

توزيع: سوني