No Image
عمان الثقافي

مـائـتـا عـامٍ مـن الـفـكـر الـعـربـيّ الـحـديـث

23 سبتمبر 2026
23 سبتمبر 2026

يعود إلى حسن العطّار، الشّيخ الأزهريّ الإصلاحيّ، الفضلُ في تمكين تلميذه رفاعة رافع الطّهطاويّ من فرصة السّفر إلى فرنسا لاستكمال التّعليم فيها ضمن أوّل بعثة تعليميّة مصريّة أرسلها محمّد عليّ باشا إلى الخارج. كان الشّيخ العطّار -ذو الأصول المغربيّة وصديقُ المؤرّخ الكبير عبد الرّحمن الجَبَرْتيّ- مهجوسًا بفكرة التّجديد في بيئاتٍ يُعشِّش فيها التّقليد وتَغْشاها قُواه؛ وما عَتّم أن صارت عبارتُه المأثورة، التي قالها في نهايات القرن الثّامن عشر («إنّ بلادنا لا بدّ أن تتغيّر أحوالُها، ويتجدَّد بها من المعارف ما ليس فيها»)، شعارًا إصلاحيًّا عامًّا وفكرةً مرجعيّةً هاديةً سار على مطمارِها، بعده، كلّ أولئك الذين شدّتهم إليها فكرةُ الإصلاح والتّجديد وسَكنتْ وعيهم، وفي جملتهم -بل على رأس قائمتهم- رفاعة رافع الطّهطاويّ. ولا مِرْية في أنّ الشّيخ حسن العطّار ما اختار تلميذه الطّهطاويّ ليسير في ركْب البعثة تلك، ربيع العام 1826، إلاّ لأنّه تَوَسَّم فيه أَمارات النّجابة والنّباهة والاستعدادات الذّاتيّة لكي يأتيَ من أفعال التّجديد في الفكر ما عوَّل على تلميذه أن يقوم به بعد أن يُقيَّض للأخير أن يتشبّع بقيم الفكر الحديث في موطنها الفرنسيّ... وفي مظانّ ذلك الفكر. وما أخطأ الشّيخُ في تقدير ما يسعُ تلميذَه أن يُحصِّله من المعارف التي بها تقومُ دعوةُ الإصلاح والتّجديد في مصرَ والبلاد العربيّة؛ فلقد كانت رحلةُ الطّهطاويّ إلى باريس والمقطوفُ المُودَعُ في سِلاله من ثمارها حدثًا جللًا في تاريخ الفكر العربيّ؛ إذْ بها كانت لحظةُ تدشين زمنه الحديث.

نحن نعيش، اليوم، في أجواء نهاية المئويّة الثّانية وحلولِ مئويّةٍ ثالثة من ميلاد الفكر العربيّ الحديث. وحدثُ ذلك الميلاد منعَطَفٌ بالمعاني جميعِها. بيانُ ذلك أنّ ما قبل العام 1826 غير ما بعد هذا التّاريخ على صعيد المعارف والأفكار، كما في أدوات التّجديد الذّاتيّ للفكر. ثقافة ما قبل الـ1826 هي، بالتّعريف، ثقافة النّصّ والاجترار والاستظهار؛ ثقافةُ الشّروح والمختصرات والتّحشيات المنحدرة إلينا تقاليدُها المكرورة من عهود الإظلام الثّقافيّ والحضاريّ. ولقد تكلّست تلك الثّقافة بمفعول زمنٍ مديدٍ ورتيبٍ قطعتْه منذ القرن الخامس عشر للميلاد، في أقلّ تقدير، إلى مطالع القرن التّاسع عشر. تكرّست طوال تلك القرون المتعاقبة من الانكفاء والعُقْم العقليّ نزعةٌ إيمانيّة عميقة تتلقّى النّصوص بالتّبجيل والتّقديس، وكأنّها تنزيلٌ حكيم، وتُعرِض عمّا يَفِد إليها من غير المألوف والمدروج عليه والموروث من السّلف من المعارف. وهكذا كانت مدارس العلم التّقليديّ في البلاد العربيّة -من جنس الجامع الأزهر في القاهرة والقرويّين في فاس والزّيتونة في القيروان والنّجف الأشرف...- مصانعَ لمعارف لا تُظْهِر متلقّيها على أيِّ علمٍ بأشياء العالم، ولا تكاد أن تبارح عاداتها التي درجتْ عليها في تنمية مَلَكات التّخزين والاستظهار والمقدِرة على العنعنة وضروب السّجال المختلفة على منوال الفَنْقَلَة وما شابهها!

في المقابل، بدت ثقافة ما بعد 1826 (وباكورةُ غِلالها كان كتاب الطّهطاويّ «تخليص الإِبريز في تلخيص باريز») مختلفةً إلى حدٍّ بعيد: بدت نَزّاعةً إلى طلب الجديد من الفكر الوافِد والسّعي إليه، والانفتاح عليه انفتاحًا يصل حدود الاستبطان والاستدخال، أحيانًا، والإفادة والاستيحاء والاستلهام أحيانًا أخرى. ولَمّا كان فكرُ ما بعد الـ1826 قد اطّرح عادة التّشرنُق على الذّات وملازمةِ التّقليد وتَحَرَّر من آفة إنكار الآخَر والإِعراضِ عن معارفه، فقد راضَه ذلك الانفتاحُ على خارجه ودَرَّبَهُ على توطين تقاليدَ معرفيّة جديدة فيه لم تكن مألوفة عنده؛ من ذلك، مثلًا، رياضتُه على الميلِ إلى مساءلة معطيات الفكر المتَلَقّاة والكفِّ عن استبداهها، وتجريبِ مقاربة الأشياء ببعض النّقد أو -في الحدّ الأدنى- بقليلٍ من الوثوقيّة الإيمانيّة العمياء. لذلك ما من غرابة في أن يقع فيه استيلادُ شرعيّةٍ للحديث تعيش حالًا من التّجاوُر مع شرعيّة القديم إنْ لم تدخُل في صُوَرٍ من منازعتها وتجريبِ محاولات الحلول محلّها. وهذه وسواها من مكتسباتٍ صبّت رصيدها في مشروع التّجديد الذي ما لبث أن شقّ لنفسه سبيلًا إلى توليد سيرورة ثقافيّة متنامية نحو بناء مشروع للحداثة في الفكر العربيّ.

لم تولَدِ الحداثةُ في الفكر العربيّ المعاصر -حين وُلِدت- من فراغٍ ولا بإسقاطٍ مظلّيّ (وإنْ كان بعضُ تعبيراتها كذلك)، بل تطوّرت في سياقٍ تاريخيّ فكريّ خاصّ مرّت فيه بمحطّات ثقافيّة وفكريّة قادتِ الواحدةُ منها إلى الأخرى من غير أن تَجُبّ أيٌّ منها ما قبلَها. بدأت فكرةً إصلاحيّة غشيتِ الوعيَ العربيّ الإسلاميّ فنبّهتْه إلى فجوتين سحيقتين تحتاجان إلى السّدّ: فجوةٌ بين واقع العرب وأوروبا؛ بين بقايا مدنيّتهم الموروثة والمدنيّة الأوروبيّة الصّاعدة والزّاحفة في الآفاق؛ وفجوةٌ بين حاضر العرب المتهالك وماضيهم الحضاريّ المرجعيّ. والفجوتان تانك لا تُسَدّان بغير تأهيلٍ جديدٍ لذلك الفكر: بمواردَ جديدة ليست ممّا هي في حكم المواريث بحيث نستعيدها بالتِّلقاء واليُسر، وإنّما هي من منجَزات الغرب التي لا غُنية لأمّةٍ عن الْتماسها وتوسُّلها؛ فهي ممّا يُحتاج إليه بحكم منطق الضّرورات، والوصول إليها -إنْ في المظانِّ أو الشّذرات- شأنٌ يقتضي تضحيات. هكذا ضخّت فكرةُ الإصلاح في الفكر العربيّ ديناميّةً دافعة ومنتجة؛ فقد أخذتْه إلى معاقرة سؤال التّقدُّم في مجمل ما يتناوله من معضلات. وما أغنانا عن القول إنّ الانتقال بالتّفكير من هواجس الماضي والهويّة وكيفيّةِ الحفاظِ عليها من أيّ إحداث إلى هاجس التّقدّم وكيف نحرِز نجاحاتٍ فيه... انتقالٌ حاسم نحو تصويب علاقة الفكر العربيّ بتاريخه وبأسئلة ذلك التّاريخ؛ وذلك كان أوّل الخطو نحو الحداثة.

موازاةً لفكرة الإصلاح وتَساوُقًا، تبلورت فكرةُ النّهضة وتطوّرت منتقلةً بالوعي العربيّ من ضفاف اللّغة والأدب والتّعبير الجماليّ -وقد رست عليها ابتداءً- إلى ميادينَ من الفكر أخرى، مثل الاجتماع والسّياسة والتّربيّة والفكر. كان الإصلاحيّون نهضويّين في الأغراض التي فكّروا فيها وكتبوا؛ فيما فاض عملُ النّهضويّين عن ميدان الإصلاح الإسلاميّ الذي عُني به الأوّلون وتفرّغوا له. لكنّ الفريقين معًا انتسبا إلى تلك السّيرورة الثّقافيّة التي ستقود الفكر العربيّ نحو لحظة الحداثة بعد أن تُهيّئه ذاتيًّا للولوج إليها من غير كبيرِ صدمات. ها هنا ليس مهمًّا أن نتوقّف، كثيرًا، عند سؤالٍ من قبيل: أيُّ الموجتين كان أسرعَ بإيصال الفكر العربيّ إلى الحداثة: الإصلاح أم النّهضة؟ أو من قبيل: من كان أكثر انفتاحًا من تينك الموجتين على فتوحات الفكر الإنسانيّ الحديث؟ فقد لا يضيف التّفكيرُ في ذلك -على كبيرِ أهميّته- شيئًا إلى ما نحن فيه من سعيٍ إلى بيان مديونيّة فكرة الحداثة، في فكرنا العربيّ، إلى فكْراتٍ أخرى تبلورت في سياق تطوُّره وأثمرتْ فيه ثمْراتها الوفيرة التي اغتذى منها، وأهمّها فكرتا الإصلاح والنّهضة.

لسنا نجحد -فيما قلناه فوق- حقيقةَ اتّصالِ فكرةِ الحداثة في الفكر العربيّ المعاصر بمصادرها الخارجيّة الغربيّة التي منها استُقِيت معطياتٌ واستُلهمتْ أخرى واستُفيد منها؛ فالعلاقة بينها وتلك المصادر ليست موطنَ سؤالٍ أو تشكيك لكي تكون محلَّ إنكار، بل هي معلومة لدى كلّ مَن يقرأ مقالات الحداثة والحداثيّين في الفكر العربيّ أو كلِّ مَن تناولها بالدّرس. ما جحدنا تلك الحقيقة، إنّما حرصنا على أن نشدّد على مدخلٍ مختلف إلى قراءة تاريخ فكرة الحداثة، في الفكر العربيّ المعاصر، هو: النّظر إليها في سياق تاريخ التّطوُّر الذّاتيّ (أي من داخل تاريخ الفكر)، من غير أن نتجاهل فعْل الأثر الفكريّ الخارجيّ في مجرى ذلك التّطوُّر. أمّا حاملُنا على إتيانِ هذا الاختيار المنهجيّ في قراءة تاريخ الحداثة فالإيمان بأنّ قِيم تلك الحداثة لا يمكنها أن تُزْدَرع إلاّ في تربةٍ خصبة ملائمة، وأنّه من دون قابليّةٍ ذاتيّة لاستقبال قيم الحداثة وتوطينها، لا سبيل لفكرٍ إلى السّير في طريقها اللاّحب. وهذا ما كان قد وجّهنا، في دراستنا الموسَّعة لتاريخ الحداثة في الفكر العربيّ المعاصر («العرب والحداثة»... في أربعة أجزاء)، إلى قراءة ذلك التّاريخ الفكريّ في ترابُط حلقاته وتعاقُب آثارها، وانطلاقًا من أدوار مصادرها الدّاخليّة المتفاعلة -طبعًا- مع الأثر المعرفيّ الخارجيّ لمنظومة الحداثة في الغرب.

ما أشدّ حاجتنا، إذن، في أجواء ذكرى حلول مئوية الفكر العربيّ الحديث الثّالثة، إلى بذل جهود معرفيّة أسخى من أجل إعادة كتابة تاريخٍ شاملٍ لهذا الفكر، ومساءلته فيما أحسنَ الجواب فيه عن إعضالات الواقع والفكر، التي عَرضت له موضوعيًّا أو طرحها على نفسه، وما أخفق فيه أو جانبه الحظّ في إحسان تناوله؛ ما المنسيُّ واللّامفكَّر فيه في ذلك الفكر ممّا كان يَعتاز البحث والدّرس؟ ما المعضلات التي تحتاج منه، اليوم وغدًا، إلى انتباهٍ وإلى بناءٍ دقيق لأسئلتها...؟ أحسَب أنّ هذه الهواجس لا تعني، كثيرًا، ماضي الفكر العربيّ الحديث في المائتي عام المنصرمة بمقدار ما تعني حاضرَه ومستقبله وتُحَرِّض على التّفكُّر في أحوالهما.

عبد الإلـه بـلـقـزيـز باحث ومفكر مغربي