No Image
عمان الثقافي

حيث أتوطن بسعادة

23 سبتمبر 2026
23 سبتمبر 2026

في سنتي الجامعية الأخيرة قضيت ساعات طويلة في جمع عينات من نبات الحرمل من وادي الخوض، ثم عدت إلى مختبري الصغير في كلية العلوم، فنظفتها وفصلت البذور، ثم جففتها في فرن على درجة حرارة ٤٠ درجة مئوية. وطحنتها لتتحول إلى مسحوق ناعم، بعدها قمت باستخدام جهاز «Sokhet Extractor» بغرض استخلاص مركب الحرملين.

يحدث الاستخلاص بعدة خطوات، تبدأ بتسخين المذيب في الدورق، ثم تبخيره وتكثيفه، وتقطيره في الحجيرة التي وضع فيها المسحوق، ثم إعادته مرة أخرى إلى دورق التسخين، لتتكرر الدورة عدة مرات. تستغرق كل دورة استخلاص من أربع إلى ثماني ساعات، وأنا جالسة على كرسي المختبر الصغير، أتتبع بصبر قطيرات السائل الشفاف الذي سيستخلص منه مركب الحرملين، الذي سيجرى عليه لاحقا بحث صيدلي، للتأكد من منافعه ومضاره في علاج مرض السكري.

وأنا أكتب هذه الشهادة المختزلة حول تجربتي في القصة القصيرة، لم أستطع مقاومة تذكري لمشهد جلوسي في المختبر لساعات، أراقب التجربة وأغالب الضجر بأحلام اليقظة، في «محاولة للتوطن في العالم، في سعادة هذا العالم» كما يقول باشلار.

غير أني لم أجد في الكيمياء العضوية التي تخصصت فيها موطنا لي، رغم أني قضيت ثلاثة عشر عاما في المختبرات أحاول ذلك، فأنشأت عالما يخصني في مكان آخر، إذ لم يكن بالإمكان تحمل تلك الغربة الباردة في المختبرات لولا ذلك، أقصد كتابة القصة القصيرة، ثم إنه كان على أحلام اليقظة أن تجد من يكتبها.

هكذا بدأت كتابة القصة القصيرة على حاسوب المختبر كلما سنحت لي الفرصة، ومن هناك خرج أول نص منشور لي عام ١٩٩٦، بعنوان «صرصار» الذي حكى عن مواجهة متخيلة بين امرأة تستحم وصرصار يترصدها، لكن أكانت القصة حقا عن ذلك؟ أم عن كيانين غير متماثلين في القوة، ورغم أن الكيان الأضخم كان هو الأشد فتكا إلا أنه كان الأكثر ذعرا أيضا.

هل كان النص عن المرأة التي استخدمت الماء كي تدفع بالصرصار إلى فتحة التصريف؟ أم عن بطش القوة المطلقة عندما يهزمها صوت صرصار ليلي؟ لا يملك إلا صوتا رتيبا وقدمين خلفيتين تعملان كزنبرك، وبإمكانهما أن تقذفا به إلى الهواء، هل كان سيطير؟ هل كان سيهاجمها؟ لا أحد يعلم، لكنها كانت خائفة، ولأنها مذعورة وجهت إليه سيلا من الماء وظنت أنها أغرقته فاطمأنت.

لا أعرف إن كنت تمثلت ذلك كله وأنا أكتب النص، أم أني أستدعيه بوعي لحظة الكتابة هذه، وأحاول تحميله ما لا يحتمل. أثار هذا النص ما أثاره من ردود فعل لم أفهمها، فلقد رأى بعض القراء المرأة التي تستحم، لكن لم يلتفت أحد إلى الصرصار ولا إلى رائحة الخوف وجنون القوة وبطشها.

بعدها كتبت «خيط»، النص الذي أعرف فضاءه جيدا وأعرف الطفلة التائهة فيه، وأعرف يد جدها التي أمسكت بيدها وأعادتها إلى المنزل. وأعرف مذاق الحلوى في فمها، لكني لا أعرف أين ضاع النص، فلم أجده فيما احتفظت به من النصوص، لأضمنه في مجموعتي القصصية الأولى «رفرفة»، التي صدرت بعد حوالي ثماني سنوات من نشر أول نص لي في الجريدة.

تنوعت نصوص مجموعتي الأولى، بلا خيط ينظمها، وأظن أن محاولة تخليق خيط لكل مجموعة قصصية أمر مقدر، لكنه سينتج في النهاية مجاميع قصصية معنية بالوحدة بدلا عن التشظي، وأنا شخص مزاجي، متقلب، وتحدث أمور كثيرة في حياتي، أقرأ وأسافر وأجرب عديدا من الأشياء وبشكل عشوائي أحيانا، لذا أجد أن البحث عن خيط واضح في مجموعاتي محاولة جيدة لمن أراد لكني لا أتبعه ولا أريده، غير أني لم أكن أعرف ذلك، فالنقاد كانوا منشغلين بالمرأة في النص لا النص كمعنى جمالي ورؤية شخصية للعالم.

أخلصت للقصة القصيرة من ١٩٩٥ إلى ٢٠١٣ ثم لم أعد أجد أن النصوص القصيرة التي كنت أكثف فيها ملاحظاتي للعالم من حولي وفيّ وأقطر فيها الفكرة التي أبتغي العمل عليها تكفيني، فرغم أني شخص يحب كثافة القصة القصيرة كما يحب همسها، مؤمنة بأن على القارئ أن يشارك في بناء النص، وأن يضيء العتمات التي تركتها فيه وأن يخلق معنى موازيا، إلا أنني أيضا احتجت لأن أخرج من تلك العتمات المريحة إلى مساحة ضوء أكبر، أكتب فيها رؤيتي الخاصة لسردية البلاد، تاريخ أحزانها وثوراتها وجوعها، آلامها وتناقضاتها.

ذهبت إلى كتابة الرواية بخبرة كتاب شعري صغير «مظلة الحب والضحك» وثلاث مجموعات قصصية، «رفرفة» و«صائد الفراشات الحزين» و«حبيب رمان»، و«غبار» الذي تجنبت تصنيفه لأني لم أعرف كيف أفعل ذلك، فتركت للقراء أن يقرروا ذلك بدلا مني. وفعلا رأى البعض أنه يوميات، وآخرون ذهبوا إلى أنها رسائل، ووجدها البعض متوالية قصصية، بل وتكرم أحد النقاد فاعتبره شكلا من أشكال الرواية، أما أنا فلم أكترث حقيقة إلا للحظات الكتابة التي تخلقت فيها تلك النصوص.

ذهبت للرواية إذا، أحاول وأفشل ثم أحاول مرة أخرى وأفشل، أربع محاولات روائية غير مكتملة دسستها في ملف على شاشة الكمبيوتر وتركتها لتستريح، يدفعني لذلك محاولة استعادة الطفلة الحكاءة، التي كانت تتجمع حولها الفتيات على سطح بيت جدها، لتحكي لهن «خبر» سمعته من جدتها أو «قصة» قرأتها في كتاب ما.

ثم كتبت «الباغ»، فتعلمت فن تأجيل المتعة، وتعلمت كيف تحفر بئرا بإبرة كما يصف أورهان باموق كتابة الرواية.

علمتني الرواية الصبر أكثر مما تعلمته في المختبرات، ووجدت في كتابتها أسلوب عمل مختلفا تماما عن كتابة القصة، إذ أقضي ساعات طويلة بين البحث والكتابة، في انغماس تام، وتماس حميم مع الشخصيات التي أردتها أن تكون حية على الورق كما هي حية في قلبي، وهذا ما لا يحدث لي مع القصة القصيرة، فالقصة القصيرة اشتغال جواني في غالب خطواته، يسخن ويتبخر ويتقطر في ذهني لأيام، ثم ينهمر دفعة واحدة على الورق مكثفا وشفيفا وحارا، أتركه ليبرد أياما، وأعود لزيارته بعد ذلك مرات بهدف تشذيبه قبل النشر.

لاحقا، أصدرت مجاميعي القصصية كلها في كتاب واحد أخذت عنوانه من أحد نصوص «غبار» فأسميته «حيث لم يعرفني أحد»، وكم بدا هذا العنوان مثاليا بالنسبة للمرأة التي عاشت عمرها كله تحاول الاختباء في طيات الكلام، حتى كتبت الرواية فأزعجها الضوء.

جمعت قصصي إذ ظننت أني لن أعود لكتابة القصة القصيرة ثانية، لكني هذا العام وبعد ثلاثة عشر عاما من صدور آخر مجموعاتي القصصية، صدرت لي مجموعة جديدة وسمتها بعنوان «الدرب الذي بيننا»، جمعت فيها نصوصا قصيرة، تناثرت على سطح المكتب بين «الباغ» و«دلشاد» بسيرتيه الجوع والشبع، والدم والذهب، ونصوصا أخرى كتبتها بعد ذلك في محاولة للعودة لكتابة أحلام اليقظة، حيث أعيد اكتشاف نفسي والعالم من خلال تبخير اللحظات وتبريدها وتكثيفها في دورق صغير بحجم راحة اليد.

نعم، القصة القصيرة مختبري السري ومخبئي، حيث أذهب لأستريح من شقاء الرواية، لأقول ما هو خاص وشخصي وحميم، المكان الذي يخصني وحدي وأعمل فيه على إعادة إنتاج أحلام اليقظة وأتوطن فيها بسعادة.

• شهادة قدمت في ملتقى جمعية آداب وفنون السرد بالرياض.

بشرى خلفان قاصة وروائية عُمانية من أشهر أعمالها رواية «دلشاد» في جزأين