No Image
العرب والعالم

الأمم المتحدة أمام اختبار جديد: أزمة «المنظمة» واختيار الأمين العام المقبل

22 سبتمبر 2026
22 سبتمبر 2026

واشنطن"د. ب. أ": يقول المسؤولون الدوليون أحيانا على سبيل المزاح أو السخرية، إن الأمم المتحدة، تعيش دائما في أزمة. فمنذ تأسيسها عام ١٩٤٥، واجهت المنظمة توترات جيوسياسية عميقة، وكوارث إنسانية مدمرة، وعجزا متكررا في الميزانية.

ورغم ذلك فإن أعمال الدورة الجديدة للجمعية العامة للأمم المتحدة التي بدأت هذا الأسبوع بحضور قادة العديد من دول العالم، تأتي في الوقت الذي تبدو فيه المنظمة الأممية في وضع حرج للغاية.

فقد منعت الصين وروسيا والولايات المتحدة، وهي ثلاث من الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي وصاحبة حق النقض (الفيتو)، المنظمة من التدخل في الحروب الدائرة في إيران وأوكرانيا، والنزاعات الأهلية في ميانمار والسودان. كما تشكو الدول الفقيرة من أن الدول الغنية لم تنفذ تعهداتها للأمم المتحدة بشأن التمويل التنموي. كما أوقفت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب معظم التمويل الأمريكي لأنشطة الأمم المتحدة في العام الماضي، مما أجبرها على تقليص جهودها في مجالات حفظ السلام والإغاثة الإنسانية.

-استعادة بعض المصداقية-

وفي تحليل نشرته مجلة فورين أفيرز الأمريكية قال ريتشارد جوان مدير برنامج القضايا والمؤسسات العالمية في مجموعة الأزمات الدولية إن تفاقم أزمات الأمم المتحدة يتزامن، مع بدء إجراءات انتخاب أمين عام جديد خلفا لأمينها الحالي أنطونيو جوتيريش.

لذا قد يحدد الأمين العام الجديد ما إذا كانت الأمم المتحدة ستكون قادرة على تحقيق الاستقرار وربما استعادة بعض المصداقية، أم ستواصل التدهور.

وسيترك الأمين العام الحالي أنطونيو جوتيريش، منصبه مع نهاية العام، بعد أن كافح خلال عقد من الزمن لتغيير مسار المنظمة السياسي، حيث أمضى معظم العامين الأخيرين في معالجة تقليص عدد الموظفين واتخاذ تدابير أخرى لخفض النفقات لضمان عدم إفلاس الأمانة العامة للأمم المتحدة خلال ولايته. في المقابل يأمل الدبلوماسيون ومسؤولو الأمم المتحدة أن يتبنى القائد الجديد نهجا طويل الأمد لتنشيط المنظمة والحفاظ على التزام الحكومات بالتعددية الدولية.

تضم قائمة المرشحين لخلافة جوتيريش كلا من ريبيكا جرينسبان، المسؤولة التجارية البارزة في الأمم المتحدة، ورافائيل جروسي، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وكارولين رودريجز بيركيت، سفيرة جويانا لدى الأمم المتحدة. وبغض النظر عمن سيفوز، سيحتاج خليفة جوتيريش إلى وضع خطة عمل جديدة لإعادة تنشيط المنظمة.

في الوقت نفسه فإن أي محاولة جادة لإعادة الحياة للأمم المتحدة يجب أن تنطلق من الاعتراف بحقيقة مرة وهي "طالما بقي العالم تنافسيا وفوضويا، ستظل قدرة الأمم المتحدة على صياغة اتفاقيات دولية واسعة النطاق محدودة".

-عصر التقشف والتنافس-

ويرى جوان أن أفضل فرصة لنجاح الأمين العام القادم تكمن في التخلي عن بعض طموحات المنظمة، وتقليص حجمها، وإعطاء الأولوية لمنع الأزمات الدولية وحل النزاعات، وتقديم المساعدات الإنسانية بكفاءة، مع تحقيق أهداف التنمية الدولية القابلة للتحقيق. في الوقت نفسه فإن تقليص حجم الأمم المتحدة والتركيز على عدد أقل من الوظائف الأساسية قد يخيب آمال المدافعين المتحمسين عن الحوكمة العالمية.

لكن هذه النسخة المصغرة قد تكون الوحيدة القابلة للاستمرار في عصر التقشف والتنافس بين القوى العظمى.

ومنذ نهاية الحرب الباردة، دأب قادة الأمم المتحدة على مواجهة الأزمات بالقول إن على المنظمة بذل المزيد من الجهود، لا تقليصها. وقد تصور بطرس غالي، أول أمين عام للأمم المتحدة في حقبة ما بعد الحرب الباردة، المنظمة كهيئة عالمية فاعلة في صنع السلام، لكن مع فشل قوات حفظ السلام (الخوذات الزرقاء) في منع الإبادة الجماعية برواندا عام 1994 ومذبحة سريبرينيتسا في البوسنة عام 1995، تراجعت مكانة المنظمة في أواخر ولاية غالي الأولى والأخيرة.

ووضع خليفته كوفي عنان، نهجا جديدا للأم المتحدة بهدف تعزيز حضورها سواء في جهود مكافحة الفقر ومرض الإيدز وأطلق حفظ سلام في كوسوفو وتيمور الشرقية والعديد من الدول الأفريقية، ونظم قمة عالمية عام 2005 لإقناع الحكومات بالالتزام مجددًا بالتعددية، وقاد إنشاء لجنة بناء السلام الجديدة ومجلس حقوق الإنسان في جنيف, وواجه خلفيتاه، بان كي مون وجوتيريش، سلسلة متزايدة من الأزمات، وعلى رأسها الحرب الأهلية السورية التي قسمت مجلس الأمن لأكثر من عقد، وتزايد النزاعات والأزمات الإنسانية والكوارث الطبيعية، وازداد حجم ميزانية الأمم المتحدة، ومنظماتها التابعة من 40 مليار دولار عام 2010 إلى 74 مليار دولار عام 2022، مدفوعًا بشكل كبير بزيادة الإنفاق على المساعدات الإنسانية.

وبمرور الوقت، اتسعت الفجوة بين التصور الطموح للأمم المتحدة وسجلها الفعلي لدرجة يصعب معها حتى على مناصريها تجاهلها. ولا يزال رؤوساء الدول والحكومات يحضرون اجتماعات الأمم المتحدة، ويصدر الدبلوماسيون قرارات وبيانات بشكل متكرر. لكن المنظمة باتت الآن مضطرة للتنافس مع تجمعات دولية وإقليمية بديلة مثل مجموعة الدول السبع، وتجمع البريكس، ومجلس السلام الذي أنشأه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

كما وصل إلى الحكم في العديد من دول العالم أحزاب شعبوية وقومية تنتقد التزامات المنظمة بالقيم العالمية، لا سيما فيما يتعلق بمعاملة اللاجئين والمهاجرين، وهو خط هجوم شجعته إدارة ترامب في ولايته الأولى والحالية.

وكان التأثير المباشر الأكبر لترامب على الأمم المتحدة على مواردها المالية. ففي الأشهر الأولى من عام 2025، جمدت إدارته جميع التمويلات الأمريكية للعمل الإنساني للأمم المتحدة تقريبا، ورفضت المساهمة في ميزانيتها الأساسية. وفي العام الماضي، دفعت أقل من نصف مساهماتها المتوقعة لعمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة.

-العالم لا يحتاج إلى التصريحات-

لذلك سيواجه الأمين العام الجديد،، تحديا صعبا يتمثل في إنجاز مهمة الأمم المتحدة واستعادة ثقة أعضائها مع الاستمرار في ترشيد الإنفاق. كما ينبغي أن تتمثل المهمة المقبلة للأمين العام الجديد في إيجاد أجندة تعاون أكثر تركيزا يمكن للدول المتشككة تبنيها، بدلا من السعي لتوسيع نطاق أنشطتها ويقر جميع المرشحين لخلافة الأمين العام الحالي بضرورة الانضباط المالي واتباع نهج عملي لحل المشكلات العالمية. لكن لم يقدم أي منهم مقترحات تفصيلية، ولكنهم جميعا يتفقون، على حد تعبير جروسي، على أن "العالم لا يحتاج إلى مزيد من التصريحات". وفي سياق مماثل، وعدت جرينسبان بجعل الأمم المتحدة "أكثر فائدة ومرونة وخضوعا للمحاسبة" أمام أعضائها.

ومهما كان اسم الفائز بمنصب الأمين العام الجديد للأمم المتحدة، فإنه سيحتاج إلى تحديد مهامه بدقة أكبر. فسلطة الأمين العام على منظومة الأمم المتحدة معقدة بسبب تشابك هياكل الحوكمة المختلفة، وعمليات إعداد الميزانية، والمصالح المؤسسية، كما أن توسع أنشطة الأمم المتحدة على مدار تاريخها خلق ما يمكن اعتباره فائضا مؤسسيا كبيراً. فهناك ثلاث وكالات في روما تعنى بجوانب مختلفة من الزراعة والأمن الغذائي.

وهناك مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة للإشراف على جهود مساعدة النازحين في المناطق نفسها، وغالباً ما تتنافس المنظمتان على نصيبها في كل أزمة. وهناك عدد محدود من المبعوثين والمكاتب والصناديق التنموية المعنية بجوانب مختلفة من قضية تغير المناخ. وعلى الرغم من اتفاق كل العاملين في الأمم المتحدة على ضرورة تقليص هذا العدد الهائل من المنظمات والوكالات الفرعية، لا يكاد يوجد اثنان منهم يتفقان على صيغة الدمج والتوحيد. لذلك، سيحتاج الأمين العام القادم إلى توحيد الجهود وتبسيط آلية جمع تمويل الأمم المتحدة، وتنظيم الاستجابة للأزمات، وحل التضارب بين ولايات منظماتها.