موت الخبرة
22 سبتمبر 2026
22 سبتمبر 2026
«المسدس جعل الجبان شجاعًا، وكذلك الذكاء الاصطناعي جعل الجاهل عالمًا». مقولة سمعتها من أحد الأصدقاء، وبقيت عالقة في ذهني لما تحمله من مفارقة تختصر كثيرًا مما نعيشه اليوم؛ فكثير من الاختراعات ساوت بين الناس، بل ربما فاضلت بين من يمتلكها ومن لا يمتلكها. فالمسدس، على سبيل المثال، جعل الجبان شجاعًا بفضل الآلة التي يمتلكها، لا بفضل شجاعته هو، والأمر ذاته ينطبق اليوم، مع اختلاف السياق، على تقنيات الذكاء الاصطناعي التي قربت المسافة بين الذين يعلمون والذين لا يعلمون، بل ربما رجحت كفة من تعلم هذه التقنيات وأجاد استخدامها، وإن كان قليل الخبرة، على من يمتلك خبرة طويلة، لكنه لم يطور نفسه، ولم يستفد من أدوات العصر وتقنياته.
تقودنا هذه المقدمة إلى جوهر هذا المقال: الخبرة مقابل الآلة؛ من يصمد أكثر، ومن ينتصر أخيرًا، هذا إن استطعنا اختزال الإجابة في الانتصار والهزيمة أو حتى التعادل، وهي النهاية التي اعتدنا أن نبحث عنها لكثير من أسئلتنا. فهل تصمد الخبرة أمام الاختراع، أم أن الخبرة محكوم عليها بالموت إن لم تصقل نفسها وتستفد من ذكاء الآلة وقدراتها؟ وهذا ما يثبته التاريخ الإنساني على مر العصور؛ فكل اختراع جديد أعاد تعريف كثير من المهن والمهارات، وأبقى أولئك الذين استطاعوا التكيف معه.
ولنأخذ مثالًا من صميم عملنا اليومي: صحفي يعمل في صحيفة يومية، ويمتلك ثلاثين عامًا من الخبرة، وآخر تخرج حديثًا وبدأ عمله منذ أشهر قليلة في المؤسسة ذاتها. كلاهما يستطيع اليوم تطويع الذكاء الاصطناعي لكتابة خبر أو تحليل سياسي أو اقتصادي في عشر ثوان. وهنا تحضرني مقولة أخرى لأحد الأصدقاء: «تخيل أننا وصلنا إلى حد أن كتابة المقال أصبحت تستغرق وقتًا أقصر من قراءته!». هنا تحديدًا تكمن المفارقة بين خبرة الثلاثين عامًا وبين المعرفة والدراية باستخدام التقنيات الحديثة. والأمر لا يختلف كثيرًا بالنسبة للطبيب والمهندس والمحامي والمحاسب والمعلم؛ فالمعرفة التي كان الوصول إليها يحتاج سنوات من الدراسة والتجربة أصبحت متاحة للجميع في ثوان. لكن هل امتلاك المعرفة يعني بالضرورة امتلاك الخبرة؟
وكما يقال: إن أول الغيث قطرة، فقد يكون ما نشهده اليوم من عملقة تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي ما هو إلا القطرة الأولى قبل انهمار تقنيات أكثر قدرة وذكاء، يمكنها أن تجرف في طريقها الكثير من الخبرات ما لم تستطع التأقلم والتكيف وتطويع ذاتها مع هذه التقنيات الحديثة. وقد لا يشفع لهذه الخبرات عدد السنوات التي قضتها متسيدة في أعمالها، متشبثة بماضيها، ومطمئنة إلى أن ما راكمته من معرفة وتجربة كفيل بأن يحفظ لها مكانها إلى الأبد؛ فالتاريخ يعلمنا أن البقاء لم يكن دائمًا للأكثر خبرة، وإنما لمن استطاع أن يتكيف مع التحولات من حوله.
ولعل الأرقام بدأت بالفعل ترسم ملامح هذا التحول في بيئة العمل؛ ففي دراسة مشتركة لمايكروسوفت ولينكدإن قال 71% من المديرين إنهم يفضلون توظيف شخص أقل خبرة يمتلك مهارات الذكاء الاصطناعي على شخص أكثر خبرة لا يمتلكها، فيما قال 66% إنهم لن يوظفوا شخصًا يفتقد هذه المهارات. ويشير تقرير «مستقبل الوظائف» للمنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن 39% من المهارات التي يمتلكها العاملون اليوم مرشحة للتغير أو التقادم بحلول عام 2030، وأن 41% من أصحاب العمل يتوقعون خفض أعداد العاملين لديهم مع قدرة الذكاء الاصطناعي على أتمتة بعض المهام. وهي أرقام تجعل سنوات الخبرة، مهما طالت، غير كافية وحدها لضمان المكان والمكانة في سوق العمل الجديد، وتمنح جيلًا نشأ وهو يتعامل مع التقنية بسهولة قدرة أكبر على المنافسة. وربما لم يعد السؤال: كم عامًا قضيت في عملك؟ بقدر ما أصبح: ماذا تستطيع أن تفعل اليوم بما تعرفه، وبالأدوات التي أصبحت بين يديك؟
لكن هذا لا يعني بالضرورة أن الخبرة قد تموت أو أننا سنستغني عنها؛ فنحن بحاجة إليها في كل شؤون حياتنا، وربما تصبح أكثر أهمية كلما ازدادت قدرات الآلة واتسعت معارفها. الذي قد يموت في الحقيقة هو مفهومنا القديم للخبرة، ذلك الذي درجنا على قياسه بعدد السنوات التي يقضيها الإنسان في مهنة أو عمل حتى يصبح خبيرًا فيه. فالسنوات وحدها قد لا تكفي مستقبلًا، وربما يصبح الخبير هو من يجمع بين ما راكمه من تجربة ومعرفة وبين قدرته على استخدام أدوات عصره، والتمييز بين ما تنتجه الآلة من معلومات وما يستحق منها أن يتحول إلى معرفة وقرار.
وهنا ربما تكون الإجابة عن السؤال الذي بدأنا به؛ فالآلة لن تنتصر على الخبرة، والخبرة لن تنتصر على الآلة، وإنما سينتصر من يستطيع الجمع بينهما. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يمنح المبتدئ معرفة لم يكن يملكها، وأن يختصر له سنوات من البحث والتعلم، لكنه لا يمنحه بالضرورة حكمة السنوات ولا القدرة على قراءة ما وراء المعلومة. وفي المقابل، لن تكون خبرة الثلاثين عامًا حصنًا يحتمي به صاحبها من عالم يتغير كل يوم. لذلك ربما لا يكون «موت الخبرة» موتًا لها بقدر ما هو موت لتعريفها القديم؛ فالخبير في عالم الغد ليس من أمضى سنوات أكثر، بل من ظل قادرًا بعد كل تلك السنوات على أن يتعلم من جديد.
عبدالله الشعيلي رئيس تحرير جريدة «عُمان أوبزيرفر»
