أزمة مضيق هرمز: ثلاثة مسارات للتفاوض

21 سبتمبر 2026
21 سبتمبر 2026

ترجمة: أحمد بن عبدالله الكلباني

في يوم الاثنين الماضي، مرت عبر مضيق هرمز أربع سفن فقط، ومقارنة بعدد مرورها قبل الحرب، فقد كان متوسط عدد السفن العابرة للمضيق يصل إلى حوالي 125 سفينة، وفي ذات اليوم التي مرت فيه السفن الأربع، شهدت ناقلة النفط «إل جايا» تعرضها لاشتعال النيران فيها، وكانت ترفع علم «بنما». وجاء رد القيادة الأمريكية بأن السفينة تعرضت لهجوم صاروخي إيراني.

كما تعرضت سفن أخرى قبل ذلك لهجوم إيراني عبر طائرات مسيرة، وحدث كل ذلك قبل أن تعلن سلطنة عمان بأنها كانت تنوي عقد اجتماع بين دول المجلس وإيران لمناقشة موضوع مرور السفن عبر مضيق هرمز، إلا أن سلطنة عمان أعلنت بعد ذلك عن تأجيل الاجتماع الذي كان من المقرر أن يقام في ولاية صلالة حتى التوصل إلى أساس من التوافق.

ما حدث لسفينة «إل جايا» أثار الكثير من الروايات المتضاربة حولها، وكشف عن حالة من المفاوضات بين عدة أطراف، تلك الأطراف التي عجزت حتى الآن عن الاتفاق على ما يجري في مضيق هرمز، كما عجزت عن التوصل للجهة التي سوف تدير المضيق بعد انتهاء الحرب ووقف إطلاق النار.

وعلى كل ذلك تبرز مشكلة تضاف إلى الكثير من المشاكل حول المضيق، وتتمثل هذه المشكلة في أن المضيق أصبح في الوقت الحالي موضوع ثلاث مفاوضات، وكلها منفصلة وغير مرتبة، بالتالي لا تؤدي كل من تلك المفاوضات الثلاث إلى حل مباشر يستفيد منه الاقتصاد العالمي بشكل عملي ليرجع الوضع إلى ما كان عليه سابقا، حين تمر ناقلة نفط دون مرافقة أو إذن من أية جهة.

وإذا جئنا للمسارات الثلاثة في المفاوضات، فأولها بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، ويكاد يتفق الكثير إلى أنها مفاوضات عديمة الجدوى؛ فواشنطن تحت إدارة ترامب لا تريد أية مفاوضات بعيدا عن الملف النووي الإيراني، بل هي تستبعد مضيق هرمز عن طاولة المفاوضات.

بل وتخرج هذه المفاوضات اليائسة على صورة رد إيراني، يتمثل في استخدام القوة البحرية على مضيق هرمز، فما كان من أمريكا إلا مرافقة الناقلات النفطية التي تمر عبر المضيق بسفنها الحربية.

وتقول أمريكا إنها تفرض الحصار على الملاحة الإيرانية، ومن جانبها ترفض إيران أية مفاوضات ما لم يتم رفع العقوبات عنها وإنهاء العمليات العسكرية ضدها.

أما المسار الثاني من المفاوضات، فهو مسار إقليمي، تقوده سلطنة عمان التي ظلت لشهور وهي تفاوض إيران بشأن فتح ممرات ملاحية للمضيق عبر المياه العمانية، وبشأن إزالة الألغام، وقد قدمت عدة اقتراحات وسطية، إلا أن إيران تطالب بمبلغ مالي لإقرار الاتفاق، إلى جانب رفضها لأي خطوة للأمام ما لم تقدم الولايات المتحدة الأمريكية تنازلات. وفيما يتعلق بالاجتماع الذي كان مقترحا في صلالة نجد أن الموقف السعودي رافض لبعض النقاط، فيما رفضت البحرين الانضمام لهذا الاجتماع الذي لن تكون الولايات المتحدة الأمريكية طرفا فيه.

والمسار الثالث والأخير من المفاوضات يستبعد مضيق هرمز تماما، وهي مفاوضات مع أطراف أخرى، وإيران تعد طرفا مؤثرا فيه وإن لم تشترك به، فدافعها الأساسي ما يحدث في المضيق لإيجاد خطوط بديلة لتصدير النفط. وعليه، أثارت الولايات المتحدة فكرة أن مضيق هرمز لن يكون ذا أهمية خلال السنوات المقبلة إذا ما وجدت الخطوط البديلة.

من ناحية الولايات المتحدة الأمريكية فإنها تعتقد أن الحماية التي توفرها لناقلات النفط التي تمر عبر مضيق هرمز كافية؛ ولكن الأرقام لا تدعم هذا الاعتقاد، لأن زيادة حركة الناقلات بعد هذه الخطوة الأمريكية زادت فعلا ولكنها زيادة لفترة بسيطة، ولا يمكن اعتمادها لوقت طويل.

كما أن تلك السفن المرافقة تحتاجها أمريكا في أماكن أخرى، وحتى وكلاء شركات التأمين يميلون إلى أن الاعتماد على الحماية الأمريكية لن يدوم.

وإذا تناولنا فكرة الخطوط البديلة، فإنها لا تحقق نتائج أفضل؛ فالأنابيب التي تصل إلى البحر الأحمر لن تكون ذات جدوى إلا بعد ضمان أمن البحر نفسه، وهو أمر غير متوفر حاليا.

ولا يعني ذلك أن المفاوضات لا تجري بأي حال، فسلطنة عمان وإيران تعملان بالفعل على وضع قواعد للممر المائي، وكلما طال غياب واشنطن، زادت فرص وضع هذه القواعد من دون مشاركتها.

أما طهران فتقدم حجة تسير في الاتجاه المعاكس، إذ ترى أنه لا يمكن التوصل إلى أي اتفاق طالما استمر الحصار والعقوبات، وأن قبول الاتفاق على مراحل سيعني الاستسلام.

إلا أن الحصار يضر بصادرات النفط الإيرانية، وهو ما يمنح طهران سببا لقبول رفع الحصار على مراحل، إذ لن توافق أي إدارة أمريكية على رفع الحصار مقابل مجرد تعهد، وبالتالي، فإن التخفيف التدريجي هو المسار الواقعي الوحيد.

وتدرك إيران أن لهذه الاستراتيجية حدودا؛ فالصين تشتري النفط الإيراني، لكنها تحتاج أيضا إلى استمرار تدفق النفط من الخليج، كما أن بكين لن تبقى صابرة على استمرار إغلاق المضيق.

وتبقى الصين هي الحلقة الأضعف في أي مقترح لتوسيع المفاوضات، فقد استفادت بكين لسنوات من الأمن المجاني في الخليج، وليس لديها اهتمام كبير بتقديم ضمانات في صراع بين الولايات المتحدة وإيران.

وقد يكون مطالبة الصين بأن تكون ضامنة للاتفاق أمرا غير واقعي، إلا أنها تستطيع اتخاذ خطوات أصغر، مثل المساهمة بسفن في عملية إزالة الألغام، أو الانضمام إلى نظام للتأمين، أو إبلاغ طهران بشكل غير معلن بأن استمرار مشترياتها من النفط الإيراني مرتبط بإعادة فتح المضيق.

كما يمكن للهند واليابان وكوريا الجنوبية أن تقوم بدور أكبر؛ فهي إلى جانب الصين تستهلك معظم النفط الخام الذي يمر عبر مضيق هرمز، وتتحمل صدمة ارتفاع الأسعار، ومع ذلك فإنها تكاد لا تلعب أي دور في المفاوضات. وإذا جمعنا هذه العناصر معا، فإن حلا قابلا للتطبيق يبرز أمامنا بشكل جلي؛ إذ يمكن لقوة متعددة الجنسيات تضم دول الخليج ودولا أوروبية أو آسيوية مستوردة للنفط أن تتولى إزالة الألغام، على أن تعمل بشكل مستقل عن المفاوضات السياسية، ويمكن تطبيق هيكل الرسوم الذي اقترحته سلطنة عمان، ولكن على الخدمات التي تستخدمها السفينة فعليا فقط، مثل المرشدين والقاطرات والخرائط والاستجابة لتسربات النفط، من دون فرض أي رسوم على مجرد المرور عبر المضيق.

ومن حق دول الخليج رفض فرض أي رسوم على العبور، وينبغي على الرياض وأبوظبي والمنامة ومسقط أن تتحدث بصوت واحد قبل الاجتماع مع إيران، وإلا فإن طهران ستستغل أي خلافات بينها.

كما ينبغي على واشنطن أن تجعل مضيق هرمز جزءا من مفاوضاتها مع طهران، وأن ترفع الحصار على مراحل ترتبط بالتأكد من إزالة الألغام وضمان حرية المرور. قد لا يبدو هذا الأمر سهلا لسبب واحد، وهو أن على كل حكومة أن تتنازل عن شيء سبق أن أعلنت أنها لن تتنازل عنه، وإذا استمرت حالة الجمود الحالية، فإن النتيجة واضحة بالفعل؛ إذ ترتفع حركة الملاحة عندما تكون السفن الحربية الأمريكية موجودة، ثم تنهار عندما تتعرض ناقلة نفط لهجوم، لذلك ينبغي على الحكومات أن تقدم التنازلات في سبيل تحقيق الهدف المنشود من الجميع.

وإلى الآن، سيواصل ملاك السفن إرسال ناقلاتهم عبر المضيق طالما أن أسعار النفط تجعل المخاطرة تستحق ذلك، وسيظل المضيق خاضعا لقرارات تتخذ في واشنطن أو طهران، إلى أن تحدد مفاوضات واحدة شروط إعادة فتحه.

إريك إلتر موظف سابق في الأمم المتحدة مختص في برنامج الشرق الأوسط التابع للمجلس الأطلسي

ترجمة عن آسيا تايمز