المهارات.. الوقود الصامت للاقتصاد المعرفي

04 نوفمبر 2026
04 نوفمبر 2026

بينما كنت أتابع أحد المقاطع على إحدى وسائل التواصل الاجتماعي استوقفني عرض لفريق طلبة السنة النهائية بإحدى الكليات وهم يتحدثون بحماس عن مشروع تخرجهم؛ نظام ذكي للري. بدا بوضوح حجم الجهد الذي بذلوه في تطوير فكرتهم واختبارها.

ولكن ما إن انتهى المقطع حتى وجدت نفسي أفكر فيما سيحدث بعد التخرج: هل مآله ملفات الكلية مخزنا في إحدى الخدمات السحابية، أم سيختزل لمؤشر إنجاز الأداء الشخصي والسيرة الذاتية الأكاديمية للطالب ومشرفه الأكاديمي، أم أنه سيجد طريقه فعلا إلى المزرعة ليستخدمه مزارع في ظروف عمل حقيقية؟

ومع افتراضي أن المشروع يمتلك من المقومات ما يؤهله لذلك برزت أسئلة أخرى، لا تقل أهمية عن الفكرة ذاتها؛ ما الذي يحتاجه المشروع ليصبح نظاما يستخدمه المزارع ويستفيد منه؟ وما سمات من سيختبر ملاءمته للتربة والمحصول؟ وما الكفايات لمن سيعمل على تركيبه وصيانته؟ وماذا عن كفايات من يقدر تكلفة إنتاج ذلك الابتكار وتشغيله وصيانته وتوفير قطع الغيار له؟

لم يكن ذلك المقطع القصير كافيا لأجيب عن الأسئلة، لكنه أعاد لذهني قضية شغلت جانبا مهما من سلسلة المقالات السابقة عن الابتكار، حيث وادي الموت الذي تتعثر فيه الأفكار بين ضفتي البحث والسوق.

وقد ناقشنا في تلك السلسلة أهمية التمويل والمؤسسات والعلاقات وهندستها و«المايسترو» الذي سيقود المعرفة لعبور وادي الموت لتصل للمجتمع والسوق. وهنا وجدت عنصرا آخر لا يقل أهمية عن كل ذلك، ألا وهو الأشخاص الذين يؤدون أعمال هذه الرحلة.

ومن هنا تنطلق هذه السلسلة الجديدة؛ فإذا كانت السلسلة السابقة اشتغلت بمسارات الابتكار وعوامل وصوله للتطبيق والسوق.

فإن هذه السلسلة ستسلط الضوء على المهارات التي يحتاجها الأشخاص العاملون على تلك المسارات. ما الكفايات التي يحتاجها المطور والفني والمستثمر ورائد الأعمال وكذلك المستفيد من الابتكار، وهو المزارع في سياق المقطع المرئي.

ولاهتمامي بالمهارات جذور تعود لأكثر من عقد من الزمن تحديدا عند بداية عملي كمديرة مؤسسة لمركز التعلم الذاتي بجامعة السلطان قابوس.

تجربة رسخت لدي قناعة بأن أهم ما يمكن أن يمتلكه إنسان ليس معرفة بعينها، بل القدرة على اكتساب المعرفة التي يحتاج إليها عندما يحتاج إليها. أي أن يعرف الإنسان كيف يحدد ما يحتاج أن يتعلمه، وأين يبحث عنه، وكيف يقيم ذاتيا ما وصل إليه ويوظفه.

ولهذا أرى مهارة التعلم الذاتي «أُمَّ المهارات». فمن يتعلم كيف يتعلم يستطيع أن يواصل التعلم مدى الحياة، وأن يكتسب ما يحتاج من مهارات مجددا قدراته كلما تغيرت المعطيات والأدوات.

وفي رحلة الابتكار يعد التعلم الذاتي من أهم الممكنات؛ فكل من يحمل الفكرة بغض النظر عن دوره باحثا كان أو فنيا أو منتفعا (المزارع حسب المقطع المشار إليه) أو مستثمرا، أي منهم فسيواجه في لحظة ما أمرا لم يتعلمه من قبل.

وفي الحديث عن المهارات كثيرا ما نجد أنفسنا أمام سرد لقوائم ثابتة: التفكير النقدي، والعمل في فريق، والتواصل وغيرها. ولا أقلل من أهمية تلك المهارات، ولكن سردها لا يساعد كثيرا في فهم الذي ينبغي بناؤه فعليا لدى الأفراد.

ولعل من المنطقي أن نبدأ من تحديد العمل المطلوب إنجازه ومعرفة المنفعة التي نريد تحقيقها وكيفية تحقيقها، عندئذ نقف على ماهية المهارات اللازم إتقانها لأداء العمل المحدد بنجاح.

ودعونا نعود ونطبق ذلك على مشروع التخرج الذي حدثتكم عنه في البداية في هذا المثال هناك عدة أعمال تبدأ بفهم التحدي وراء الحاجة لنظام الري، قد تكون ندرة الماء أو تكلفة العمالة أو مواصفات المزرعة.

ثم يأتي التأكد من صلاحية الحل عمليا وجدواه. والأهم أن يكون الحل المقدم يراعي المستخدم النهائي وغير معقد في تركيبه وتشغيله وصيانته. ولكل عمل من تلك الأعمال مهارات خاصة تحقق مستهدفات محددة.

وتتشارك في إنجاز تلك الأعمال أطراف مختلفة ما بين مطور يقوم للتصميم والاختبار وفني للتركيب والصيانة وممول يقدر المخاطر ويفتح آفاق الأسواق للفكرة. وقد يجمع شخص واحد أكثر من دور كرائد أعمال يطور وينتج ويسوّق في آن واحد. كل هذه الأعمال تحتاج تعزيز مهارات عدة فيمن ينفذها.

وكثيرا ما نغفل عن المستفيد بين هذه الأدوار مع أنه هو من يجزم بنجاح تحقق المنفعة؛ فهناك فرق نواتج مزرعتين إحداهما لمزارع أتقن تفسير بيانات نظام الري وضبط تشغيله بحسب المحصول والمناخ، ومزارع آخر يملك النظام، ولا يمتلك أي مهارة داعمة.

وعليه؛ يصبح سؤال المهارات أكثر وضوحا: في إطار العمل المطلوب تنفيذه ما القدرات اللازمة لإتقان إنجازه؟

وفي النهاية يبقى المعيار هو المنفعة المتحققة وفق المستفيد؟ فالمزارع يبحث عن إنتاج مجدٍ بتكلفة أقل، والمجتمع يسعى إلى أمن غذائي. وبين المعرفة وهذه المنافع تقف المهارات كحلقة الوصل التي تجعل التطبيق ممكنا.

فالمعرفة وحدها لا تكفي، وكذلك الحلول الجيدة لا تكفي أيضا. ما يحول المعرفة لمنفعة هو قدرة كل طرف على أداء دوره خلال رحلة التطبيق في بيئة تتيح لتلك الكفايات أن تؤتي ثمارها. وتلك القدرة هي ما نعنيه بالمهارات.

د. ماجدة الهنائي أكاديمية وباحثة عُمانية