في الدين: من يملك حق تفسيره؟
20 سبتمبر 2026
20 سبتمبر 2026
الدين في مجتمعاتنا ليس شأنًا من شؤون الاعتقاد وحده. لم يكن كذلك في أكثر تاريخنا. فقد كان من اللغات التي تحدّث بها الاجتماع، وفُهمت بها الأسرة والسلطة والمِلكية والطاعة والعدل، وعرف بها الإنسان موضعه من غيره، وما له وما عليه.
ولم يكن الدين وقفًا على فريق سياسي أو اجتماعي دون آخر. احتج به الحاكم كما احتج به الخارج عليه، والمحافظ كما احتج به المصلح. واستخرج قوم منه وجوب الطاعة، واستخرج آخرون وجوب العدل ومقاومة الظلم.
ولم يكن الخلاف، في كثير من الأحيان، بين الدين ونقيضه، وإنما كان خلافًا في الدين نفسه: أي عدل يريد؟ ولمن تكون الطاعة؟ وما حدود السلطان؟ ومتى يكون الاعتراض فتنة، ومتى يكون السكوت إثمًا؟
فالدين، بهذا المعنى، لم يكن جوابًا واحدًا في شؤون المجتمع، بل كان أيضًا اللغة التي وقع فيها الخلاف على الأجوبة.
ثم دخل إلى مجتمعاتنا، مع الدولة الحديثة، مصدر آخر للشرعية. صار الإنسان، بما له من حرية وحقوق ومصلحة، أساسًا يقوم عليه القانون في تبرير أحكامه، من غير أن يستمد كل حكم مشروعيته ابتداءً من الدين. وصارت المساواة، مثلًا، مبدأ قائمًا بنفسه، لا يحتاج في كل مرة إلى حجة دينية تسنده.
لكن هذا التصور لم يدخل إلى فراغ. دخل إلى مجتمعات لها تصورات راسخة عن الأسرة والولاية والطاعة والواجب، وعن المشروع والممنوع. فلم يحل الجديد محل القديم، بل أصبح المصدران يعملان معًا: يتفقان مرة ويفترقان أخرى، وقد يجتمعان في القانون نفسه.
ولنا في عُمان مثال بيّن.
فالنظام الأساسي للدولة يجعل العدل والمساواة وتكافؤ الفرص من دعائم المجتمع، ويقرر أن الدولة تكفل المساواة بين المرأة والرجل، وأن المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الجنس.
لكن قانون الأحوال الشخصية يقوم، في أمر الزواج، على تصور آخر. فهو يجعل الولي ركنًا من أركان العقد، فيتولى ولي المرأة عقد زواجها، في حين أن الرجل البالغ العاقل ولي نفسه، لا يحتاج إلى من يتولى عنه عقده.
وتبدو المفارقة أوضح في العضل. فإذا منع الولي المرأة من الزواج بمن ترضاه، لم يكن العلاج أن تصبح ولية نفسها، وإنما يمكن أن تنتقل الولاية، في الأحوال التي يحددها القانون، إلى القضاء. أي إن سلطة الولي يمكن أن تُحدّ، ويمكن أن تنتقل، لكن أصل الولاية لا يزول.
وهنا يقع موضع النظر.
فمن جهة، لدينا مبدأ مدني حديث يجعل الرجل والمرأة متساويين أمام القانون. ومن جهة أخرى، لدينا بناء مستمد من الفقه يجعل للمرأة في الزواج وضعًا غير وضع الرجل. وحين يلتقي المبدآن لا يحسم الأمر دائمًا بإلغاء أحدهما لصالح الآخر، وإنما تنشأ بينهما تسوية: يبقى المفهوم الديني، ويعاد تنظيم ممارسته.
وتظهر المسألة نفسها في علاقة عُمان بالقانون الدولي. فقد انضمت سلطنة عمان إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، لكنها تحفظت على بعض ما يتصل بالزواج والأسرة حيث رأت تعارضًا بينه وبين أحكام الشريعة الإسلامية.
وليس المهم هنا أن نقول إن الدولة خالفت هذا المبدأ أو ذاك. الأهم أن الدولة نفسها تكشف، في قوانينها والتزاماتها، عن مصدرين للشرعية لا يتطابقان دائمًا: المساواة من جهة، والشريعة من جهة أخرى.
ومن هنا ينشأ السؤال الذي يهمنا: من يملك حق تفسير الدين حين يتغير المجتمع؟
فالمسألة ليست مجرد اختلاف في فهم نص؛ فالاختلاف في الدين قديم قدم الدين نفسه. وإنما المسألة: أي تفسير يستطيع أن يصير قانونًا؟ وأي فهم يستطيع القاضي أن يحكم به، والمشرّع أن يثبته، والدولة أن تلزم الناس به؟
فحين تنتقل مسألة من كتب الفقه وأعراف الجماعة إلى مواد القانون وأروقة المحاكم، لا تكون الدولة قد اكتفت بتطبيق حكم قديم. لقد تغير أيضًا موضع السلطة.
وما كان للفقيه أو للأسرة أو للجماعة يصبح، في جانب منه، للقاضي والمشرّع والمؤسسة. وقد يبقى المفهوم باسمه القديم، لكن الذي يتكلم باسمه لم يعد هو نفسه.
ومن هنا تقصر عبارة «الدين في مقابل الدولة» عن وصف ما يجري.
فالدولة الحديثة قد تحفظ المفهوم الديني، وقد تعيد صياغته، وقد تحد من آثاره أو توسعها. وقد يكون القانون وسيلة لتثبيت حكم موروث، كما يكون وسيلة لتغييره من داخله. وليس الدين، في هذه الحال، خارج الدولة، ولا الدولة خارجة منه.
ولعل جانبًا من اضطراب الفكر العربي في النظر إلى الحداثة جاء من تصوره أن التاريخ يسير في خط مستقيم: ينحسر الدين كلما تقدمت الدولة، ويتراجع القديم كلما اتسع سلطان الفرد.
غير أن التاريخ لا يجري بهذا الانتظام. فقد تتغير حياة الناس ويبقى المفهوم، وقد يبقى الاسم وتتغير دلالته، وقد تنتقل سلطة كانت للأب أو الولي أو الفقيه إلى المحكمة والدولة، فيما تبقى الحجة التي تسندها دينية.
ولا عجب، إذن، أن تتغير أحوال الناس أسرع من تغير المفاهيم التي يفهمون بها أحوالهم.
تتعلم المرأة وتعمل وتملك وتدير شأنها وتشارك في الحياة العامة على قدم المساواة مع الرجل، ثم تبلغ بابًا من أبواب حياتها فيعاملها القانون فيه على تصور آخر لموقعها. وليس هذا التوتر قائمًا بين عالمين منفصلين؛ إنه قائم في قلب المجتمع نفسه، وقد يقوم في قلب الفرد نفسه.
وهذا ما ينبغي للباحث ورجل الدولة أن ينتبها إليه. فالمجتمعات لا تسلك التاريخ في طريق واحدة، ولا تتبدل مفاهيمها جميعًا في وقت واحد.
وما يكون قد حُسم في مجال قد يبقى موضع نزاع في مجال آخر. وليس في ذلك غرابة؛ الغرابة أن نطلب من التاريخ اتساقًا لا يعرفه.
لذلك لا يبدو لي أن السؤال الأهم عن دور الدين في مجتمعاتنا هو: هل يبقى أم يتلاشى؟ ولا: هل تنتصر العلمانية أم يهزمها الدين؟ فهذه الأسئلة تختزل الدين في عقيدة يمكن أن تنحسر أو تتسع، وتغفل حضوره في اللغة التي يُفهم بها المشروع والممنوع، والحق والواجب، والعدل والسلطة.
السؤال الأجدر بالنظر هو: حين تتغير حياة الناس، من يملك أن يعيد تفسير المفاهيم التي نظمتها، وأي تفسير منها تكون له قوة القانون؟
فلعل أهم ما فعلته الحداثة في مجتمعاتنا أنها وضعت إلى جانب الدين مصادر أخرى للشرعية. ومنذ ذلك الحين، لم تعد المسألة مجرد بقاء الدين أو انحساره، بل كيفية العيش بين مرجعيات تتفق أحيانًا وتختلف أحيانًا أخرى، ومن يملك، عند اختلافها، الكلمة التي تنفذ.
وهناك، ربما، ينبغي أن يبدأ النظر.
حمد الغيثي كاتب ومترجم عماني
