الاقتصادية

«خطلة الإبل».. تشق طريقها إلى 4 أودية في طاقة

20 سبتمبر 2026
20 سبتمبر 2026
على وقع حنين النوق

مع بزوغ الفجر، بدأ المشهد مختلفا في ولاية طاقة؛ حيث تملأ قطعان الإبل المكان بأعداد كبيرة، وتتردد أصوات «حنّة الإبل» في أرجاء المراعي، وتنطلق خطوات الرعاة وهم يقودون إبلهم باتجاه المراعي، إيذانا ببدء خطلة الإبل نحو الأودية الرئيسية بالولاية.

يتوجه الرعاة إلى أربعة أودية، هي: وادي دربات، ووادي جنين، ووادي غيضت، ووادي خشيم، برفقة ملاك الإبل الذين يحملون أمتعتهم على ظهورهم، ويرتدون ملابسهم التقليدية، وينتظمون في مجموعات، لكل منها مسار محدد، وتتوزع مهامها بين مقدمة الإبل ومؤخرتها وجوانبها.

وتتمثل مهمة هذه المجموعات في الحفاظ على سلامة الإبل، وحمايتها من السقوط في المناطق الخطرة، لا سيما مع كثافة الحشائش التي قد تحجب الرؤية عن بعض الحفر العميقة، التي تتشكل أحيانا بفعل غزارة الأمطار.

وكعادتها السنوية، ترصد جريدة «عُمان» مشهد خطلة الإبل من قلب الحدث؛ حيث بدأت الرحلة من وادي خشيم بولاية طاقة، والتقت بأحد ملاك الإبل، مسلم بن بخيت المعشني، البالغ من العمر 80 عاما، ليحدثنا قائلا: نقوم سنويا نحن ملاك الإبل في ولاية طاقة بإبعاد الإبل عن الجبال إلى السهل الذي يعرف محليا بـ«الجربيب» خلال موسم الخريف، كون طبيعة الإبل لا تتأقلم لتمكث في الجبال والأودية أثناء موسم الخريف من ناحية، ومن ناحية أخرى للحفاظ على البيئة وإعطاء فرصة للمراعي في الجبال والسهول لتنبت وتنمو؛ حيث تقضي الإبل أكثر من 3 أشهر داخل الحظائر، ويتم تغذيتها بالأعلاف طوال هذه المدة حفاظا على حياتها من مخاطر الأمطار والانزلاقات، فقد تتسبب رطوبة التربة جراء هطول الأمطار والرذاذ في تزحلق الإبل، وبالتالي إصابتها بإصابات بليغة قد تؤدي إلى النفوق أحيانا، فنحن بهذا نحميها من الأذى.

وأضاف المعشني: للخطلة أعراف اجتماعية وقوانين يلتزم بها رعاة الإبل؛ حيث لا تتجه الإبل إلى الوديان إلا بعد انتهاء تساقط الأمطار وجفاف الأرض، وذلك للحفاظ على الغطاء النباتي. وبعد ذلك، يتم تحديد موعد الخطلة ويُبلّغ به الجميع، ويتجه كل قطيع إلى المكان المعروف دون تجاوز حدوده إلى أماكن أخرى.

وأضاف مسلم المعشني: إن الوجهة الرئيسية لخطلة الإبل في ولاية طاقة سابقا تكون إلى وادي دربات، وتستمر في الوادي لمدة أسبوع، وبعدها يتم تقسيم الإبل من قبل ملاكها إلى أربعة أودية بولاية طاقة، وهي: وادي دربات، ووادي غيضت الذي يقع شمال وادي دربات، ووادي جنين، ووادي خشيم اللذان يقعان بالاتجاه الغربي للولاية. والتقسيم يأتي لتخفيف الحمل على تلك الوديان التي تبدأ تضيق وتنحصر حتى تصل إلى منتهاها.

وأشار إلى أن الإبل تسرح في موسم الربيع على شكل قطعان ترافقها مجموعة من الرعاة لمدة شهر إلى شهرين، متنقلة من مكان إلى آخر في أجواء أقرب إلى الرحلات السياحية الخلوية في أحضان الطبيعة.

وأضاف: إنه قبل عصر النهضة المباركة لم تكن هناك مدارس أو كليات أو حتى وظائف، مما يجعل الأسرة كلها ترافق الخطلة على مدى شهرين أو أكثر في الأودية والجبال، وكان يقام العديد من الفنون المصاحبة للخطلة، مثل الهبوت والمشعير وفن النانا وغيرها من الفنون الشعبية التي تتميز بها محافظة ظفار.

وأشار إلى أن من مظاهر الخطلة سابقا أن يلبس المربون عموما والرعاة خصوصا ملابس تقليدية كالصبيغة، وتسمى محليا «الخرقة» (رداء نيلي اللون يتأزر بنصفه ويُردف بالنصف الآخر على باقي الجسد)، ويُلف الرأس وشعره بجلد أشبه بالحبل ويطلق عليه محليا «المحفيف»، ويتحزمون بالخناجر حاملين بنادقهم وعصيهم، والبعض يكتفي بالسيف عوضا عن البندقية، ومردفين بالضروري من أمتعتهم. وهم بهذا يوحون للمشاهدين والمتتبعين أنه كما أن الأرض اكتست اللون الأخضر وأبرزت محاسنها، فهم كذلك يرتدون من اللباس ما يليق بالمناسبة ويتلاءم مع الحدث. وتشارك المرأة كذلك في فعاليات أخرى، وتخصص كذلك ملابس خاصة بالمناسبة، وهي شبيهة بتلك التي يلبسها الرجال من حيث نوعية القماش ولونه، وتختلف فقط في شكل الخياطة والتطريز اللذين يحملان الطابع الأنثوي من حيث الستر والبهاء، ويطلق على الثوب المخيط محليا «طقت».

وفي ختام حديثه، قال مسلم بن بخيت المعشني: إن من المبشرات شغف الكثير من الجيل الجديد باقتناء الإبل والاستعداد لتربيتها والاستمرار في ترسيخ العادات والتقاليد التي نأمل أن تساعد في الحفاظ على هذا الموروث الحضاري الممزوج بالشفقة على الحيوان من ناحية، وصون الطبيعة الخلابة من ناحية أخرى، وبهذا تبددت مخاوفنا من المجهول الذي قد تمليه الثقافات الأخرى التي عمت نواحي المعمورة، ولتبقى الإبل مصدرا مهما واستراتيجيا من مصادر الاقتصاد المحلي، لا سيما في وقت الأزمات والكوارث.