الثروة المعدنية.. تعديلات تشريعية تفتح آفاقا جديدة للاستثمار والإنتاج
عززت التعديلات التشريعية الجديدة على قانون الثروة المعدنية، الصادرة بموجب المرسوم السلطاني رقم (69/ 2026)، توجهات سلطنة عُمان نحو تطوير منظومة قطاع التعدين، من خلال تحديث الإطار القانوني المنظم للقطاع، وترسيخ مبادئ الحوكمة والشفافية وتكافؤ الفرص، ورفع كفاءة استغلال الموارد المعدنية، بما يسهم في جذب الاستثمارات النوعية وتحويل الفرص التعدينية إلى مشاريع إنتاجية ذات قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.
وأوضح مختصون وممثلون للقطاع الخاص لـ"عُمان" أن المرحلة المقبلة يجب أن تتمثل في ترجمة التعديلات التشريعية إلى مشاريع إنتاجية حقيقية، بحيث لا تقتصر الاستفادة على زيادة عدد المواقع المطروحة أو التراخيص الممنوحة، وإنما تمتد إلى استثمارات نوعية وإنتاج فعلي يتحول إلى قيمة مضافة محلية، وأن ينعكس على طرح المزيد من فرص العمل، ونمو الصناعات والخدمات المرتبطة بالقطاع.
مشيرين بأن التعديلات تمهد لمرحلة جديدة من تنظيم طرح المواقع التعدينية وآليات المنافسة، وتعزيز قدرة المستثمرين على تنفيذ المشاريع والانتقال بها من مراحل الحصول على التراخيص إلى الاستكشاف والإنتاج، بما يدعم نمو الصناعات المرتبطة بالقطاع، ويوسع مشاركة الشركات العُمانية وسلاسل التوريد المحلية، ويرفع مساهمة التعدين في الناتج المحلي والصادرات، ويوفر فرصًا جديدة للتوظيف والتنويع الاقتصادي، فإلى الاستطلاع:
حوكمة القطاع واستغلال الموارد
في البداية، قال الدكتور محمد بن حميد الوردي، عضو مجلس الدولة، إن التعديلات الصادرة بالمرسوم السلطاني رقم (69/ 2026) تمثل خطوة مهمة نحو تعزيز حوكمة قطاع التعدين ورفع كفاءته الاستثمارية، وأن التعديلات شملت تعديل 12 مادة وحذف 7 مواد من القانون الساري.
وأوضح أن التعديلات ركزت على تطبيق مبادئ العلانية وتكافؤ الفرص والمساواة وحرية المنافسة، من خلال طرح المواقع التعدينية للمزايدة بصورة علنية وشفافة، بما يعزز كفاءة استغلال الثروات المعدنية ويرفع مستوى الثقة في بيئة الاستثمار، إلى جانب استقطاب المستثمرين الجادين والمؤهلين ورفع مساهمة القطاع في الناتج المحلي والقيمة المضافة.
وأشار الوردي إلى أن اعتماد المزايدة العلنية، إلى جانب التحقق من الكفاءة الفنية والملاءة المالية للمستثمرين، يعد تحولًا نحو استقطاب شركات أكثر قدرة على تنفيذ المشاريع التعدينية، وليس مجرد الحصول على التراخيص.
وبيّن أن هذه الآلية من شأنها المساهمة في تمييز المستثمر الجاد والمؤهل، واستقطاب الشركات القادرة على تنفيذ المشاريع وتسريع انتقالها إلى مراحل الاستكشاف والإنتاج وفق الخطط والدراسات الفنية المعتمدة، بما يقلل من تعطل وتعثر المشاريع التعدينية.
وأضاف أن التعديلات تعالج كذلك بعض الممارسات التي شهدها القطاع، ومنها المتاجرة بالتراخيص التعدينية، من خلال اشتراط موافقة الوزارة على عمليات البيع أو التنازل أو التغييرات في ملكية الشركات المرخصة، معتبرًا أن ذلك يسهم في الحد من المتاجرة بالتراخيص والتجارة المستترة في القطاع، ويوجه التراخيص نحو الاستثمار والإنتاج الفعلي.
مرونة اتفاقيات الامتياز
وفيما يتعلق بحذف عدد من مواد القانون، أوضح أن غالبية المواد المحذوفة ترتبط باتفاقيات الامتياز، وأن بعض هذه الأحكام كانت لا تتناسب مع الممارسات الاستثمارية المعمول بها في قطاعات أخرى، مشيرًا إلى أن الأحكام والضوابط ذات الصلة ستتم معالجتها من خلال اتفاقيات الامتياز المبرمة بين الوزارة والشركات المعنية.
وقال إن هذا التوجه من شأنه أن يسهم في تبسيط الإجراءات الإدارية، وجذب الاستثمارات الأجنبية والمحلية، ورفع حوكمة اتفاقيات الامتياز، من خلال تضمين الأحكام والشروط والضوابط اللازمة في الاتفاقيات الموقعة بين الوزارة والشركات صاحبة الامتياز.
وأكد أن التعديلات تسعى إلى تحقيق توازن بين حماية الثروة المعدنية وتسهيل الاستثمار، وأن المزايدة العلنية ستساعد في استقطاب المستثمر الجاد وتجنب تجميد المواقع أو تعثر المشاريع، في حين يسهم الحد من المتاجرة بالتراخيص في ضمان حسن استغلال الموارد ورفع قيمتها المضافة.
وأشار إلى أن من الجوانب المهمة أيضًا إلزام الوزارة بأخذ موافقات الجهات الحكومية المختصة قبل طرح المواقع التعدينية، الأمر الذي يمكن أن يقلل العقبات التي كان المستثمرون يواجهونها في الحصول على الموافقات من جهات متعددة، وبالتالي تسريع إجراءات الاستثمار.
كما لفت إلى أن التعديلات تسمح بالإسناد المباشر لبعض المواقع التعدينية الخاضعة لأحكام اتفاقيات الامتياز، وهو ما يمكن أن يسهم في جذب الشركات الأجنبية للاستثمار في القطاع وتسريع إجراءات الحصول على التراخيص في المشاريع الكبيرة.
فرص النمو والمنافسة
من جانبه، قال حمزة بن محمد بن عبدالمحسن السيل الغساني، الرئيس التنفيذي لشركة المحاجر العالمية، إن التعديلات الجديدة تمثل خطوة مهمة لتطوير وتنظيم قطاع التعدين وتعزيز مستويات الشفافية والحوكمة في طرح المواقع التعدينية، مؤكدًا أهمية أن ينعكس هذا التطور بصورة مباشرة على الشركات العُمانية المحلية.
وأوضح أن المرحلة المقبلة ينبغي أن تمنح الشركات العُمانية فرصًا حقيقية للنمو والمنافسة وتطوير قدراتها الفنية والمالية والإدارية لتحقيق قيمة مضافة للاقتصاد ودعم مستهدفات التنويع الاقتصادي.
وأشار إلى أن تنظيم طرح المواقع التعدينية من خلال المزايدات يمكن أن يسهم في تسريع الإجراءات ورفع مستوى التنافسية واستقطاب استثمارات جديدة إلى القطاع، إلا أن أهمية هذه المنافسة لا تقتصر على زيادة عدد المتقدمين أو رفع قيمة العروض، وإنما تتمثل في ضمان أن تكون فرصة حقيقية للشركات العُمانية، وخاصة الشركات التي تمتلك خبرة فعلية وإمكانات فنية ومالية ومعرفة بطبيعة قطاع التعدين واحتياجات السوق المحلي.
وأضاف أن الشركات العُمانية ينبغي التركيز عليها بشكل أكبر خلال المرحلة المقبلة، سواء من خلال حصولها على حقوق الانتفاع بالمواقع التعدينية أو عبر الدخول في شراكات مع المستثمرين والشركات المتخصصة، حيث إن وجود شركات دولية تمتلك خبرات وتقنيات متقدمة يمكن أن يمثل قيمة مضافة للقطاع، شريطة أن يصاحبه نقل للمعرفة والخبرة وتطوير للكوادر الوطنية، وألا يؤدي إلى تهميش الشركات المحلية أو تقليص دورها في المشاريع التعدينية.
وأكد الغساني أن دخول استثمارات جديدة إلى القطاع يمثل تطورًا إيجابيًا في قطاع التعدين، إلا أن الأهم هو أن ينعكس أثرها بصورة مباشرة على الاقتصاد المحلي، وأن تستفيد منها الشركات العُمانية وسلاسل التوريد المحلية.
وأوضح أن المشروع التعديني يجب أن يُنظر إليه كجزء من منظومة اقتصادية متكاملة تشمل أعمال الاستكشاف والحفر والنقل والخدمات اللوجستية والمقاولات والصيانة والتصنيع والمعالجة، إلى جانب توفير فرص التدريب والتوظيف للمواطنين.
وأشار إلى أن تعظيم القيمة المحلية يتطلب وضع آليات واضحة تتيح للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة والشركات العُمانية المتخصصة المشاركة في مختلف مراحل المشروع، بما يخلق فرصًا جديدة أمام القطاع الخاص، ويعزز قدرة الشركات المحلية على بناء خبرات متراكمة ورفع كفاءتها والتوسع في أعمالها.
وحول اشتراط الكفاءة الفنية والملاءة المالية ودراسة تكلفة المشروع، أكد الغساني أن هذه المتطلبات من شأنها رفع مستوى الشركات المؤهلة لدخول القطاع، معتبرًا ذلك أمرًا إيجابيًا متى ما تحقق التوازن بين متطلبات المشاريع وقدرات الشركات المحلية.
وأوضح أن قطاع التعدين يحتاج بطبيعته إلى استثمارات كبيرة وخطط واضحة وإمكانات فنية متخصصة، ولذلك فإن التأكد من قدرة المستثمر على تنفيذ المشروع والوفاء بالتزاماته يمثل عنصرًا مهمًا لحماية الموارد المعدنية وضمان عدم تعطيل المواقع أو بقائها دون استغلال فعلي.
وأعرب عن أمله في ألا تتحول هذه الاشتراطات إلى عائق أمام الشركات العُمانية الجادة، بل أن تسهم في تطويرها وتمكينها من المنافسة، خصوصًا في ظل وجود شركات محلية تمتلك خبرات متراكمة ومعرفة بطبيعة القطاع والسوق العُماني.
تسريع تنفيذ المشاريع
وشدد الغساني على أهمية أن تكون معايير تقييم العروض واضحة ومعلنة، وأن تتسم إجراءات المزايدات بالشفافية والعدالة، بما يضمن تكافؤ الفرص ويعزز ثقة القطاع الخاص.
وأوضح أن وضوح المعايير منذ بداية طرح الموقع يساعد الشركات على إعداد دراسات جدوى أكثر دقة، وتقدير حجم الاستثمارات المطلوبة، ووضع خطط واقعية للتنفيذ، كما يقلل من احتمالات تأخر المشاريع أو تعثرها في مراحل لاحقة.
وتوقع أن يسهم الإطار التشريعي الجديد في زيادة النشاط في قطاعي الاستكشاف والتعدين وتسريع تنفيذ عدد من المشاريع، خصوصًا مع وضوح الإجراءات وآليات طرح المواقع، مؤكدًا أن المرحلة المقبلة تتطلب تعاونًا مستمرًا بين الجهات الحكومية والشركات والمستثمرين لضمان معالجة التحديات التي قد تظهر أثناء التنفيذ.
وأضاف أن نجاح أي تشريع لا يرتبط فقط بإقراره، وإنما بمدى فاعلية تطبيقه وسرعة إصدار التراخيص وتوفير البيانات الجيولوجية وتسهيل الإجراءات المرتبطة بالمشاريع، مشيرًا إلى أن توفير المعلومات الجيولوجية الدقيقة والمحدثة يمثل عاملًا مهمًا في جذب الاستثمارات وتقليل المخاطر التي تواجه المستثمرين في مراحل الاستكشاف الأولى.
بيئة استثمار جاذبة
وفي السياق ذاته، قال الشيخ أحمد بن عامر بن محمد المصلحي، رئيس لجنة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة بغرفة تجارة وصناعة عُمان، إن التعديلات الجديدة تمثل خطوة مهمة لإعادة تنظيم قطاع التعدين وتهيئة بيئة أكثر وضوحًا وجاذبية للاستثمار، مشيرًا إلى أن من أبرز ما جاءت به تعزيز التنافسية والشفافية في طرح المواقع التعدينية، ووضع متطلبات أوضح للكفاءة الفنية والملاءة المالية للمستثمرين.
وأكد أن الأهم في المرحلة المقبلة هو تحويل هذه التعديلات إلى مشاريع تعدين حقيقية وقيمة مضافة محلية، بحيث لا يقتصر دور القطاع على استخراج الخام، وإنما يمتد إلى التصنيع والاستفادة من الثروات المعدنية وخلق فرص عمل للمواطنين.
وأوضح المصلحي أن تنظيم طرح المواقع التعدينية وفق مبادئ المنافسة والشفافية، إلى جانب اشتراط الكفاءة الفنية والملاءة المالية، سيكون له أثر إيجابي في رفع كفاءة استغلال الموارد، من خلال توجيه المواقع إلى المستثمر الأكثر كفاءة وقدرة على تنفيذ المشاريع واستغلال الموارد بصورة أفضل.
وقال إن النتيجة المستهدفة تتمثل في استقطاب استثمارات نوعية، وتحقيق استغلال أفضل للثروات المعدنية، ورفع القيمة المضافة المحلية، إلى جانب توفير فرص عمل للعُمانيين.
وأشار إلى أن التعديلات توفر قدرًا أكبر من الوضوح والشفافية والتنافسية أمام المستثمر عند الحصول على المواقع التعدينية، الأمر الذي يعزز ثقة المستثمر المحلي والأجنبي ويفتح المجال أمام استثمارات جديدة في القطاع.
وأضاف أن الأهمية لا تكمن فقط في زيادة عمليات استخراج الخامات، وإنما في الانتقال إلى تصنيعها وإضافة القيمة إليها محليًا، بما يعزز مساهمة التعدين في الناتج المحلي ويرفع الصادرات ويوفر فرصًا استثمارية ووظائف جديدة للعُمانيين.
وبيّن المصلحي أن قياس نجاح التعديلات خلال السنوات المقبلة ينبغي أن يستند إلى مجموعة من المؤشرات الاقتصادية، في مقدمتها حجم الاستثمارات الجديدة في قطاع التعدين، وزيادة الإنتاج والصادرات، وارتفاع مساهمة القطاع في الناتج المحلي، إضافة إلى عدد المشاريع التي دخلت مرحلة الإنتاج الفعلي.
وأكد أن القيمة المضافة التي تتحقق داخل سلطنة عُمان، ونسبة توظيف العُمانيين، ونمو الصناعات المرتبطة بالتعدين، تمثل مؤشرات مهمة للحكم على أثر التعديلات، مشددًا على أن نجاح القانون لا ينبغي أن يقاس بعدد التراخيص فقط، وإنما بما تحققه من قيمة اقتصادية مستدامة.
