No Image
ثقافة

ميلاد "رواية الأجيال" في الرواية العربية

19 سبتمبر 2026
19 سبتمبر 2026

(1)

من «شجرة البؤس» طه حسين (1944) إلى ثلاثية نجيب محفوظ (بين القصرين وقصر الشوق والسكرية صدرت بين عامي 1956 و1957) قطعت الرواية العربية رحلة لم تكن قصيرة بحساب الزمن والوقت، لكنها كانت كبيرة بحساب الهضم والتمثل وإدراك طبيعة وجماليات هذا النوع من الرواية أو طبيعة المعالجة الروائية للقصص التي يتسع لعديد الأجيال (ثلاثة أجيال متصلة على الأقل) ويمتد في الزمان ليغطي قرابة نصف القرن!

كانت هذه هي الخطاطة الأولية العريضة لما يعرف برواية الأجيال أو "رواية النهر" كما يطلق عليها النقاد ومؤرخو الرواية، وقبل صدور "ثلاثية" نجيب محفوظ الأكبر في النصف الثاني من خمسينيات القرن الماضي، لم نكن نملك في أدبنا العربي، وفي تاريخ الرواية العربية الحديثة عملا شاهقا مكتملا يناطح نظائره في الأدب العالمي وفي الرواية العالمية من أمثال روايات البريطاني جولزوروثي، أو الروسي ليو تولستوي ونظيره دويستويفسكي أو شولوخوف صاحب رواية «الدون الهادئ» أو تورجنيف صاحب رواية «آباء وأبناء»، فضلا عن روايات الألماني توماس مان، وغيرهم في تاريخ الرواية العالمية منذ القرن التاسع عشر حتى أواسط القرن العشرين.

(2)

يمكن الوقوف عند سنة 1944 باعتبارها السنة التي شهدت صدور رواية «شجرة البؤس»؛ آخر ما كتبه طه حسين من أعمال روائية، وهي رواية سيرة ذاتية ممتدة الأجيال، تتناول حياة أسرة صعيدية، ويرى بعض النقاد أنها تعكس حياة أسرة طه حسين نفسه، وتغطي مساحة زمنية كبيرة، من منتصف القرن التاسع عشر إلى أوائل القرن العشرين.

وتسمح هذه الفترة الزمنية الطويلة بمتابعة تاريخ الأسرة وتفرعاتها في أجيال ثلاثة، وهي بذلك بإجماع النقاد أول «رواية أجيال» عربية. وبرغم ضعف البناء أحيانًا، وافتقاد التناسق بين تطور الشخصيات، والزمن الذي تطمح الرواية إلى تغطيته فنيا، أحيانًا أخرى، فإن «شجرة البؤس» تنقل صـورة حية للظواهر الاجتماعية التي طرأت على المجتمع الصعيدي في ذلك الوقت.. وقد أوحت الرواية لكتاب الجيل التالي بكتابة روايات أجيال، كان منها «في قافلة الزمان» و«الشارع الجديد» لعبد الحميد جودة السحار، إلا أن أهم وأكبر وأشهر رواية أجيال عرفتها الرواية العربية الحديثة في القرن العشرين؛ هي ثلاثية نجيب محفوظ بلا جدال.

لم يفوت نجيب محفوظ فرصة إلا وأشار إلى توقفه عند رواية طه حسين هذه؛ معترفا بأنها قد لفتت أنظاره إلى فكرة كتابة الرواية التي تعالج تاريخ أجيال متصلة عبر فترة أو فترات زمنية ممتدة؛ وتكشف أثر التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية على هذه الأجيال في تتابعها الزمني، وكيف تتقاطع المصائر أو تفترق بحسب خطوط مسارات الأحداث، وتعرجاتها وتداخلها واشتباكها.. إلخ.

قد لا يعرف كثيرون أن نجيب محفوظ قد تأثر فكريا وإبداعيا بطه حسين لدرجة كبيرة جدا، ويكفي أن نذكر أن محفوظ لم يقرر أن يكتب رواية أجيال (الثلاثية) بالمعنى الذي يعرفه تاريخ الرواية العالمية إلا بعد أن قرأ رواية «شجرة البؤس» لطه حسين؛ وأعجب بها كثيرًا، ولم يكن يفوت فرصة أو مناسبة إلا ويعيد التذكير بها وبأثرها في نفسه. ودائمًا ما كان محفوظ يتحدث عن طه حسين باحترام كبير وتقدير وافر، ويتردد اسمه في كل الذكريات الخاصة أو الأحاديث السيرية التي تحدث فيها عن شبابه وقراءاته الأولى ودراسته في الجامعة، ثم الوظيفة بعد الجامعة.

(3)

في حواراته مع محمد سلماوي، يكشف نجيب محفوظ عن جانب من هذا التأثر ومداه؛ فيقول: «الحقيقة إنني أول ما سمعت بطه حسين كنت طالبًا بالمرحلة الثانوية، وكان في ذلك الوقت كالأسطورة، فالجميع كانوا يتحدثون عن طه حسين بسبب الأفكار الجديدة التي كان يطرحها، فتأثيره في نفسي سبق تأثري به عن طريق القراءة‏،‏ وقراءتي له كانت قراءة أدبية في الأساس؛ لأني لم أكن أحب أن أقرأ مقالاته السياسية التي كان يكتب فيها ضد الوفد‏، فكنت مثلًا أتابع قراءة «حديث الأربعاء»، وقرأت له «على هامش السيرة»، و«الأيام‏»،‏ وكان لهذه الأخيرة تأثير كبير جدًا في نفسي.

والحقيقة أن طه حسين أثَّر في جيلي بشيئين؛ أولًا بالثورة الفكرية التي أحدثها، ثم برواية «الأيام» التي كانت تحفة أدبية غير مسبوقة،‏ فعلى الرغم من أن الرواية كقالب فني كانت على هامش حياته،‏ فإنه قدّم عدة أشكال جديدة للرواية العربية، فمثلما قدم الرواية المعتمدة على الترجمة الذاتية في «الأيام‏»،‏ فقد قدّم أيضًا الرواية الموضوعية الرومانسية في «دعاء الكروان»، وقدّم رواية اليوميات [يقصد هنا رواية الأجيال الممتدة] في «شجرة البؤس»، وكنتُ لأول مرة أقرأ هذا النوع من الرواية.

وقد أعجبني للغاية، فتابعته في روايات جولزوروثي البريطاني، وتولستوي الروسي، وتوماس مان الألماني، وربما جاءتني الفكرة والنية أن أكتب (الثلاثية) أثناء قراءتي لـ«شجرة البؤس»، فقد فُتنت بفكرة تتالي الأجيال، وما تكشف عنه من تناقضات، وما ترويه من تاريخ، وما تقدمه من مشاعر وعواطف‏، فعلى الرغم من أن «شجرة البؤس» رواية قصيرة، فإنه كان لها أبعد الأثر في نفسي، وقد أعطى لنا طه حسين هذه الأشكال المتعددة للرواية، وكأنه كاتب روائي متخصص».

(راجع حوارات نجيب محفوظ؛ محمد سلماوي، دار الكرمة، 2025)

(4)

في كتيبه الموجز «قصة الأجيال بين توماس مان ونجيب محفوظ» الصادر سنة 1982؛ يقدم الناقد وأستاذ الأدب المقارن ناجي نجيب تنظيرا شديد التكثيف والإيجاز والعمق معا لرواية الأجيال في الأدب العالمي وفي الأدب العربي (يسميها قصة الأجيال).

وقد كانت دراسته تلك من الدراسات المبكرة جدا التي لفتت أنظار بعض الدارسين العرب وأساتذة الأدب بالجامعات الأوروبية إلى ضرورة الدفع بقوة لدعم ترشيح نجيب محفوظ لجائزة نوبل في الآداب. وهو ما تحقق فعلا بعدها بست سنوات.

في هذا الكتيب الوجيز الذي يقع في 80 صفحة من قطع الجيب؛ يقدم ناجي نجيب دراسة فذة وغير مسبوقة في الأدب المقارن، منطلقا من قناعة بأن التراث الأدبي عنصر حيوي في أي عمل إبداعي أدبي، والواقع المعيش هو العنصر الآخر المكمل لهذا العمل أو ذاك. بين هذين القطبين يتحرك الأديب في اختيار موضوعه ومادته وصياغته.

ونحن في هذا الكتاب إزاء أديبين يمارسان الأدب بوعي كامل بقضاياه وخفاياه وجمالياته، توماس مان في روايته الشهيرة «آل بودنبروك»، ونجيب محفوظ في "ثلاثيته" الخالدة (بين القصرين وقصر الشوق والسكرية)، وسنتوقف عندها تفصيلا في الحلقة القادمة باعتبارها النموذج الأتم والأكمل لرواية الأجيال في أدبنا العربي الحديث؛ ونقف عند عناصر تميزها وإحكامها لتحتل مكانتها الرائدة في الثقافة العربية والرواية العربية.

في كتابه، يرى ناجي نجيب أن "الثلاثية" مثلها مثل «آل بودنبروك» تقترب في أكثر من جانب من المؤلفات التاريخية؛ فكلاهما يلتزمان بالتتابع الزمني "الكرونولوجي"، والتسلسل التاريخي للأحداث، وغايتهما المزاوجة بين الآداب، مع ارتباطهما بواقع الحياة.

بهذا المعنى تشكل رواية الأجيال أو رواية النهر مسحا روائيا فنيا لتاريخ اجتماعي وسياسي واقتصادي بأدوات التخييل والفن الروائي؛ فالهدف الأساسي هو الفن لا التأريخ، لكن ذلك لا يعني في الوقت نفسه مفارقة الإطار المرجعي التاريخي الزمني للفترة التي تدور فيها أحداث تلك الرواية أو تلك. وعلى أية حال؛ فمن الضروري اتخاذ شاهد أو نموذج تتجلى فيه ومن خلاله عناصر رواية الأجيال وتركيبها وبنائها كما استقرت أعرافها في تاريخ الأدب وفي سيرة الرواية في القرنين الأخيرين..

(وللحديث بقية)