ثقافة

قاصّون يأخذون جمهور النادي الثقافي لعوالمهم السردية وتجاربهم القصصية

17 سبتمبر 2026
17 سبتمبر 2026
ضمن الجلسة التاسعة لـ"عين الطائر"

"عمان": أقيمت مساء أمس الجلسة التاسعة من الأمسية الثقافية "عين الطائر على القصة القصيرة"، التي كان الاحتفاء فيها بأربع تجارب جديدة، انطلق فيها الحوار عن تجاربهم القصصية، وعوالمهم السردية، والتحولات التي رافقت تجاربهم التي بدأت منذ العقد الأول من الألفية، وهم: الكاتب سعيد الحاتمي، والكاتبة ليلى عبدالله، والكاتب ناصر الرواحي، والكاتبة هدى حمد.

وقد بدأ القاصين بسرد قصة أو مقتطفا منها في بداية الجلسة، حيث قرأ سعيد الحاتمي قصته الغداء الأخير" من مجموعته الأخيرة "رسائل الغرقى".

الغداء الأخير في رسائل الغرقى

وعرجت الدكتورة منى حبراس والتي أدارت الجلسة بالحديث عن المجموعة القصصية، وأوضحت أنه ربما نفهم من "الغداء الأخير" أن هناك فقدا سيتلو هذا الغداء، أو أن موتا سيحدث، أو عدم اجتماع لاحق بعد هذا الغداء، وقالت: "هذه القصة سعيد الحاتمي يبنيها على مفارقة شديدة البساطة، وهي أن الموت يحدث في قلب الحياة اليومية من دون أن يعطل إيقاعها، والمكان ليس مستشفى ولا قاعة احتضار، وإنما مطعم"، وأضافت: "نتصور أن هذه المجموعة باستخدامها ضمير المتكلم لشخصية البطل أو السارد، هو الذي جعل القارئ في ورطة، لأنه يشعر أنه حبيس وعي السارد الذي يعرف وحده بالموت الوشيك، ولا أحد آخر يشاركه هذه المعرفة، فيشعر هنا القارئ بالتوتر وعلو العجز عن فعل أي شيء، والموت منتظر ومتوقع، لكن ما يتابعه القارئ هو كيف يحدث هذا الموت وليس الموت بحد ذاته كحدث، فالفكرة أن هذا السارد يريد أن يمنح أسرته وقتا أطول، أو وقتا إضافيا في الحياة الطبيعية بعد مشاهدة فيلم.

يريد لزوجته أن تكمل غداءها الأخير، يريد أن يترك لها هذه الذكرى، وليس مهما بعد ذلك ما يحدث. فهي حالة من منح الحب مزيدا من الوقت في الحياة الطبيعية".

وحول سؤال سعيد الحاتمي عن النصوص المتفرقة التي في مجموعته، قال: "هذه النصوص كتبت في أزمنة متفاوتة جدا، فعندما اتخذت قرار إصدار هذه النصوص، لم أفكر بالخيط الذي يربط هذه النصوص، بقدر ما كنت معنيا أكثر بحفظ هذه التجربة، وبعد جمع هذه النصوص، فعلا كنت أشعر أن هذه التجربة هي سعيد الحاتمي.

وفي سؤال عن الشخصيات التي في مجموعة "رسائل الغرقى" والتي بعضها تعتبر هامشية ولا تحتل مركز الحكاية ولكن سعيد ينجذب لها، قال: "أنا كإنسان أنجذب لهذه الفئة من البشر، الفئة المستحقة من البشر، الفئة التي تعيش على حافة الحياة، ولا أعرف هل أشعر أن هناك ما يربطني بها أو أننا من ذات العالم، ربما صلة قرابة أشعر بها بطريقة أو بأخرى مع هؤلاء، لا أشعر بها مع غيرهم على الإطلاق، لذلك الكتابة عن هؤلاء بالنسبة لي هي متعة إضافية، غير عن متعة الكتابة ذاتها.،

وعوالم هؤلاء أو هذه الفئة من البشر عوالم مليئة وغنية".

فهرس الملوك

كما سردت "ليلى عبد الله" قصتها "ذواق الملك" من مجموعتها القصصية الأخيرة "فهرس الملوك"، فتفتتح القصة بعبارة فيها مفارقة، أن يقول هذا السارد أو هذا الفقير من عامة الشعب: كان آخر أحلامي أن أموت بداء الملوك، والفقر الذي كان يفترض أن يقود الشخصية إلى الموت، يقودها جوعها على نحو ساخر إلى القصر.

وتقول منى حبراس عن القصة: "تقوم هذه القصة على مقابلة ذكية بين جوعين مختلفين: جوع الفقير إلى الطعام وجوع الملك إلى الأمان، الأول يشبع تدريجيا حتى التخمة، بينما الثاني يتضخم خوفه حتى يعجز عن الأكل، والنهاية ساخرة، سخرية سوداء: يموت الملك بسوء التغذية، بينما يعود الذواق إلى أسرته وقد أصابه داء النقرس، وهو الداء الذي ارتبط في المخيال طويلا بأنه يصيب المترفين والمفرطين في الطعام".

وتضيف الدكتورة منى: "تنجح هذه القصة في بناء نقدها من خلال المفارقة أكثر من الخطاب المباشر، فالسلطة في هذه القصة لا يهزمها عدو خارجي، وإنما يهزمها خوفها من أعدائها، حتى تصبح وفرة القصر نفسها أداة للفناء".

وتحدثت ليلى عبدالله عن مجموعتها "فهرس الملوك" حيث قالت: "تقريبا هذا أول كتاب أنجزه خلال مدة زمنية قصيرة بالنسبة لي.

عادة مشاريع، خاصة إذا كانت رواية أو حتى مقالات، تحتاج إلى مدة زمنية، يعني ممكن سنوات، لكن هذه المجموعة كتبتها أثناء عزلة كورونا، وكنت في تلك الفترة أعمل على مشروع أنهكني في الحقيقة ولم أنته منه حتى الآن، فشعرت أني بحاجة إلى استراحة محارب".

وفي إجابة ليلى عن سؤال حول ما إذا كانت المجموعة القصصية "فهرس الملوك" هي جزءا من ولعها بهذه العوالم أم هي طريقة لطرح قضايا معاصرة، قالت: "ربما من عرفني في فترة الثورات العربية تحولت نوعا ما إلى كاتبة في السياسة، حتى كثير من الصحفيين كانوا يقولون: ليلى، أنت تكتبين مقالات سياسية بلغة أدبية، وكان هذا أمرا يعجبني في الحقيقة، وهي مجموعة في كتاب "هواجس غرفة العالم، وظننت أني سأترك هذه المساحة للصحفيين وللإعلاميين، لمن هم يهتمون حقا بالسياسة، وقررت أن أعود إلى زاويتي الأدبية، فكان الأمر طبيعي أن تخرج هذه الأحافير الداخلية في النفس، الوعي بالوجود، لأن الكاتب في النهاية أيضا له موقف سياسي، سواء كان واضحا أو مضمرا".

وأضافت: "هذه المجموعة فرصة لي أن أنتهزتها، لأكتب في مجال أحبه، حكايات، وفي نفس الوقت أطرح الأسئلة التي أريدها ما بين السلطة والشعب، فهي قناع يجمع ما بين الولع بهذه العوالم، وأيضا بألم مختبئ طبعا خلف السخرية

علاقة السارد بالغراب

وسرد أيضا "ناصر الرواحي" قصته "حكاية غراب"، والتي تجمع علاقة ما بين السارد والغراب من لحظة ألفة عابرة قبل أن تتحول تدريجيا إلى خصومة تنتهي بالعنف، وحول القصة قالت مديرة الجلسة: "من خلال هذا التحول تبدأ القصة بأن تكون أقرب إلى رصد الكيفية التي يمكن بها للإنسان أن يصنع عدوه وأن يحمل الآخر مسؤولية اختلال عالمه، ففي البداية يبدو السارد شديد التعلق بعالمه الخاص، لكن نقطة التحول تبدأ عندما يضع السارد الطعام للعصافير، فينقض الغراب عليه ويطردها، وهنا لا يكتفي السارد بوصف سلوكه، وإنما يصدر عليه حكما أخلاقيا بأن الغراب أناني، ويحمله مسؤولية الطيور التي يحبها، وفي هذه اللحظة يتغير الغراب في وعي السارد من كائن طبيعي إلى خصم شخصي".

وأضافت منى حبراس حول القصة بأن الصراع الحقيقي لا يدور في الخارج، وإنما يدور في داخل نفس السارد، والمفارقة أن السارد الذي أراد حماية العالم وحماية الجمال والطيور والسكينة ينتهي إلى ممارسة العنف نفسه. في مفارقة غريبة، يحب الطبيعة ولكنه يهاجم بعنف أحد مكونات هذه الطبيعة، وهو الغراب"..

وفي سؤال الدكتورة منى حبراس للكاتب ناصر الرواحي حول اللغة في مجموعة ناصر الرواحي، حيث الاحتفاء بالحوار والمشهد والحركة، وشعور القارئ أنه لا يروى له وإنما يدخل مباشرة في المشهد: فهل حدث هذا طبيعيا، أو أن الكاتب كان يتكئ عليه في بناء عالمك السردي بهذه الطريقة؟ فقال ناصر: "أنا أرى أن الكتابة عادة، كما هو معلوم، هي الفلسفة الداخلية لأي كاتب، وهي إخراج المكنون الداخلي لدى أي كاتب أو شاعر، وإخراج المفهوم يحتاج إلى الاستناد إلى أدوات لإيصال الفكرة إلى المتلقي، ولربما اتجهت إلى استخدام الحوار أكثر لاعتقاد سابق أن الحوار قد يقرب القارئ لفهم الفكرة أكثر مما هي السردية الجامدة، وبالتالي لربما ترين هذا موجودا في أغلب النصوص حتى الجديدة منها".

وحول سؤال ناصر الرواحي عما يمثله الجنون في هذا كتابه قال: "قد تكون صفة الجنون في العالم الإنساني إما أن تكون وصمة، وإما أن تكون هروبا، وقد تكون الجانبين.

يعني قد تكون صفة حقيقية واقعية، لكنها أيضا ذات أبعاد غير قياسية، فعندما نصف شخصا بأنه مجنون، ما هي الحدود؟ ما هي القياسات لهذه الصفة التي نطلقها على الشخص؟ ما هي المستندات التي نقيس بها هذا المصطلح حتى نطلقه على الشخص؟ الآن عندما نطلق المصطلح على النص أو على جزء من المجموعة، لا نعرف إن كان هو موصوما أو موصوفا أو تم إلصاق الصفة فيه، أم هو في الحقيقة له جانب من التصرفات، التي لا يوجد لها التفسير الواقعي والحقيقي في نموذج المسار الأخلاقي أو المسار الإنساني، وبالتالي نطلق هذه الصفة على كل ما يختلف عن هذا الطريق أو عن هذه المقاسات".

صاروخ يشق جلده ليولد آخر

كما سردت هدى حمد مقتطفات من القصة الأخيرة "صاروخ يشق جلده ليولد آخر"، وهي القصة الأخيرة في مجموعة هدى حمد الحديثة، وحول القصة قالت الدكتورة منى حبراس: "في هذه القصة هناك مفارقة إنسانية مؤلمة، والملخص كثيرا ما يظلم النص الأدبي، لكنها أرادت فقط أن تضعكم في عالم هذه القصة وفي أجواء هذه القصة وما الذي يحدث فيها"..

وأضافت منى حبراس: "القصة تصنع سؤالا عميقا: ماذا يبقى للإنسان حين يبدأ العالم الذي بناه طوال حياته في الانسحاب منه؟، هذه القصة تجعل الشيخوخة مرئية في الجسد وليست مجرد فكرة عابرة، والقصة تجعلنا نرى الشيخوخة مجسدة في جسد عجوزين، الجسد هنا هو مركز السرد: جسد كاذي المتعب، عيناها الكليلتان، حركة ناصر المحدودة، يسحك جالسا حتى يصل إلى مبتغاه، المرض، السقوط، الحاجة المتبادلة إلى الآخر"..

وأشارت إلى أن القصة تكتسب قوتها من عدم وجود أحداث كبرى، والمدهش في الموضوع أن المكان الذي يضم العجوزين هو مكان صغير، ولكنه بالنسبة لهما هو العالم بأسره. يتفاجأ من يراهما من بعيد كيف يعيشان بلا شيء، بلا تلفاز، بلا هواتف، بلا ملهيات، وإنما اثنان عجوزان يعيشان مع بعضهما فقط. ولكن العالم الفسيح الذي سيذهبان إليه لن يكون سوى قبر قبل القبر الحقيقي.

وفي سؤال عن سبب حضور الجسد في مجموعة هدى حمد قالت: "ليس من السهل أن يكون الجسد هو الحامل الذي يحمل هذه الفكرة، وحتى العنوان "لا يلتئمان"، من هم اللذان لا يلتئمان؟".

وأضافت: "الجسدان، ربما جسد الرجل والمرأة، ربما علاقة المرأة بالأخرى، علاقة الرجل بالآخر.

يعني الجسد علامة أساسية في هذه المجموعة، وكان هنالك قصد لتتبع عدد كبير جدا من القصص التي تقع في حيز زماني ومكاني مشترك، ولكن الجميع تظهر على أجسادهم بطريقة وبأخرى هذا النوع من المعاناة التي ممكن أن تتجسد، في صورة البهاق، ممكن أن تتجسد في صورة الأم التي تفقد القدرة على التحكم بجسدها وتوصف بالجنون ويعالجها الشيخ، والعاملة التي تأتي إلى بيت فيه طفل محروم من الرضاعة، تقرر أن ترضعه، فالجسد هو حامل الدلالات الأساسية في هذه المجموعة، كان هنالك قصدية، ورغبة في تفجير الكثير من القضايا، الكثير من الشحوب البشري، عبر الجسد، ولا أعرف إلى أي حد طبعا هذا الأمر استطاع أن ينجح أو لا، ولكن إلى جوار الجسد هو الحساسية النفسية أيضا، وأنا مشغولة بالحساسية النفسية للشخصيات من الداخل، وهذه المجموعة هي الندوب والجراح الماثلة في الجسد".

.وأضافت هدى حمد: "أنظر أنا للأدب على أنه كما يقول ربما أوسكار وايلد: الأدب يقلد الحياة، أو الحياة تقلد الأدب، وبالنسبة لي هو محاولة لتعريه المجتمعات، ومحاولة لتقديمها كما هي".