ما تبقّى
اقترب ما نصبو له وطنيا وثقافيا وإنسانيا؛ فهذا الوطن الجميل هو من حقّ أهله، لذلك ستظلّ الكلمة هي السلاح الناعم الأكثر فعالية. تلك هي سرديتنا لا فيما يتعلّق من حقوق فقط، بل من خلال ما يتعلّق من علاقات إنسانيّة وعالميّة.
لم يكد غسّان كنفاني يُصدر رواية ما تبقّى لكم عام 1966، حتى وقع بعد أشهر فقط ما تبقى من فلسطين تحت الاحتلال إثر هزيمة حرب الأيام الستّة، والتي بقيت أتساءل عن سرّ هذا الرقم منذ وعيي، وأنا المولود في صيف عام 1967 اللاهب.
كان فضاء الرواية هو "قطاع غزة"، الذي تمّ نحته اصطلاحا سياسيّا جديدا إثر هزيمة عام 1948، المسماة بالنكبة، حيث تمّ إلحاق ما تبقى من فلسطين إلى الدولتين الشقيقتين الجارتين، من خلال وحدة جمعت ضفتيّ نهر الأردن، في حين انتقلت إدارة قطاع غزة للشقيقة الكبرى مصر.
وهكذا تصبح المواجهة في الرواية ما بين "حامد" في صحراء النقب، حين يسافر عبر صحراء النقب اللصيقة بقطاع غزة، جنوب فلسطين ليواجه أحد جنود الاحتلال وجهاً لوجه.
لقد سكن في روح غسّان كنفاني في هذه الرواية، بأن جهة تحرّك الفلسطينيّ في قطاع غزة، هو تجاه فلسطين المحتلة عام 1948، فكان اللقاء بين شخصية الرواية وجندي الاحتلال رمزيا وواقعيا في الوقت نفسه، كونه يتعلّق بالخلاص الجمعيّ لمجموع اللاجئين المهجّرين من قراهم ومدنهم ومضاربهم.
وفي سياق جهة المكان، فقد سكن في نفسه أيضا جهة أخرى، حين أصدر رواية "عائد الى حيفا" عام 1969، أي بعد عامين على هزيمة 1967، و3 أعوام على روايته "ما تبقّى لكم". فقد كان يتوقع أن تكون جهة تحرّك التحرير باتجاه فلسطين عام 1948، وليس العكس، لذلك كان "سعيد س" حزينا وهو يقطع الطريق من رام الله الى حيفا باتجاه الغرب، ما يعني أن التنقّل كان ضمن فلسطين التاريخيّة التي أصبحت تحت الاحتلال، بل وحملت معها مفارقة صادمة، وهي توحيد فلسطين كلها ولكن تحت الاحتلال.
وهكذا، كانت الصدمة أكبر مما يتحمّل من كان مسكونا بأمل التحرير والعودة، وهذا يذكّرنا بما نشره الكاتب نفسه، في روايته عام 1963 بما تضمنته في بعدها الوجوديّ والوطنيّ فيما يتعلّق بحقّ تقرير المصير، حين يتمّ إطلاقة الصرخة الأكثر شهرة والأكثر قسوة في الأدب العالميّ: "لماذا لم تدقّوا جدران الخزان؟".
تركت هزيمة عام 1967، أثرا عميقا في الوجدان العربيّ، وبالتالي في الأدب والفن والفكر، فكان أن اختار العرب خيار إزالة آثار العدوان، لاستئناف عملية التحرر التي بدأت منذ عام 1948. والتي تعني البحث عن إمكانيات عالم السياسة.
ثمة مفارقة مثيرة ظهرت بالأدب الفلسطينيّ، وهي أنه في ظل تعبير الأدب عن حلم العودة والتحرير ما بين حربيّ 1948 و1967، فقد كان هناك مسار سياسيّ يتم التعبير عنه بشكل خجول وغير مباشر، يناقض الحلم-الحق، لكنّ انتصار القلم للوطن الكامل، جعل فلسطين حاضرة كوطن غير مقسّم وغير مجزّأ، فهي الكاملة في الأدب وهي تتبع التسويات في عالم الساسة.
لم تقف حيرتنا عند هذا الحدّ، حيث إنه في ظلّ سعي السياسيّ إلى إيجاد حلّ يتعلق بما تبقى لنا بعد نكبة عام 1948، أي الضفة الغربية وقطاع غزة، بعد سقوطها تحت الاحتلال عام 1967، فقد كان للاحتلال رأي آخر يتعلق بحلّ ينتقص من هذه الأرض التي بلغت 22% من مجمل فلسطين التي احتل منها 78%. وهنا بدأ الحال بالتسارع من حيث طمع الاحتلال بأكبر قدر من ضمّ أجزاء واسعة من الضفة الغربية وقطاع غزة. أي أن الحال أصبح منذ الاحتلال عام 1967، هو استمرار قضم الأرض المتبقيّة.
وهنا، في ظلّ تعاطي السياسي مع الاحتلال، فيما يمكنه من فعل شيء على الأرض، والذي وصل إلى طريق مسدود، بوجود فعل الاحتلال الذي راح يضمّ ما تبقّى من أرض، فإن المعنى الجغرافيّ هنا يصبح معنى وجوديا، ينتقل من "الأرض المتبقية"، إلى "ما تبقّى" لنا من فعل.
عند تأمل هكذا حال على الأرض وعلى أرض الثقافة والفكر، فإننا نستطيع حلّ إشكالية العلاقة بين المثقف والسياسيّ، من خلال فهم دور كلّ منّا؛ فما يمكن فعله من خلال منطلق الساسة، يختلف عما يمكن فعله من خلال الثقافة. وقد فطن لذلك غسّان كنفاني مبكّرا، حيث دفعنا إلى أخذ دورنا لا كمثقفين فقطـ، بل كمواطنين تحت الاحتلال.
وبالطبع ليس هناك تناقض في الأمرين، بل هو تكامل ضروريّ واستراتيجيّ، بحيث يترك المثقّف للسياسي أن يجتهد لتحقيق ما يمكن، في حين تظلّ فلسطين الوطن كما هي، واحدة "لم تصب بسوء".
وعليه، فإن الوعي على هكذا حال، يمنح السياسيّ قوة في حال أنه لا يضمن تحقيق الحد الأدنى، ما يعني بقاء الحقّ ظاهرا، يتمّ التذكير به بقوة من خلال الأدب والفن.
إذن فإننا ننتقل من "ما تبقّى لكم" من أرض، إلى "ما تبقّى مما تبقّى" الى رحابة الروح والنفس التي تتمثّل فيما تبقّى لنا من إرادة ووجود وحضور ثقافيّ حقيقيّ ينتشر في وسائل الإعلام وصولا الى الإعلام الاجتماعيّ الحرّ من الرقابة الى حد ما، لتكون بوصلة المثقّف هي فلسطين الكاملة غير المقسّمة، التي يعيش فيها البشر بعيدا عن العنصرية، فتصبح "للكلمات أجنحة" عظيمة تعرّي الحكم العسكريّ الكولينياليّ لفضحه، فتصبح الرواية والفيلم وأشكال السرد والتعبير وسائل قويةّ تهدد الاحتلال.
وهكذا فما تبقّى لنا أعظم من أي بقية تتعلق بمساحة محدودة من الأرض، إلى رحابة النظرة الكاملة للوطن الكامل. أما ما سيتبقّى للاحتلال، فهو القليل من ورق الشجر الذي يغطي به عوراته، حيث تصبح السرديّة الفلسطينيّة هي السردية الحقيقية، في حين لن تصمد السرديّة الصهيونية أمام منطلقات سردنا الوطنيّ والإنسانيّ معا.
إنّ فهم أدورانا كمثقفين وساسة بعمق إنسانيّ وتاريخيّ، سيجعلنا نزهد في الاستغراق في جدلية المثقّف والسياسيّ. من ناحية أخرى سنزهد جميعا في الحديث حول مسألة التطبيع.
وأخيرا، فإنّ ما يسكن في قلب الاحتلال وعقله، هو أن دولة الاحتلال لن تصمد طويلا، وليس لديها لا روافع ثقافية ولا روافع أخرى تطيل عمرها باستثناء الحلف الآثم مع الاستعمار ناهب الموارد، ما يعني أن نعزف بوعي على هذا اللحن، من خلال الدور الإنساني للأدب والفن في العالم أجمع في مقاومة الاحتلال والعنصرية ونظام الأبارتهايد، فهل يعرف المثقفون العرب جميعا، وفي العالم، أي دور عليهم القيام به!
