استعرضت الجمعية الاقتصادية العُمانية اليوم الثلاثاء بفندق إنترسيتي الخوير في جلسة حوارية ضمن أعمال المجلس الاقتصادي- بحضور معالي المهندس سعيد بن حمود المعولي، وزير النقل والاتصالات وتقنية المعلومات- دور قطاع النقل ولوجستياته في رفد الاقتصاد الوطني وأبرز المبادرات والمشاريع الاستراتيجية التي تنفذها الوزارة في قطاع النقل، بالإضافة إلى الآفاق المستقبلية للقطاع ومدى مساهمته في تحقيق مستهدفات رؤية «عُمان 2040».
وقال وزير النقل والاتصالات وتقنية المعلومات: إن التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد وقطاع النقل تفتح فرصًا واسعة أمام سلطنة عُمان لتعزيز دور موانئها وخدماتها اللوجستية، والتوسع في أنشطة إعادة التصدير والتخزين والتوزيع وإضافة القيمة، في ظل ما تمتلكه من بنية أساسية وموقع جغرافي وكفاءة تشغيلية.
وأوضح أن المشهد اللوجستي العالمي يشهد تغيرات كبيرة، من بينها توجه الدول نحو الاتفاقيات التجارية الثنائية والإقليمية بدلًا من الاعتماد بصورة كاملة على نمط التجارة الحرة متعدد الأطراف، إلى جانب التحولات التي أعقبت جائحة كورونا وما نتج عنها من إعادة تشكيل سلاسل الإمداد وجعلها أقصر وأكثر ارتباطًا بالأسواق الإقليمية.
وأشار إلى أن المتغيرات السياسية والاقتصادية العالمية تدفع الدول إلى رفع جاهزيتها وتعزيز أمن سلاسل الإمداد، في الوقت الذي يشهد فيه قطاع النقل تسارعًا تقنيًا كبيرًا، خصوصًا في مجالات الطاقة النظيفة والمركبات ذاتية القيادة والكهربائية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي والروبوتات.
وبيّن أن التحول التقني لم يعد يقتصر على السيارات الكهربائية، إذ بدأ يمتد إلى السفن ووسائل النقل المختلفة، إلى جانب التوسع في المركبات ذاتية القيادة، متوقعًا أن تشهد أنماط التنقل مستقبلًا تغيرًا نحو تقديم خدمة النقل بدلًا من امتلاك وسيلة النقل نفسها.
وأضاف أن التكامل بين الذكاء الاصطناعي والروبوتات سيؤثر مستقبلًا في مواقع التصنيع وسلاسل التوريد، إذ لن تبقى تكلفة العمالة وحدها عاملًا حاسمًا في اختيار مواقع الإنتاج، في ظل قدرة التقنيات الحديثة على تغيير نماذج التصنيع والتصدير، إلى جانب تنامي أدوار اقتصادات الهند وأفريقيا.
فرص للموانئ
وحول المتغيرات الإقليمية وتأثيرها في الموانئ، أوضح أن المنطقة تشهد تحولًا كبيرًا في حركة الحاويات والبضائع، مشيرًا إلى أن الطاقة الاستيعابية للموانئ الواقعة في منطقة الخليج الممتدة من رأس الخيمة حتى العراق تبلغ نحو 23 مليون حاوية سنويًا، فيما تبلغ الطاقة في منطقة البحر الأحمر نحو 18 مليون حاوية، وأن المتغيرات الراهنة أدت إلى انتقال جزء من الحركة إلى موانئ سلطنة عُمان وموانئ أخرى في المنطقة.
وتوقع أن تتجه بعض شركات الشحن العالمية إلى اختيار مواقع أقل تعرضًا للمخاطر على المدى الطويل، موضحًا أن طبيعة حركة البضائع في منطقة الخليج تتطلب وجود بوابات للدخول والخروج، وهو ما يمنح موانئ سلطنة عُمان فرصة لاستقطاب جزء من هذه الأنشطة والخدمات المرتبطة بها.
ولفت إلى أن التحولات المقبلة لن تقتصر على عمليات المناولة، إذ ستشمل أيضًا مواقع إضافة القيمة للبضائع وحركة الشحن البري، متوقعًا أن يشهد النقل البري في سلطنة عُمان طفرة خلال المرحلة المقبلة، بما يستدعي مواصلة تنظيم القطاع والتوسع فيه.
وأشار إلى أن الدولة استثمرت بصورة كبيرة في الموانئ والطرق والبنية الأساسية، وأن سلطنة عُمان حافظت خلال السنوات الماضية على مستويات متقدمة عالميًا في جودة الطرق، فيما يأتي ميناء صلالة ضمن الموانئ ذات الكفاءة التشغيلية العالية، مؤكدًا أن مقومات النجاح اللوجستي متوافرة إلى جانب الموقع الجغرافي.
وكشف أن الزيادة المرصودة في حركة الشاحنات تبلغ شهريًا نحو 100 ألف شاحنة أو أكثر، وأن أكثر من نصف هذه الزيادة يعود إلى شاحنات وشركات نقل عُمانية، فيما تراوح نمو المناولة في الموانئ بين نحو 27% في أقلها نموًا و430% في أعلاها.
وأوضح أن عددًا من الشركات العالمية يدرس تعزيز وجوده في موانئ سلطنة عُمان، في ظل الاهتمام المتزايد بالموقع والخدمات اللوجستية المتاحة، مشيرًا إلى توقيع مذكرات تفاهم مع شركات عالمية، إلى جانب وجود توجهات نحو توسعة بعض الموانئ واستقطاب أعمال جديدة.
وأشار إلى أن اكتمال مشروع الربط بين سلطنة عُمان ودولة الإمارات العربية المتحدة سيحدث نقلة نوعية في حركة النقل والخدمات اللوجستية، متوقعًا الوصول إلى التشغيل النهائي للمشروع خلال الربع الثالث أو الرابع من عام 2027.
استراتيجية لتطوير الموانئ
وأكد معالي المهندس سعيد المعولي أن لدى الحكومة استراتيجية واضحة لتطوير تشغيل الموانئ وتحقيق عوائد أكبر من الاستثمارات القائمة في البنية الأساسية، موضحًا أن العمل شمل مراجعة وتجديد عقود تشغيل الموانئ وتطوير آليات التسعير.
وبيّن أن التوجه الجديد يتضمن مشاركة الحكومة في تحديد التسعيرة وعدم تركها بصورة كاملة للمشغل، إلى جانب انتقال بعض اختصاصات سلطة الميناء إلى الحكومة، بما يدعم التنافسية ويرفع كفاءة التنظيم والخدمات المقدمة.
وأشار إلى العمل على تطبيق نظام «مجتمع الموانئ»، الذي يستهدف تنظيم التعامل مع البضائع وتعزيز الشفافية في الخدمات المرتبطة بها، بدءًا من الوكيل الملاحي ووصولًا إلى خدمات التخليص والشحن، بما يتيح للمستهلك معرفة تفاصيل الخدمات والتكاليف بصورة أوضح.
وأوضح أن الوزارة تعمل كذلك على معالجة التحديات المرتبطة بتكاليف الخدمات في الموانئ، ورفع مستوى الشفافية في سلسلة وصول البضائع، إلى جانب وضع متطلبات أكثر وضوحًا للمشغلين الجدد الراغبين في الاستفادة من الفرص المتاحة.
ولفت إلى أن من بين هذه المتطلبات إلزام بعض المشغلين بحد أدنى من حجم المناولة، بحيث يلتزم المشغل بتحويل كميات محددة من الحاويات إلى سلطنة عُمان منذ السنوات الأولى لعمله، بما يضمن أن تكون الاستثمارات الجديدة مرتبطة بحركة تجارية فعلية ومستدامة.
وأضاف أن العمل يشمل أيضًا مراجعة بعض أشكال الحصرية الممنوحة للمشغلين في الموانئ، بما يرفع مستوى التنافسية، مؤكدًا أن البنية الأساسية والأرضية التنظيمية أصبحتا أكثر جاهزية لاستقطاب الشركات العالمية، شريطة وجود التزام طويل الأمد وليس الاستفادة من الظروف الحالية بصورة مؤقتة.
التوسع في إعادة التصدير
وأكد أنه لا يوجد ما يمنع سلطنة عُمان من التوسع لتصبح مركزًا رئيسًا لإعادة التصدير وإضافة القيمة، مشيرًا إلى أنها تقوم بالفعل بهذا الدور في عدد من السلع والمنتجات.
وذكر مثالًا على ذلك أن نحو 70% من منتجات بعض المطاحن في محافظة ظفار يعاد تصديرها بعد إضافة القيمة إليها، لافتًا إلى وجود ثقة في المنتجات العُمانية بالأسواق الخارجية، وأن المرحلة المقبلة تستدعي التوسع بصورة أكبر في هذا المجال.
وأوضح أن هناك عملًا مشتركًا مع وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار وجهاز الاستثمار العُماني لتوسيع نشاط إعادة التصدير وتعزيز وجود الشركات والخدمات العُمانية في الأسواق الخارجية، بما يسهل حركة البضائع ويربط سلطنة عُمان بصورة أوسع بسلاسل الإمداد الدولية.
وأشار إلى أن هذا التوجه لا يقتصر على الموانئ والنقل البحري، وإنما يشمل أيضًا الشحن الجوي والخدمات اللوجستية الأخرى، إلى جانب توسع مجموعة أسياد في عدد من الأسواق الخارجية، في إطار جهود متكاملة لتعزيز حضور سلطنة عُمان في منظومة التجارة والخدمات اللوجستية العالمية.
النقل محرك للتنافسية الاقتصادية
وقال الدكتور خالد بن سعيد العامري، رئيس مجلس إدارة الجمعية الاقتصادية العُمانية: إن قطاع النقل لم يعد يقتصر على كونه مجرد شبكة للربط بين المدن والموانئ، بل أصبح الشريان الأساسي لتدفق الاستثمارات، والمحرك المحوري لرفع كفاءة سلاسل الإمداد، وتعزيز التنافسية الاقتصادية، وتنشيط قطاعات التجارة والصناعة والسياحة، ومما لا شك فيه أن سلطنة عمان، بموقعها الجغرافي الاستراتيجي الذي يتوسط طرق التجارة العالمية، تملك كل المقومات لترسيخ مكانتها كمركز لوجستي عالمي وفق تطلعات رؤية عمان 2040.
وأضاف: إن التحديات الجيوسياسية تتيح في الوقت نفسه فرصًا يمكن استثمارها، مثل الاستفادة من الموانئ وبنيتها الأساسية القوية، واستعرض المجلس الاقتصادي سبل توظيف هذه المقومات لتوسيع دور قطاع النقل، بحيث لا يقتصر على نقل البضائع، وإنما يشمل إعادة التصدير وتصدير المنتجات والتخزين، بما يعزز الاستفادة من الموقع الاستراتيجي لسلطنة عُمان .. مشيراً إلى أن النقاش في الجلسة الحوارية تناول قطاع الطيران، بما في ذلك المواءمة بين الطيران العُماني وطيران السلام، وفرص تطوير الشحن الجوي والاستفادة من البنية الأساسية لمطار صحار.
كما تطرق إلى دور السكك الحديدية في ربط المناطق الاقتصادية والصناعية بالموانئ، وتكاملها مع المنظومة اللوجستية.