بعد انفجار فقاعة الذكاء الاصطناعي

13 سبتمبر 2026
13 سبتمبر 2026

على مدار أشهر، بل ربما لسنوات، هيمن الذكاء الاصطناعي على التصورات حول المستقبل، الأمر الذي أدى إلى تأجيج التكهنات في الوقت الراهن.

تُـعَـد المشاريع المرتبطة بالذكاء الاصطناعي مسؤولة إلى حد كبير عن الارتفاع السريع الذي شهده مؤشر الأسهم S&P 500.

ويعتبر الاستثمار في مراكز البيانات مساهما رئيسيا في ارتفاع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة، حيث يتنافس الاقتراض المخصص للبناء على الائتمان مع حكومة فيدرالية مبتلاة بالعجز.

في ظل هذا القدر الكبير من الاستثمارات المرتبطة بتكنولوجيا جديدة سريعة التطور، ماذا قد يحدث إذا تبين أن التدفقات النقدية وأرباح شركات التكنولوجيا الفائقة التي تبني مراكز البيانات، وكذا أرباح شركات الذكاء الاصطناعي التي تستأجر تلك البنية الأساسية (وهما فئتان متداخلتان)، جاءت مخيبة للآمال؟ ماذا قد يعني هذا الإحباط للأسواق المالية؟ هل تلوح أزمة وشيكة في الأفق؟

قد يتحقق هذا السيناريو لعدد غير معلوم من الأسباب.

فقد تكون فوائد الذكاء الاصطناعي في مجال الإنتاجية مبالغا فيها، وفي هذه الحالة ستقلص الشركات التي تفكر في تبني نماذج متطورة طلبها على الرموز الرقمية، وهي الوحدات الأساسية للبيانات التي تُـعَالَج بواسطة هذه النماذج. أو قد يسمح توفر النماذج المفتوحة الأوزان ــ التي تُـمَكِّن المستخدمين من تكييف معطيات النماذج وفقا لاحتياجاتهم ــ لهؤلاء المستخدمين باستخدام نماذج لغوية صغيرة تعمل على بنيتهم الأساسية الخاصة أو حتى على أجهزة الكمبيوتر المحمولة مثل الجهاز الذي أستخدمه لكتابة هذا التعليق. في أي من الحالتين، سيكون الدخل الذي يجنيه المستثمرون في مراكز البيانات أقل من التوقعات.

سوف يكون الأثر الأكثر مباشرة ووضوحا هو الانخفاض الحاد في أسعار أسهم «العظماء السبعة» (Magnificent 7) البالغة الارتفاع، وهي الشركات السبع ذات القيمة السوقية الشديدة الضخامة في قطاع التكنولوجيا والقطاعات المرتبطة بها، والتي كانت المحرك الرئيسي لمؤشر S&P 500. لكن التصحيحات في سوق الأسهم لا تعني حتما حدوث أزمات أو حتى ركود اقتصادي.

فإذا انخفض سعر أسهم شركة Meta، سيشتري مارك زوكربيرج عددا أقل من القلاع في أيرلندا، وسوف يتباطأ الإنفاق الاستهلاكي والاستثماري، كما ستعاني صناديق الاستثمار، مثل Situational Awareness، المتخصصة في المشاريع المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. لكن الأزمة المالية لن تحدث إلا إذا تورطت البنوك، وشركات التأمين، وغيرها من شركات الاستثمار المؤسسية. ولا توجد أدلة تذكر على تعرض هذه المؤسسات بشدة لمخاطر أسهم شركات الذكاء الاصطناعي.

الواقع أن التطورات في أسواق الديون تبعث على القلق بدرجة أكبر. مع تجاوز تكلفة إنشاء مراكز البيانات التدفق النقدي الحر المتاح للجهات الراعية، ومع بقاء الدخل من المستأجرين المحتملين احتمالا بعيد المنال، يُـمَوَّل قسم كبير من هذه الاستثمارات عن طريق الاقتراض من صناديق الائتمان الخاصة (شركات غير مصرفية تقدم قروضا يجري التفاوض عليها سِرا).

وإذا كان الطلب على خدمات مراكز البيانات أقل من المتوقع، فسوف تفشل هذه القروض في سدادها (وهي طريقة مهذبة نقول بها إن المقترضين سيتخلفون عن السداد).

ويصبح السؤال إذن: من الذي يستثمر في صناديق الائتمان الخاصة؟ توحي الصورة الشائعة بأنها تجتذب المكاتب العائلية ذاتها والأفراد من أصحاب الثروات الضخمة الذين يستثمرون في رأس المال الاستثماري والقادرين على تحمل خسائر عَـرَضية.

لكن الحقيقة هي أن القسم الأعظم من الائتمان الخاص يوفره مستثمرون مؤسسيون: صناديق التقاعد، وشركات التأمين، وأستطيع أن أتجرأ فأضيف إلى هذه الفئة صناديق الهبات الجامعية.

علاوة على ذلك، اتخذت صناديق الائتمان الخاصة خطوات للاستفادة من هذه الأموال المؤسسية من خلال الاستحواذ على شركات التأمين، التي يمكنها أن تملأ محافظ أصولها بالقروض.

وهذا يستحضر شبح أزمة في قطاع التأمين، والتي قد تتجلى بعدة طرق؛ فقد تلجأ شركات الائتمان الخاصة الأم إلى إعادة رسملة شركات التأمين، إذا افترضنا أنها تملك الأموال اللازمة.

أو بدلا من ذلك، قد تبادر صناديق الضمان المملوكة للدولة، التي تساهم فيها شركات التأمين الموفورة الصحة، إلى تمويل عملية إعادة الرسملة، وإن كنا لن نجد أي شركات موفورة الصحة إذا انهار القطاع بالكامل. وأخيرا، قد تتدخل الحكومة الفيدرالية بخطة إنقاذ، كما فعلت مع American International Group (AIG) في عام 2008.

بالإضافة إلى الاقتراض من صناديق التقاعد وشركات التأمين، تقترض شركات الائتمان الخاصة من البنوك التجارية، مستخدمة محافظ قروضها كضمان، فيتيح لها هذا رافعة مالية لالتزاماتها فضلا عن تعزيز عائداتها. وحتى لو امتنعت البنوك عن إقراض شركات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات أو الاستثمار فيها مباشرة، فقد تظل مع ذلك عُرضة للمخاطر. ولا يسعنا إلا أن نأمل أن تكون الجهات التنظيمية المعنية تراقب الوضع عن كثب.

أخيرا، تعمل شركات الائتمان الخاصة، التي بُنيت في الأصل على نموذج الشراء والاحتفاظ، بشكل متزايد على تحويل قروضها إلى أوراق مالية؛ فهي تُجمِّع تلك القروض من خلال كيانات ذات أغراض خاصة تصدر سندات مدعومة بالتدفقات النقدية المرتبطة بها، حيث تُقسّم السندات إلى مستويات أو شرائح مخاطر تتمتع بأولوية الدفع الأولى والثانية والثالثة في سداد خدمة الدين. ثم تُباع «شريحة الميزانين» (mezzanine tranche) من السندات المتوسطة المخاطر إلى مديري أصول آخرين. لتقييم مدى إلحاح مخاطر الأزمة، نحتاج إلى معرفة المزيد عن درجة مخاطر هذه الشريحة ومن يمتلكها، لكننا لا نملك هذه المعلومات.

إذا كان هذا يذكرك بدور التوريق (تحويل الأصول غير السائلة وغير القابلة للتداول إلى أوراق مالية قابلة للتداول)، والكيانات ذات الأغراض الخاصة، وتقسيم السندات إلى شرائح، والغموض في أزمة الرهون العقارية العالية المخاطر في الفترة 2007-2008، فأنت لست وحدك.

تماما كما تسببت أسواق الديون في تأجيج الانهيار المالي العالمي شبه الكامل الذي أعقب تلك الأزمة، فإن تعرضها للذكاء الاصطناعي سيقود التطورات الآن. تكمن المشكلة في أننا لا نملك سوى معلومات عامة محدودة للغاية عن تلك الأسواق، ولا تعمل الهيئات التنظيمية على تسهيل الحصول على تلك المعلومات.

باري آيكنجرين أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة كاليفورنيا، بيركلي، ومؤلف كتاب «المال عبر الحدود: العملات العالمية من كريسوس إلى العملات المشفرة».

خدمة بروجيكت سنديكيت