عمان اليوم

النقل البري بين ثغرات الميدان وحزم القوانين

12 سبتمبر 2026
12 سبتمبر 2026
رصد ميداني في السيح الأحمر يفتح أسئلة عن متابعة الشاحنات على المسارات البديلة

"تصوير: عبدالواحد بن فاضل الحمداني"

في السيح الأحمر بولاية بدبد، تابعت جريدة "عُمان" لمدة ثلاثة أيام شاحنات تدخل طريقًا فرعيًا ثم تعود إلى الطريق السريع عبر أحد مخارج فنجاء، جرى ذلك الأسبوع الماضي في المنطقة التي توجد فيها أجهزة الرقابة الذكية على النقل البري، ووثّق الفريق عبور 30 شاحنة عبر هذا المسار الفرعي دون مبرر واضح، رغم أنه يضيف لرحلة الشاحنة زمنًا إضافيًا، لكن المؤكد أن الشاحنات بهذا الالتفاف لن تمر على أجهزة الوزن الذكية الموجودة في السيح الأحمر، رغم أن الجريدة لا تملك أدلة مادية تؤكد أن تلك الشاحنات لديها حمولة زائدة وتسلك الطريق الالتفافي لتجنب رصدها بالكاميرات.

أثارت المشاهد التي رصدتها "عُمان" الكثير من الأسئلة، في مقدمتها آلية التحقق من سلامة حمولة الشاحنات عندما تقوم بالالتفاف على منظومة الرقابة والدخول في طرق فرعية وضيقة؟

وفي المقابلات التي أجرتها "عُمان"، عرضت وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات خططًا لتوسيع الرقابة الذكية والتفتيش الميداني، فيما تحدث عاملون في القطاع عن مطالب بتوفير ساحات لتفريغ الأوزان الزائدة، وتدريب أكثر تخصصًا للسائقين، وفحص الحمولة قبل التحرك، وتلتقي هذه الإفادات عند مرحلة تسبق وصول الشاحنة إلى أي ميزان: اللحظة التي يُسمح فيها لها بمغادرة موقع التحميل.

الموازين الذكية والمتنقلة

يقول المهندس هيثم أحمد الزدجالي، مدير دائرة النقل البري بوزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات: إن نحو 17 ألف مخالفة لوسائل نقل البضائع سُجلت خلال الربع الثاني من العام الجاري. ويكشف الرقم مقدار المخالفات التي ترتكب في هذا القطاع والتي تتباين بين تجاوز الوزن المحوري أو تحميل بضاعة يمكن أن تتحرك أثناء السير.

وبحسب الزدجالي، تعمل الوزارة على ربط الموازين الذكية والمتنقلة بأنظمة التتبع الإلكتروني وأعمال التفتيش الميداني، لزيادة دقة الرصد وسرعته والحد من الحمولات الزائدة. ويقول: إن المحطات الثابتة تراقب المحاور ذات الكثافة المرورية العالية، "فيما تمنح الموازين المتنقلة فرق التفتيش مرونة أكبر للوصول إلى مداخل الطرق والمسارات البديلة والمواقع التي تكثر فيها المخالفات".

تكتسب هذه القدرة أهمية مباشرة في السيح الأحمر، فالتوثيق الميداني يحدد مسارًا يستحق الفحص، ويمكن لبيانات الوزن والتتبع أن تكشف ما إذا كانت الشاحنات التي سلكته خضعت للرقابة في موضع آخر، وما إذا كانت تحمل أوزانًا مخالفة. أما تعمّد تفادي الرقابة فيحتاج إلى التحقق من ظروف الرحلات والاستماع إلى السائقين والناقلين المعنيين.

لكن ما الخطوة التالية عند اكتشاف مخالفة؟ يقول الزدجالي إنه "لا يسمح للشاحنة المخالفة بمواصلة السير إلا بعد إزالة الوزن الزائد" وعلى مسؤولية الناقل ونفقته، وإن الغرامة تبلغ 10 ريالات عُمانية عن كل طن زائد، ويضيف: أن الوزارة تستهدف الشركات والمركبات التي تتكرر مخالفاتها بحملات رقابية أكثر تركيزًا.

ويستند منع مواصلة السير إلى حكم وارد في المادة 26 من اللائحة التنفيذية لقانون النقل البري الصادرة عام 2018، يقضي بتنزيل الوزن الزائد على مسؤولية المرخص له ونفقته قبل استمرار المركبة في رحلتها.

ساعات تفريغ الأوزان

في المقابل، يطرح محمد بن خلفان الرحبي، وهو باحث في قطاع النقل البري واللوجستي وصاحب شركة نقليات، مسألة توفير المكان الذي يتيح تنفيذ هذا الإجراء. ويقول: إنه تقدم منذ سنوات بخطابات إلى الوزارة يطلب فيها موازين ثابتة وساحات لتفريغ الأوزان الزائدة، والتحقق من تثبيت الحمولات، ومحطات تضم مرافق للاستراحة والصيانة.

وعن الاستجابة لهذه المطالب يقول: "إلا أن كل هذا لم يتم الأخذ به، رغم تكرار المراجعات والمطالبات".

وفي ملف الحمولات الاستثنائية، يقول الرحبي: إن الوزارة تمنح تصاريح لشاحنات أجنبية يرى أن "أغلبها تنقل حمولات قابلة للتجزئة أو التفكيك". ويستند اعتراضه إلى تعريف الحمولة الاستثنائية في اللائحة، الذي يربط تجاوز الأوزان والأبعاد القياسية بتعذر تجزئة الحمولة أو تفكيكها أو إعادة توزيعها لأسباب فنية.

وتشترط المادة 25 تصريحًا مسبقًا من الوزارة وشرطة عُمان السلطانية لنقل الحمولات التي تتجاوز الحدود المقررة، مع تحديد المسار ونوعية البضائع وكميتها وتقديم مخطط للمركبة والحمولة.

ولذلك يتوقف التحقق من اعتراض الرحبي على فحص التصاريح والشحنات المحددة التي يقصدها؛ فعدد محاور الشاحنة أو بلد تسجيلها وحده لا يثبت وقوع مخالفة.

ومهما بلغت دقة الوزن، تبقى طريقة تثبيت البضاعة مسألة مستقلة، فقد تحمل الشاحنة وزنًا مسموحًا به، وتظل حمولتها قابلة للانزلاق أو التدحرج إذا كانت وسائل تثبيتها غير مناسبة. وهنا تنتقل معاينة السلامة إلى سطح المقطورة حيث موضع الحمولة والقواعد التي تحملها والأحزمة أو السلاسل التي تقيد حركتها.

حوادث الشاحنات

يرى المهندس جمعة بن إبراهيم المسكري، رئيس مجلس إدارة الجمعية العُمانية للوجستيات، أن الوزن الزائد وضعف تثبيت الحمولة ونقص المهارة الفنية لدى بعض السائقين من أهم أسباب حوادث الشاحنات. ويضع على الشركات وأصحاب الشاحنات مسؤولية الاستعداد للرحلة، قائلًا: "يجب على الشركات وأصحاب الشاحنات التأكد من جاهزية المركبات والسائقين قبل بدء الرحلة".

ويوصي المسكري باستخدام المعدات والمركبات المناسبة لكل حمولة، وتوفير أدوات التثبيت المخصصة لها، والتحقق من وضعها وربطها قبل التحرك. وتعيد هذه التوصيات النظر إلى القرارات التي تُتخذ داخل موقع التحميل، حين تُختار المقطورة ويُوزَّع الوزن وتُشد أدوات الربط.

وتتضمن اللائحة العُمانية التزامات في هذا الموضع تحديدًا، فالمادة 29 تلزم المرخص له بالتحقق من تنظيم الحمولة وتثبيتها وربطها بأمان قبل السماح بالسياقة، وإعادة التحقق أثناء النقل. وتشمل أحكامها توزيع الوزن على المحاور، والصيانة الدورية، وتزويد المركبة بسجل يؤكد صلاحيتها للسير.

التجارب العالمية

ووجود هذه الالتزامات يحدد ما ينبغي البحث عنه في سجلات الرحلات وعمليات التفتيش، وكيف نُفذ فحص التثبيت؟ ومن أجراه؟ وما الذي استدعى إعادة ربط الحمولة أو منع تحركها؟ ويصبح السؤال أكثر تحديدًا مع اللفائف المعدنية، ومنها لفائف الألمنيوم والصلب، التي تحتاج طريقة تأمينها إلى مراعاة شكلها واتجاه وضعها على المركبة.

في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، تخصص القواعد الفيدرالية للنقل التجاري بين الولايات أحكامًا لتثبيت اللفائف المعدنية عندما يبلغ وزن اللفافة أو مجموعة اللفائف 2268 كيلوجرامًا فأكثر. وتظل الشحنات الأخف خاضعة لقواعد تأمين الحمولة العامة. ويشمل تعريف اللفائف في هذه اللوائح المعادن وسبائكها بأشكالها المختلفة؛ وبذلك تدخل فيه لفائف الألمنيوم أيضًا.

وتتغير متطلبات التثبيت بحسب اتجاه فتحة اللفافة، فعند نقل لفافة منفردة وفتحتها أفقية باتجاه عرض المركبة تشترط القواعد وسيلة تمنع تدحرجها وتدعمها فوق سطح التحميل مثل قواعد أو أوتاد مثبتة، إلى جانب أربطة تمر عبر الفتحة لتقييد الحركة إلى الأمام والخلف. وتحظر الاعتماد على تثبيت القطع الخشبية بالمسامير وحدها لتأمين وسائل منع التدحرج.

وتحدد القواعد العامة معيارًا لأداء منظومة التثبيت: تحمل قوى تعادل 80 في المائة من وزن الحمولة في الاتجاه الأمامي، و50 في المائة إلى الخلف وإلى الجانبين، مع تطبيق كل اتجاه على حدة. يترجم هذا المعيار سلامة الربط إلى قدرة محسوبة على مقاومة القوى التي تتعرض لها الحمولة.

وفي إنجلترا واسكتلندا وويلز، يوصي دليل وكالة معايير السائقين والمركبات بالجمع بين الأربطة والحواجز المادية عند تأمين الحمولات المعدنية، ويفضّل استخدام السلاسل، مع حماية الأحزمة من الحواف الحادة عند استخدامها. ويشرح الدليل أن حجم هذه الحمولات ووزنها وضعف الاحتكاك بينها وبين سطح التحميل تجعلها عرضة للحركة.

ويشرح الدليل نفسه مسؤوليات تمتد إلى الجهة التي تضع البضاعة على المركبة، وتشمل التنسيق مع الناقل لتأمينها طوال الرحلة. ويقترح خطة تحميل يمكن أن تتضمن الوزن وطريقة التثبيت وصورة للحمولة مؤرخة بوقت التقاطها، كما يوضح واجب مشغّل المركبة في دعم السائق الذي يثير مخاوف تتعلق بالسلامة، وتجنب الضغط عليه للانطلاق بحمولة يعتقد أنها غير آمنة.

تقدم هذه النماذج تفاصيل يمكن الاستفادة منها عند فحص نقل اللفائف محليًا، مع مراعاة اختلاف النظم القانونية، وتتيح المقارنة الانتقال من العبارة العامة عن ربط الحمولة جيدًا إلى التحقق من ملاءمة وسيلة التثبيت لشكل البضاعة ووزنها، ومن وضوح مسؤولية من يفحصها ويجيز تحركها.

فحص كفاءة السائقين

ويربط الدكتور محمود بن سخي البلوشي، الرئيس التنفيذي لشركة المدينة للخدمات اللوجستية، مهارة قيادة المركبة الثقيلة بتصميمها وبما تحمله، ويدعو إلى تصنيف أكثر تخصصًا لرخص القيادة حسب نوع الشاحنة والحمولة.

ويقول البلوشي: "فسائق القاطرة والمقطورة يختلف عن سائق شاحنة عادية". ويرى ضرورة إجراء تدريب وفحص دوري لكفاءة السائقين، إلى جانب معرفتهم بطريقة تحميل البضاعة وتنزيلها وقواعد السلامة على الطرق.

ويطرح البلوشي فكرة وجود فنيين يشرفون على التحميل بحسب نوع الحمولة والمركبة، ومديرين يتابعون عملية النقل من بدايتها إلى نهايتها، ويشير إلى تقنيات لمراقبة حالة الشاحنة ويقظة السائق، وإصدار تنبيهات عند تغير المسار أو ظهور تغير في حالة المركبة أو قائدها.

وتتزامن هذه المتطلبات، وفق البلوشي، مع ارتفاع كلفة تشغيل النقل من الوقود والصيانة إلى تعيين السائقين المناسبين، كما يدعو إلى توفير محطات استراحة على الطرق التي تربط المحافظات والمناطق البعيدة وتحسين الطرق بما يلائم أنواع الشاحنات وأوزانها.

تفعيل لجنة النقل البري

من جهته، يقول المسكري إن الجمعية العُمانية للوجستيات تقدم دورات للسائقين بلغاتهم، وتنسق مع معاهد السلامة لتأهيلهم، ويضيف: أنها تتواصل مع الوزارة وشرطة عُمان السلطانية لبحث التحديات، وتعمل على تفعيل لجنة النقل البري لمتابعة مطالب الناقلين وتقديم التوصيات.

أما متابعة ما يحدث بعد مغادرة موقع التحميل فتحتاج إلى اتصال بين هذه الإجراءات والرقابة على الطريق. ويقول الزدجالي إن الوزارة تتحقق إلكترونيًا من صلاحية تراخيص المنشآت وبطاقات تشغيل الشاحنات عبر منصة "نقل"، إلى جانب التفتيش الميداني، وإن الشركات ملزمة بحفظ سجلات نشاطها وإتاحتها للمختصين.

ويؤكد أن "الحلول التقنية تمثل أداة مساندة للرقابة، ولا تعفي الناقل من مسؤوليته القانونية في الالتزام بالمتطلبات والاشتراطات المنظمة للنشاط".

في التوثيق الذي جمعته "عُمان" عند السيح الأحمر، أمكن متابعة الشاحنات منذ خروجها من الطريق الرئيسي قبل نقطة وزن الشاحنات حتى عودتها مرة أخرى دون مبرر واضح، والواضح أن ما يحدث في السيح الأحمر يمكن أن يحدث في أماكن أخرى، الأمر الذي يدعو إلى أهمية مراقبة الشاحنات عند هذه النقاط للتأكد من مطابقتها للقوانين واللوائح المنظمة لوزن الحمولة وإجراءات السلامة التي تتخذها، وهي إجراءات مرتبطة بمدى التزام الشاحنات بالقوانين في لحظة التحميل مرورًا بعبورها في الطرق العامة.

Image