رومسبرينغا الآميش: حين يمنحك دينك حرية أن تخطئ
قرأت عن الرومسبرينغا لأول مرّة في كتاب «فلسفة التجرد الرقمي» (Digital Minimalism) لكال نيوبورت، ولم يسعني حينها سوى الاندهاش من هذا الطقس الذي لا تزال بعض عشائر الآميش تمارسه إلى يومنا هذا.
طائفة الآميش هذه، المنتمية إلى المذهب البروتستانتي، تفرض على أفرادها قواعد صارمة تجاه أدوات العالم الحديث: فالهواتف ممنوعة، وقيادة السيارات محرّمة، ولا تزال هذه العشائر تتنقل بمراكب تجرها الخيول، معتمدةً على أدوات تقليدية جدًا وممارسات صارمة. وفي قلب هذه المجتمعات البعيدة عن شَرَه الحداثة ونَهَم الرأسمالية، يوجد طقس «الرومسبرينغا» الشهير، الذي يخوضه الشباب لتحديد مصيرهم في الحياة.
يشيع عن هذه الطائفة أنها بليدة ومتصلبة إلى درجة تمنع عالمها من مواكبة التقدم مع الجميع، ويقال إنها بدائية ورجعية تعيش حياة من كانوا هنا قبل مائتي عام. لكن الحقيقة، كما توضح دراسة جون هوستتلر المرجعية «Amish Society»، مختلفة تمامًا؛ فالآميش يمتنعون عن الكثير من عادات حياتنا المعاصرة لأسباب دينية ترجع إلى العهد القديم والجديد، كما أن لديهم قواعد أقل منطقية كتحريم السحّابات على الملابس، إلا أن مشكلتهم ليست مع التكنولوجيا بحد ذاتها، بل مع طريقة استهلاكها. يقول هوستتلر: إن «مجتمعات الآميش ليست بقايا من العصور القديمة، وإنما تجلٍّ آخر للحداثة».
ويذهب كيفن كيلي في كتابه «ما تريده التكنولوجيا» (2010) إلى أبعد من ذلك، مبيّنًا أن الآميش يستخدمون أحدث التقنيات، لكن بطريقة تسهم في تحسين حياتهم كما يعرفونها، فهم منطلقون من قيمهم الراسخة في الكتاب المقدس وعاداتهم المتوارثة: يقتنون أفضل أدوات الزراعة والبناء، يؤسسون مشاريعهم التجارية وحتى صفحاتهم الإلكترونية شريطة أن تُدار من الخارج، ويتدارسون منفعة هذه التقنيات وأضرارها قبل الشروع في إباحتها في المجتمع. وحين رأوا أن السيارات الحديثة قد تهدد نسيجهم الاجتماعي، منعوها بكل بساطة.
أثارت هذه الطائفة فضولي عند قراءتي عنها: فما هو هذا الدافع العظيم الذي يجعل هؤلاء المتدينين يتخلّون طواعيةً عن استهلاك أدوات العالم الجديدة، والتي يُفترض أنها تجعل من الحياة تجربة أيسر وأقل وطأة؟ لماذا تُمنع الهواتف والأجهزة المختلفة عنهم؟ أو بالأحرى يمنعونها عن أنفسهم؟ هل هم على هذا القدر من الحصافة ليتنبأوا بمصير عالمٍ يتسارع نحو التكنولوجيا والعالم الافتراضي، أم أن تمسّكهم بدينهم وعاداتهم هو ما يدفعهم للتخلي عن هذه الحياة المزخرفة بالآلات والأجهزة؟ لا أعرف الجواب بعد، لكن ما أدركته هو أن هذه المجتمعات وجدت طريقة أكثر أمانًا للتعامل مع التكنولوجيا، وإن كانت قد حرمت نفسها من الكثير في المقابل.
من هذا الفضول وصلتُ إلى فيلم بعنوان «رومسبرينغا» (Rumspringa)، الفيلم الكوميدي الألماني الذي أخرجته وشاركت في كتابته المخرجة ميرا ثييل، والذي أنتجته نتفليكس وعُرض في أبريل 2022. ورغم تصنيفه الرسمي ضمن الكوميديا، إلا أن هناك عمقًا يتخطى هذا التصنيف، ففي خضمه رأيت طقسًا غريبًا، ولكنه مثير في الآن ذاته. يقودنا جاكوب، بطل هذا الفيلم (يؤدي دوره يوناس هولدنريدر)، الشاب الآميشي الذي يخوض تجربته الأولى خارج العالم الذي نشأ فيه.
هذه هي فكرة الرومسبرينغا كما يقدّمها الفيلم: أن يخرج شباب الآميش من مجتمعهم المنغلق، ليروا عالمًا لم يلمحوه حتى على شاشة هاتف لوحيّ، بعد أن تلقوا طوال حياتهم تعليمًا صارمًا عن عقيدتهم ومجتمعهم. تكمن الفكرة في الفرصة الاستثنائية التي تُمنح للشباب المقبلين على التعميد، حيث يُسمح لهم بالخروج وفعل ما يريدون، وارتكاب كل ما هو محرّم عليهم، والتحرر مؤقتًا من كل القيود التي كبّلتهم عن العالم.
هذا الخيار المصيري هو ما أدهشني في الفيلم، فوضع الشباب وسط صخب هذا العالم اختبارٌ حقيقيٌ لإيمانهم، فإذا قرروا اتباع الحياة الحديثة فلهم ذلك، شريطة أن يخرجوا من مجتمع الآميش نهائيًا، وإن كانت هذه ضريبة قاسية، إلا أن حرية اختيار المرء هويته بنفسه تبقى متاحة رغم كل شيء، فما أصدق مما تهمس به قلوبنا؟ أما إن اختار العودة والاستمرار في مجتمع الآميش، وهو ما يحدث في الغالب وفق الدراسات المذكورة، فيُستقبل بأذرع ممتدة، ويعمَّد ليواصل السير في الطريق الآميشي.
لم يخلُ الفيلم من بعض اللقطات غير المنطقية ومحاولات الرمنسة المبالغ فيها، إلا أن جرأته في دفع تجربة الرومسبرينغا إلى أقصاها أرغمتني على إكمال العمل إلى نهايته. لم يسعَ كتَّاب السيناريو إلى تمجيد مجتمع الآميش أو تصويره مثاليًّا، فهو كجميع المجتمعات بعيد عن الكمال، بل تركوا بطلهم يتخذ قراره خلال رحلة هذا الطقس وفق ما أملاه عليه قلبه، متحررًا من سلطة دينية اكتسبت سمعة سيئة بسبب تحكّمها بالآخرين وتسلّطها في أحيان كثيرة.
خاض جاكوب التابوهات بوصفها تجارب واختبارات في آنٍ واحد، واكتشف أن ما تخبئه هذه الحياة، وهذا الكمّ الكبير من الذكريات التي تنتظر أن تدخل في رؤوسنا، هو ما يمنح الحياة طعمها الحقيقي.
كم مرة يتسنى لنا أن نحقق ذواتنا في هذه الحياة؟ هل نملك حقًا سلطة سبر أغوار حقيقتنا في هذا الوجود الشاسع دون عواقب تجعل من حياتنا جحيمًا لا يُطاق؟ هذا ما يجعل طقس الرومسبرينغا مبهرًا ومثيرًا للاهتمام، فهو يمنح صاحبه ثقة غير محدودة بأنه سيصبح شخصًا جيدًا مهما كان خياره في هذه الحياة، ثقة من يدرك أن هناك عديدَ التجارب الجوهرية التي تشكّل وعي المرء بذاته وبالآخر وبالعالم حوله، حتى علاقته بالتربة، بالماء، بالقطة التي تموء على قارعة الطريق.
هذا بالضبط ما خاضه جاكوب: اكتشف الحب للمرة الأولى، وقاد سيّارة للمرة الأولى وإن بلا رخصة قيادة، وكوَّن صداقات خارج بيئته، وتذوق أطعمة جديدة لم يذقها من قبل، واتصل لأول مرّة بهاتف خاص، وارتدى بنطالًا جديدًا بسحّاب... إلخ، وكل ذلك جعل له الحق في أن يتبع دقّات قلبه، ليكون آميشيًّا حقيقيًا أينما حلّ.
في النهاية، يبقى طقس الـ«رومسبرينغا» أكثر من مجرد فيلم كوميدي عن طائفة غريبة الأطوار، فهو انعكاس حقيقي لسؤال أعمق: كيف نجد خيط التوازن بين حرية الاختيار وانتماءاتنا المجتمعية؟ وبلا شك، ما يميز الآميش هو قدرتهم على جعل هذا التوازن خيارًا واعيًا ناضجًا لا قيدًا مفروضًا دون مبررات، وهو درسٌ يستأهل التأمل حتى خارج نطاق عالمهم المغلق.
