زراع الأمل ليسوا جميعًا "صادقين"!
لا تعتقد بأن كل من زرع الأمل في نفسك هو شخص صادق، حتى وإن كان يريد لك الخير، فبعض الآمال حبالها واهية، وقوتها تتهادى بين لحظة وأخرى، وقد لا يعيش هذا الأمل طويلًا، لكنه بالمقابل قد يكون هو السبيل الوحيد للبقاء والصمود في وجه العاصفة، واهتزاز الروح، وضعف الإنسان وقت الشدة!.
قد تراه أنت تناقضًا غريبًا، في حين يراه غيرك أنه السبيل الأفضل لتدارك الأشياء وتخفيف مشقة التفكير وما فيه من وجع.
أعتقد أن الجميع يتفق على أن الأمل الكاذب خيوطه ضعيفة، فلا بد أن يظهر المستور إلى العلن حتى ولو بعد حين، الشخص الذي ينثر بذور الأمل في تربة قلبك ليس بالضرورة أنه يبيع لك الوهم أو يجعلك أكثر تفاؤلًا في استقبال الأحداث المفرحة، فربما يكون من شدة خوفه عليك تجبره الظروف إلى قول أشياء ليست صحيحة.
في بعض المواقف يكون الأمل هو السبيل الوحيد ليظل الإنسان متماسكًا، في نظري أن الشاعر والوزير العباسي الطغرائي كان على صواب تام عندما قال: "أعلل النفس بالآمال أرقبها.. ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل".
في بعض المرات يكون الصراع النفسي أشد حدة من الألم ذاته، فهناك أمور تكون نهاياتها محسومة سلفًا، فالأبواب المنفذة إلى الخارج تكون موصدة، فلا نافذة تطل على الحياة، ولا حل يزيح المشكلة، لكن الله تعالى أمرنا في كتابه العزيز بأن نكون أكثر تفاؤلًا وإقدامًا على الحياة مهما تعسرت الأمور واشتدت قوتها عندما قال سبحانه: "إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا"، فمن يدري بماذا تخبئه الأقدار لنا، فكما يقول الإمام الشافعي:
فَكَمْ مِنْ صَحِيحٍ مَاتَ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ
وَكَمْ مِنْ سَقِيمٍ عَاشَ حِينًا مِنَ الدَّهْرِ
وَكَمْ مِنْ فَتًى أَمْسَى وَأَصْبَحَ ضَاحِكًا
وَأَكْفَانُهُ فِي الْغَيْبِ تُنْسَجُ وَهْوَ لا يَدْرِي
أقدارنا مكتوبة منذ البدايات، والشدائد والمحن تحيط بالإنسان منذ الخليقة، ولكن الأمل في الله تعالى يظل كبيرًا وممتدًا، فهو الذي يغير الأمور من حال إلى حال.
نحب أن نزرع الأمل في نفوس الغير حتى وإن كنا "غير صادقين" في أقوالنا، لكن في ظل انحسار الحلول يبقى الأمل وإن كان وهمًا هو كلمة السر في تقوية القلوب وتضميد الجراح واستقرار الأنفس.
نزرع بذور الأمل لنحارب شدة اليأس، ولنتغلب على المحن سواء بالصبر والجلد أو بالأمل الكاذب من أجل تحقيق هدف يمكن أن يغير شيئًا في النفس المتعبة وحتى تستطيع أن تقاوم الشدائد والهزائم المؤكدة.
في الحياة هناك ظروف كثيرة يمكن أن تقلب أحوالنا وأن تزهق أرواحنا، فبعض المصائب آلامها شديدة، والخروج منها سالمين ليس بتلك السهولة التي نتوقعها، ولكن الله تعالى يلهمنا دائمًا "الصبر والسلوان" حتى نستطيع أن نتعافى مما نعانيه.
في بعض المرات، يساورنا الشك بأننا سنهزم معاركنا الضروس، لكننا نتمسك بقشة الآمال للخروج من معاناة النفس وخوف الغرق، والسؤال الذي يطرق أبواب العقل: هل أنت مع الأمل الكاذب أم قبول الحقيقة المرة كيفما جاءت إليك؟
اعلم بأن الناس سينقسمون إلى فريقين، أشخاص "حالمون" يفضلون العيش مع الأمل، البعض الآخر "واقعيون" يريدون معرفة الحقيقة من البداية كيفما كانت، ولا يهم إذا انهارت قواهم ولم يستطيعوا الصمود في وجه العاصفة!.
الخياران كلاهما صعب من الآخر، فأنت تريد أن تبقى لفترة أطول على صبرك واحتسابك من أجل الأجر والثواب والصمود، وبالمقابل لا تريد أن تعيش "وهم الأمل الكاذب" الذي يمكن أن يتلاشى في لحظة معرفة الحقيقة الصعبة.
أحوال الناس تتقلب من لحظة إلى أخرى، لو تأملنا في رحلة العلاج من بعض الأمراض المستعصية لوجدنا بأن الإنسان ينهار سريعًا بمجرد انقطاع أمل الشفاء ومعرفة الحقيقة الكاملة حول مرضه، لذلك أصبحنا نخفي عن أحبائنا بعض الحقائق المؤلمة رغم أن قلوبنا تتقطع من الداخل، لكن السبيل الذي نراه "صحيحًا" لصمودهم أكبر وقت ممكن هو عدم إخبارهم بالحقيقة الصادمة.
ويبقى الأمل والحقيقة شريان يغذي عقول البشر، فما بين مؤيد ومعارض يبقى السجال مفتوحًا على مصراعيه، وتبقى أرواحنا معلقة في رحاب الله ولطفه بنا دائمًا.
