في الوقت الذي تستعد فيه نخبة التكنولوجيا لجني المليارات من ثورة الذكاء الاصطناعي، انعطف المزاج العام بشأن هذه التكنولوجيا منعطفا قاتما. فقد احتدمت المخاوف بعدما اتخذت نماذج تجريبية تابعة لشركة (أوبن آيه آي) قرارا ذاتيا بقرصنة خوادم شركة أخرى في يوليو، فكان ذلك نذيرا على نطاق كبير.
واستجابة لهذا المزاج القاتم دعا السناتور بيرني صاندرز الأسبوع الحالي إلى وقف جميع «تطويرات الذكاء الاصطناعي المتقدمة» لوهلة.
وتزداد هذه المشاعر بسبب إصرار كبار العاملين في الذكاء الاصطناعي من أمثال سام ألتمان وداريو أمودي على طريقة معينة في الحديث عن هذه التكنولوجيا؛ فبدلا من طمأنة عملائهم، يكونون أول من يشير إلى الأخطار الجسام التي قد تطلقها شركاتهم، ويتخذون ردود أفعال على الحوادث المرتبطة بمنتجاتهم أشبه بردود أفعال أطراف لا علاقة لها بالأمر عدا أنها تراقب من بعيد قوة من قوى الطبيعة لا قبل لأحد بإيقافها. واتباعا لهذا النمط، قطع ألتمان يوم الأربعاء الماضي وعدا كئيبا بأن يكون الجيل التالي من نماذج شركته «صدمة للجميع».
لماذا يسلك أولئك القادة ذلك المسلك؟ يرى البعض أن الأمر محض استراتيجية تسويق محكمة، ويرى آخرون أنه استجابة طبيعية لتكنولوجيا مخيفة. ولكنني كلما ازددت درسا لأولئك الأشخاص، ازددت اقتناعا بأن أمرا آخر يساعد على تفسير هذه الكآبة السلبية: إنهم أشد اختلالا مما ندرك.
تبدأ القصة في منتصف تسعينيات القرن الماضي، حينما اكتشف مراهق يفوق ذكاؤه سنه ويدعى اليعازر يودكوفسكي قائمة بريدية لحركة عرفت بالـ«إكستروبيان» [the Extropians]، وكانت تلك الجماعة تروج رؤى ليوتوبيا قائمة على التكنولوجيا، نستطيع فيها إصلاح أجسامنا المسنّة بآليات نانوية ونضع نسخا مما في عقولنا على أجهزة كمبيوتر فائقة القدرة.
انبهر يودكوفسكي بتفاؤلية مجموعة الإكستروبيان المفرطة واهتمامها بفكرة الذكاء الاصطناعي «الفائق» والمستقبل الذهبي الذي سوف يأتي به.
ومثلما يشير الصحفي العلمي آدم بيكر في كتابه العميق (المزيد من كل شيء إلى الأبد)، فإن إمكانية حل جميع مشاكل الإنسانية عبر تقنية الذكاء الاصطناعي وحدها قد «غيرت» يودوكوفسكي تماما فنشر مرة قوله: «إنني أعتقد أنني قادر على إنقاذ العالم».
برغم حماسه، بدأ يودوكوفسكي في نهاية المطاف يخشى من أن السيطرة على الآلات فائقة الذكاء سيكون تحديا أكبر مما تدرك جماعات التفاؤلية التكنولوجية من أمثال الإكستروبيان.
وخلص إلى أن أترابه لا يفكرون تفكيرا واضحا أو دقيقا أو كافيا في الأمر. وفي ما بين 2006 و2009، أخذ يكتب بكثافة حتى أنتج مئات آلاف الكلمات، كان ينشرها في الغالب على مدونتيه (قهر التحيز) و(خطأ أقل) [Overcoming Bias -LessWrong].
باتت هذه المنشورات معروفة بـ«السلسلة» ثم حرِّرت في النهاية في كتاب من ستة أجزاء بعنوان «العقلانية: من الذكاء الاصطناع إلى الزومبي».
وبدأ أفراد الوسط الذي يكرس نفسه لهذه الأفكار يطلقون على نفسهم تسمية «العقلانيين»، وفي صميم نظامهم الاعتقادي أن الذكاء الفائق الخارج عن السيطرة أشد خطرا على الإنسانية وأن إعمال عادة التفكير العقلاني الدقيق هو السبيل الأمثل لتجنب الانقراض.
بالنسبة لفئة معينة من أنماط المهندسين الشبان في وادي السيليكون، كانت تلك الأفكار ذات جاذبية هائلة. وهو أمر منطقي في ضوء أنها صورت أولئك المهندسين الشبان باعتبارهم منقذي البشرية فعليا.
فقد كتب أحد العقلانيين ويدعى كياوتشو يوان يقول: عندما صادفت مدونة (خطأ أقل) في سنتي الجامعية الأخيرة كنت بمعنى من المعاني وعاء فارغا ينتظر أن يملأه شيء ما. وكان إليعازر يودكوفسكي يقول أمورا منطقية أسرتني أكثر من أي شيء عرفته من قبل».
بدأ بعض العقلانيين يعيشون في بيوت جماعية في منطقة خليج سان فرانسيسكو حيث كانت تجري بحرية حوارات عن أمان الذكاء الاصطناعي وتقليل التحيزات المعرفية، كما كانت تجري أيضا علاقات عاطفية متعددة وتتداول مؤثرات عقلية. واستمرت الحركة في النمو، وسرعان ما تداخلت وتأثرت بفلسفات من قبيل (الإيثار الفعال) التي بدأت في تحويل تركيزها من زيادة العمل الخيري كفاءة إلى مكافحة مخاطر وجودية من قبيل الذكاء الاصطناعي فائق الذكاء.
أنشأ يودكوفسكي معهد أبحاث الذكاء الآلي (MIRI) ليجتذب تبرعات بلغت ملايين كثيرة من الدولارات أغلبها من أفراد وجماعات مرتبطة بصناعة التكنولوجيا يفترض أنهم أحبوا تصويرهم باعتبارهم شخصيات في مسرحية كونية.
في العام الماضي، حاول يودكوفسكي أن يمضي بأفكاره فائقة العقلانية بشأن الذكاء الاصطناعي الفائق إلى الصدارة بنشره كتاب (إذا أقامه أحد فسيموت الجميع) الذي كتبه بالاشتراك مع نيت سواريس رئيس معهد أبحاث الذكاء الآلي. وبرغم أن الكتاب لفت الأنظار، ظل مزيج يودكوفسكي غير المعتاد المؤلف من الدقة المظهرية والإسهاب الشديد منفرا للكثيرين.
وفي مراجعة للكتاب لاحظ ستيفن مارش أن بنية الكتاب الغريبة، وامتلاءه بنوادر لا قيمة لها وأكواد كيو آر يؤدي مسحها إلى تفاصيل إضافية، جعله أشبه في قراءته بـ«أدلة كنيسة الساينتولوجي» [Scientology]. وهو ما يفسر فشل يودكوفسكي وحركته ـ برغم انفجار الاهتمام بهم في أول الأمر ـ في نيل قبول واسع النطاق من الرأي العام.
لو كانت قصة العقلانية قد انتهت بنجاح متفاوت لإليعازر يودكوفسكي في نيل الاعتراف العام، لكانت محض حلقة من حلقات تاريخ كثير من الجماعات المستقبلية الغريبة في وادي السيليكون. لكن ليس الإعراض عن حركة يودكوفسكي بهذه السهولة: فمن بين الأتباع الذين تمكن من اجتذابهم بعض أهم شخصيات طفرة الذكاء الاصطناعي التوليدي الراهنة.
فقد كان يودكوفسكي هو الذي قدم اثنين من الشركاء المؤسسين لشركة (ديب مايند) وهما ديميس هسابيس وشين ليج لبيتر ثيل الذي أصبح المستثمر الأساسي الأول في الشركة. وقد بدأ ليج يهتم بالأفكار العقلانيين بعد حضوره حديثا ليودكوفسكي، مضى بعده لكتابة أطروحة دكتوراه في موضوع الذكاء الفائق.
كما أثرت العقلانية في أوبن آيه. إذ كتب ألتمان تغريدة سنة 2023 قال فيها: إن «إليعازر في رأيي قدم للذكاء الاصطناعي العام أكثر من أي شخص عداه».
ومضى فقال إن يودكوفسكي قد يستحق جائزة نوبل في السلام لتأثيره على الذكاء الاصطناعي. ويقال: إن أحد الشركاء المؤسسين والرئيس الحالي لأوبن آيه آي، وهو جريج بروكمان، يدير مجموعة قراءة أسبوعية لمنصة يودكوفسكي (خطأ أقل).
ويبدو أن أعضاء آخرين في مجلس إدارة أوبن آيه آي قد تأثروا بهذا الضرب من التفكير. وها هو وصف الصحفي التكنولوجي كيد ميتز لإقالة ألتمان المؤقتة من الرئاسة التنفيذية لأوبن آيه آي سنة 2023: قال أعضاء في مجلس الإدارة متصلون بحركتي العقلانيين والإيثار الفعال إنهم لا يمكن أن يثقوا في أن يعهدوا إليه بإقامة الذكاء الاصطناعي بالنيابة عن الإنسانية».
وكان إيميت شير ـ الرئيس التنفيذي المؤقت الذي جيء به ليحل محل ألتمان ـ شديد النشاط في الثقافة العقلانية على الإنترنت لدرجة أن يودكوفسكي أطلق اسمه على شخصية في روايته الملحمية الخيالية المؤلفة من ستمائة ألف كلمة بعنوان (هاري بوترر ومناهج العقلانية).
وبالمثل ترتبط شركة أنثروبيك بنظامه العقائدي. فالمجموعة التي أسست الشركة سنة 2021 مؤلفة من موظفين سابقين في أوبن آيه آي، منهم داريو أمودي وأخته دانييلا.
وكان بعض من دوافع الأخوين أمودي ـ مثلما يورد الصحفي آدم بيكرـ هو تخوفهما من أن أوبن آيه آي «لم تتعامل مع مشكلة التوافق بالجدية الكافية»، وهذه إشارة إلى اهتمام العقلانيين مبكرا بالتوفيق بين الذكاء الاصطناعي الفائق وخدمة مصالح البشر.
وفي حوار سنة 2023، كرر داريو أمودي تفكير العقلانيين المعياري حينما قال عرضا على سبيل السخرية: إن هناك فرصة تتراوح بين 10 إلى 25% في أن ينهي الذكاء الاصطناعي الإنسانية.
هذا الواقع، أي واقع تأثير العقلانية العميق في الكثير من كبرى شركات الذكاء الاصطناعي اليوم، يساعد على فهم اللغة المقلقة التي نسمعها من قادة هذه الشركات.
فحينما يعلن ألتمان أن نماذج شركته القادمة سوف «تصدم» الإنسانية أو يتخوف أمودي من أن هذه التكنولوجيا «سوف تكون امتحانا لنا بوصفنا سلالة»، فذلك لا يعني بالضرورة أنهما اكتشفا أدلة جديدة مريعة على أن أمرا كارثيا في الطريق.
ولكنه تمثيل للطريقة التي يفكر بها العقلانيون دائما في الذكاء الاصطناعي. فمن المسلمات، في هذه الدوائر، أن قدرات الذكاء الاصطناعي سوف تتسارع بشدة حتى تغير العالم تغييرا تاما، والحديث في هذا الأمر بأي طريقة مختلفة يعد بمنزلة الجهل.
وبالنسبة لعقلاني، ما من سؤال مفتوح إلا سؤال واحد عن الدرجة التي سوف يتمكن بها أصحاب تلك الأدمغة البطولية، المدربة بعناية على النحو الذي روجه يودكوفسكي، من الحيلولة دون أن تؤدي تلك التغييرات إلى أحداث انقراض.
وللإيضاح، غير وارد الآن أن يصف أشخاص من قبيل ألتمان وأمودي نفسيهما بالعقلانيين. فمع نمو شركاتهم يبدو أنهم ينأون بأنفسهم عن بعض أفكار يودكوفسكي الأكثر تطرفا.
لكن يبقى محتملا أن اشتباك هؤلاء الأفراد مع الحركة قد أسهم في ترسيخ فكرتهم الدائمة بأن الذكاء الاصطناعي قريب من تغيير كل شيء.
فتأثير العقلانية يساعد على تفسير سبب ورود هذا الأسلوب في الكلام بسلاسة على ألسن قادة الذكاء الاصطناعي. ويساعد على أن نسأل كيف كان يمكن أن يختلف الذكاء الاصطناعي التوليدي لو كان ظهر من شركات لا علاقة لها بالعقلانية
يمكن أن نلقي نظرة على النموذج البديل في الصين، فطفرة صناعة الذكاء الاصطناعي هناك مستقلة عن الحركات المستقبلية في وادي السيليكون.
وفي حين أن الولايات المتحدة ـ مثلما أوضح الصحفي روث داوثات أخيرا ـ «تتصرف وكأن نماذج الذكاء الاصطناعي الرائدة قد تكون مساوية للأسلحة النووية» فإن الصينيين يرون الذكاء الاصطناعي «تكنولوجيا أقل خطورة، يمكن نشرها وتسليعها، للفوز بالأصدقاء والتأثير في العالم».
ويمكن أن نجد اعتدالا مماثلا لدى قادة الذكاء الاصطناعي الأمريكيين ممن لا يرتبطون بالعقلانية ارتباطا يذكر. وانظروا إلى جينسن هوانج الرئيس التنفيذي لشركة نفيديا الذي شارك في تأسيس الشركة قبل سنين من انتماء يودكوفسكي إلى الإكستروبيان، ولا يبدو أنه اختلط مطلقا بدوائر العقلانيين.
فكثيرا ما يبدو واضح الاستياء من الحديث المتطرف الذي يجري على ألسنة أمثال ألتمان وأمودي، فقد قال على سبيل المثال في حوار على بودكاست: إنني أقدِّر أن كثيرين منا نشأوا على الخيال العلمي واستمتعوا به، لكنه غير مفيد. غير مفيد للناس. غير مفيد للصناعة. غير مفيد للمجتمع. غير مفيد للحكومات».
أمر يدعو للغضب أن تصدر أشد الدعاوى تحذيرا من تأثير الذكاء الاصطناعي عن أشخاص مرتبطين بالعقلانية. فهذه المغالاة في القتامة تيسر علينا أن نتجاهل الأضرار الأقرب تحققا بسبب هذه التقنيات، من قبيل استعمالها المحتمل في هجمات على الأمن السيبراني، والاستهلاك الكثيف للموارد، والتأثير على لياقتنا المعرفية، ودورها في تقويض التعليم ونشر الأفكار المهلكة للأرواح.
كما أن هذا النمط من الخطاب القلق يسمح لشركات الذكاء الاصطناعي بتصوير نفسها وكأنها «وصية» رغم أنفها على تكنولوجيا حتمية، وهو تأطير يمكن أن تستغله هذه الشركات لتتنصل من المسئولية عن الأضرار التي تنجم عن منتجاتها.
لقد حان الوقت لأن نقاوم. وفور أن نفهم أفكار العقلانية الأساسية، يمكن أن نشرع في تبينها. فانتبهوا تماما على سبيل المثال لقادة الذكاء الاصطناعي أو المعلقين على الإنترنت حينما يشرعون في الحديث بتعميمات كاسحة عن مستقبل التكنولوجيا، من قبيل تأكيدهم بثقة أن كثيرا من الوظائف سوف تنتقل إلى الأتمتة عما قريب أو أن النماذج اللغوية عما قريب ستصبح كائنات واعية عازمة على التهرب من سيطرة صانعيها. (لا، قيام وكلاء آوبن آيه آي المستقلين بالقرصنة لا يعني أن الذكاء الاصطناعي يناهض سادته البشر).
فالرد الصحيح هو إعادة توجيه النقاش فورا إلى إمكانيات المنتجات الموجودة بالفعل وأضرارها وجدواها. واستكمالا لتشبيه سبق أن كتبت عنه، أقول إنه لو أن النار تشتعل في سيارات فورد من تلقاء نفسها، لما تسامحنا مع رئيس الشركة التنفيذي إذا ما نقل النقاش إلى عدم استعدادنا لمستقبل السيارات الطائرة. ولطالبنا الشركة بمعالجة المشكلة المعينة القائمة حاليا.
ليس غريبا أن يكون لدى كثير من الأمريكيين مشاعر سلبية تجاه الذكاء الاصطناعي في الوقت الراهن، لكن هذه المشاعر ليست محتومة. فالمجموعة المتاحة لنا حاليا من أدوات الذكاء الاصطناعي مثيرة حقا للاهتمام، ومثيرة للقلق، وواعدة، ومحبطة، في الآن نفسه.
وبالتوجيه السليم، يرجى منها أن تجعل حياتنا أفضل. ولا يجب أن تكون مرعبة. لقد ظننا أن وادي السيليكون يحاول تحذيرنا من خطر لا سبيل إلى اجتنابه، لكن غاية الأمر أنهم قد يكونون مختلين.